جريدة الاسبوع الادبي العدد 851 تاريخ 29/3/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بعيداً... أيها البرابرة!! ـــ حسن حميد

-1-‏

يا إلهي..‏

هذا هو دجلة.. رفيق الحضارات، والمجد، والأزل. وهذه هي بغداد.. الأم، والدنيا، والجمال، والثبات.‏

إنهما وجه الحق.. الذي يجابه البرابرة الذئاب في فسحة من الليل.. والعتمة الحاجبة!‏

دجلة، وبغداد.. ابنان للأزل، والبقاء، والظفر.. والغار الجميل.. والبرابرة.. إلى زوال، وذوبان، وانمحاء!‏

إنهما، بغداد ودجلة..، نخلة الدنيا الشامخة المسيّجة بالأحداق، والضياء، والقصص التي تصوغها القلوب وجداً، ونشيداً، وصباحات كأرغفة الفجر!‏

إنهما.. الوجدان، والأطفال، وحكايات البيوت، وأدعية المساجد، وأيقونات الكنائس، وأجراس الوقت...‏

إنهما... الأزل فالعالم اليوم ساعة تدور وفق مواقيت بغداد، واصطخاب دجلة.‏

-2-‏

حزين ليل بغداد.. لكنه يَبرق!‏

حزين ماء دجلة.. لكنه يجري، ويتلامع.. ويفور!‏

إنه الحزن الذي يشقشق العتمة بالضياء الباهر.‏

-3-‏

مطر عميم.. في بغداد..‏

أصوات زخاته تلفُّ بحّة الآذان‏

مطر...‏

مطر...‏

مطر...‏

يغسل الجباه.. ويفتح نوافذ الوقت..‏

ويسيل.. في قنوات الروح ترياق الخلود..‏

يفتح صفحات التاريخ، والمدن، والأسماء..‏

هي ذي.. ذي قار ناهضة.. شاخصة تدور بين أيدي شجعان بغداد.. كحبات السبحة!‏

وهي ذي.. القادسية.. والماء، والسيوف، واعتفار الأسود!‏

وهاهو... كلقامش.. يجلجل صوته كالرعد الأسير...‏

وهاهو... تموز.. ينهض في أوان الخضرة والدم‏

بيرقاً.. يعلو بوابات البيوت..‏

وذا.. هو السياب ينشد في حضرة المطر..‏

وقد هاله الدم الذي علق بشناشيل بغداد..‏

وذا.. الرصافي يهامس الزهاوي.. أيهما يطلق نفرة الأيام..‏

وذا.. الحلاج.. دمه صباغه،‏

دمه.. دربه إلى سدرة الظفر.. والخضرة الدائمة..‏

وهذا الذي يدنو.. هو الجواهري.. يرفع بيده‏

صورة أخيه جعفر، والقصيد، وبيده الثانية نايه‏

يدنيه من فمه.. وينفخ.. فتنهض العاصفة!‏

وهذا الشيخ الذي يغلق بوابة (أور) بوجوه البرابرة.. هو إبراهيم الخليل.. يذبهم بأطراف أصابعه.. كالذباب!‏

وهؤلاء اللواتي يحوّمن مثل الطيور الجارحة..‏

هن نساء العراق يكنسن الغربان بعيداً... عن عتبات البيوت.. وذا المتعالي.. هو صوتهن ندّاهاً‏

يلف أولادهن مثل الهواء.. كي يثبتوا، فلا يلوي أعناقهم إلى الخلف.. سوى بيارق الانتصار!‏

-4-‏

هي ذي أم قصر، والفاو، والبصرة، والناصرية، والنجف، وكربلاء، وتكريت، والسماوة، والموصل، وبغداد.. نجوم دجلة‏

والفرات.. رايات العرب، والشرفاء...‏

بيدٍ تمسح جراحها، وسهد ليلها، وخوف صغارها.. وبيدٍ تدفع البرابرة الذئاب.. بعيداً عن الضفاف، والبيوت، والأرواح..‏

بعيداً.. كي لا يفسدوا أغنيات قصب دجلة... والفرات.‏

بعيداً.. كي لا يفسدوا الهواء!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244