|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
عود على بدء ـــ عيسى سمعان ودعنا أصدقاءنا الصينيين من أعضاء فرع اتحاد كتاب مقاطعة جيجيانغ في مطار هانتشو الذي أنشئ حديثاً كما قيل لنا. وبالفعل فقد لمسنا الجدة والتقنية الحديثة المقترنتين بالنظافة وحسن الترتيب والإعلان في كل ركن من أركانه –في ردهاته وممراته وقاعاته الفسيحة ومرافقه العصرية. لقد كان مرآة مجلوة بحق –كما يقولون. شعرت من جانبي –ولابد أن زملائي يشاركونني الشعور ذاته –بالأسى لفراق هؤلاء الأصدقاء ومغادرة هذه المدينة التي تأسرك بجمالها وسحر طبيعتها. غادرت الطائرة بعد تأخر لأسباب فنية دام نصف ساعة إلى بيجينغ. ها قد عدنا إلى العاصمة من جديد، إلى حيث بدأت رحلتنا. كان فندق توفوتيل حيث كنا تركنا بعض أمتعتنا في قسم الأمانات يعج –كعادته- بالسياح الأجانب من مختلف الجنسيات. وقد كان هذا ما لفت نظري في كل بقعة زرناها من بقاع الصين. العدد الكبير من السياح الأجانب يتحدثون شتى اللغات، ويرطنون بمختلف الألسن لا يفهم –في رهطهم- "الحداث إلا التراجم" كما يقول الشاعر. "لا غرو"، قلت لنفسي. "فالصين مهد حضارة عريقة من نحو، وتطل في الآن ذاته بإطلالة واعدة لا يستهان بها على الحضارة الحديثة. ومن جانبها فلم تأل الدولة جهداً لتوفير الراحة والمرافق النظيفة وحسن التنظيم وسهولة المواصلات إلى شتى البقاع السياحية والأثرية. كما أنك واجد في الصين كل ما تطلبه وتشتهيه –دون أن ننسى بالطبع الحرير الطبيعي الذي اشتهرت به هذه البلاد منذ زمن حتى أصبح قطعة من تاريخها كما كونفوشيوس، والسور العظيم. التأم شملنا بعد غياب دام حوالي أسبوع أو نحوه مع موظفي السفارة وخاصة محمود ومالك اللذين حرصا على توفير كل مساعدة كنا بحاجة إليها- وإن كانت هذه الحاجة معدومة أو تكاد ذلك لأن مرافقينا الصينيين الدائمين –السيد تشين من فرع اتحاد بيجينغ وضابط الارتباط الدائم، والمرافقة المترجمة شيرين –لم يتركا ثغرة. بعد استراحة دامت النهار بحاله تخللها عصراً زيارة لأحد المجمعات التي يرتادها عادة السياح الأجانب –كما قيل لنا- والمعروفة بتنوع بضاعتها ورخص أسعارها انطلقنا صباح اليوم التالي إلى موقع السور العظيم. بالطبع، كانت فرصة أخرى لرؤية العاصمة في قسمها الشمالي حيث كان مرورنا. كنت تحس ذلك الصباح الذي تحار فيه هل الدنيا ستمطر أم لا، وتستمتع بلذة النعم واللا كما يقول شيخ القصة العربية يحيى حقي، أن كل بقعة في بيجينغ هي مركز المدينة. فالحركة دائبة لا تفتر، والنشاط البشري المتنوع قائم على قدم وساق، وبالطبع، كنت ترى زرافات الدراجات العادية إما تعبر مفترقاً للطرقات، إذا كانت غير متوقفة، أو تتوقف بانتظار أن تسمح لها شارات المرور بالعبور. وكان هذا المشهد يتكرر فصولاً مع اجتيازنا للشوارع الشمالية لمدينة بكين ونحن نتوجه إلى السور. خرجنا من البوابة الشمالية لبيجينغ لينفتح المنظر على حقول وسهول تشبه كثيراً نظائرها في بلدي وخاصة في بقعته الساحلية الشمالية. تمهل فأمامك بوابة الرسوم على الطرقات الدولية Toll Gate. تمهل السائق واتخذ أحد المسارب السبعة المخصصة للسيارات العابرة. دفع الرسم وقبض لقاء ذلك تذكرة ثم تابعنا سيرنا. فالعملية هذه، ورغم كثرة السيارات العابرة تتم بكل نظام وصمت ودون أي تأخير يذكر. هو النظام المفتاح العمومي لكل الأنشطة الحياتية. بعد فترة لاحت لنا من بعيد بعض قطع السور على الجبال العالية أو المتوسطة العلو، من يمين ومن أمام. كان السور يتقفى الجبال في صعودها وهبوطها فيصعد تارة ويهبط أخرى ويتلوى صعوداً أو هبوطاً طوراً آخر. "يبدو أننا نقصد بقعة بعينها ندلف من خلالها إلى السور". وقد نوهت رفيقة الطريق الأسترالية إلى مدينة شي آن إلى هذه البقعة التي هي المنفذ غير الوحيد إلى السور والتي يكثر فيها الباعة. وبالفعل أطلت الحافلة على مكان فسيح في منخفض من الأرض تحيط به الجبال اصطفت فيه الحافلات السياحية والسيارات الخاصة والعمومية بجانب بعضها كأسنان المشط. كما انتشرت الأكشاك متراصة بجانب بعضها تعرض للعين ما يحتاجه السائح في تلك البقعة النائية من ماكنات تصوير وأفلام وقبعات. وغيرها الخ –ما اعتدنا على رؤيته في كل بقعة سياحية. ترجلنا من السيارة لنرى أمامنا المركبات الهوائية (التلفريك) أو ما يسمى بالإنجليزية Cable Cars غادية رائحة في حركة لا تفتر تمتلئ أجوافها بالركاب تارة، وتعود –وقد أفرغت حمولتها في الأعلى- دونهم تارة أخرى. صعدنا إحداها، وزملاؤنا لحقوا بنا بواحدة أخرى ووصلنا إلى هامة السور العظيم. كان المنظر عصياً ومتمرداً على الوصف. مشينا على السور، وصعدنا أدراجاً حجرية شديدة التسلق، وهبطنا أخرى شديدة الانحدار. "انظروا إلى أين وصل أولئك السياح في جرأتهم وتمددهم على السور. هل لا نهاية لهذا السور؟" سلسلة جبال شاهقة ومترامية كان السور يقبض كراكب الجواد على ناصيها دون أن تفلح في الإفلات منه أو رميه عن ظهرها. كان يقفوها أنى ذهبت أو انداحت. يصعد متوجاً هامتها حين تصعد، ويهبط ممسكاً بمتنها حين تهبط. وكان السؤال الدائم الذي لا يني يلح: كم –ترى- عدد الأرواح التي زهقت حتى اكتمل بناء السور؟ وكم من الأجيال والسلالات توالت حتى أخذ شكله الحالي؟ ذلك لأننا علمنا أنه بني –حتى وصل إلى صيغته النهائية- على مراحل وفي أعصر شتى. قيل لنا –وتجمع لدينا من عدة مصادر أن السور يقع جغرافياً في شمال وشمال غرب الصين شرق منطقة جادوي –مقاطعة كانسو في الغرب. وله جدار داخلي يمتد جنوباً من جواربيجينغ وتقريباً إلى هانتان. أما من بنى السور؟ بنى الإمبراطور شي هوانغدي القسم الأول والأطول من سور الصين العظيم (1900كم) بين عامي 221 و 204ق.م، وقد عملت السلالات الأخرى على زيادته حتى أصبح السور أطول منشأة بشرية على الأرض بطول 2400 كم (1500 ميل). وقد صمم لصد غارات القبائل الشمالية. ويوفر الجدار الحجري الهائل حاجزاً عظيماً يصل ارتفاعه إلى 7.6م وعرضه 4.6 حتى 9.1م عند قاعدته ويستدق إلى 3.7م عند القمة. يبلغ ارتفاع أبراج المراقبة المتوضعة بمسافات فاصلة طولها 180م اثني عشر متراً. وفي القرون التالية، وخاصة أثناء عصر سلالة مينغ Ming (1368-1644) تم ترميمه ومده إلى مسافة أبعد بحجارة البناء بدلاً من التحصينات الترابية السابقة. في الأجزاء الشرقية يعلو سطحه حجر القرميد. ورغم حجمه الهائل فإنه لم يكن ليوفر وسيلة دفاعية تامة ضد التهديد القبائلي من ناحية الشمال. وقد انتهى التهديد بحملات شنتها إمبراطورية تشينغ في السهوب رغم أنهم هم ذاتهم سليلو الغزاة الشماليين. "هل تسمح لنا تلك العائلة الصينية –يا شيرين- بالتقاط بعض الصور التذكارية مع طفلها الوحيد؟" في المرة الأولى تأبى علينا الطفل ذاته، لكننا أفلحنا في الثانية مع طفل آخر ربما لم يستهجن الأمر بالقدر ذاته. وهكذا تبادلنا التقاط الصور أنا وصديقي أبو شادي مع إحدى العائلات الصينية التي لا تزيد بالطبع عن ثلاثة (ولد لابد أنه قرة عين والديه والمبتدأ وواسطة ومنتهى عقدهما، وأبويه). وأخيراً يا صديقي يا أبا حمزة ها أنت تعلو صهوة السور الذي تراه في الأفلام والبطاقات البريدية. إنه كم هي الدنيا قريبة إلى بعضها. وكم اضمحل هذا الكوكب بفعل الحضارة والتقنية وما جاد به (هؤلاء الرجال العظام بآلاتهم الطائرة)*. شكراً لهم من أي بلد كانوا وإلى أية جنسية أو لون أو دين أو عرق انتموا. بعد أن أخذنا نصيبنا وقسمتنا من المكان والزمان هبطنا إلى القاعدة حيث مركز انطلاق المركبات الهوائية ومراكز اصطفاف الباصات. تريثنا قليلاً. نظرنا إلى أعلى حيث كنا. جال بصرنا في أرجاء المكان لكأنما وصلنا للتو. تمنينا لو أتيح لنا أخذ ولو قطعة صغيرة من هذه البقعة إلى سوريا. في طريق العودة عرجنا على أحد أماكن الاستراحة على الطريق حيث تناولنا طعام الغداء. كان يرتاد المكان عند وعقب وصولنا مجموعات من السياح الإفريقيين كما بان من سحناتهم. وكان المكان يحوي –من بين ما يحوي- صالة فسيحة للمعروضات المتنوعة الكبيرة منها والصغيرة بدءاً من العقد الصغير وخاتم اليد والأسوارة وانتهاء بتمثال ضخم لأسد من حجر الجاد الفيروزي الذي أربى سعره على المليونين بالليرات السورية. كانت المصنوعات غاية في الجودة والإتقان –وفي ارتفاع الأسعار أيضاً. طبعاً هي أسعار سياحية زد على أن هذه الصناعات اليدوية تتطلب الكثير من الجهد والوقت لإخراجها على هذا النحو من الدقة والإتقان. عدنا إلى الفندق وأمضينا فترة بعد الظهر ونصف اليوم التالي الأخير في جولة حرة في الأسواق وبين المحال اشترينا معها آخر الهدايا التذكارية قبل أن نغلق حقائب السفر. وفي الساعة السادسة من مساء اليوم التالي انطلقنا من مطعم الوردة الحمراء Red Rose. حيث كان العشاء الأخير لنا، وحيث قصدناه أكثر من كل المطاعم الأخرى في بكين. كان العشاء الأخير موشى بأحاديث تطرق عادة والناس على أهبة السفر –أحاديث ذات شجون اصطبغت أحياناً كثيرة بالصبغة الفلسفية والتأمل ولقاء الإنسان بأخيه الإنسان مهما باعدت بينهما المسافات إلى ما هنالك من أحاديث تبعث على التفكر والشجن. وفي مطار بيجينغ كان الوداع الأخير مع مرافقينا الصينيين وموظفي السفارة حيث أقلعت بنا الطائرة متوجهة إلى مطار بانكوك في الساعة التاسعة مساء (الرابعة بتوقيت سوريا). أبنا إلى أرض الوطن لنجد أصدقاءنا السوريين من الاتحاد العام بانتظارنا في أرض المطار. وآب كل منا إلى بيته كما يؤوب كل مسافر "إذا ما رزق السلامة والإيابا" كما يقول شوقي لنستقبل من قبل الأهل والأقرباء والأصدقاء ونحدث عن بلاد الصين العظيمة بلد التاريخ والجغرافيا. (*)-أحد الأفلام المشهورة التي تحكي قصة ومعاناة اختراع الطائرات وكنا شاهدناه في دمشق في الستينيات يوم كنا طلاباً في الجامعة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |