جريدة الاسبوع الادبي العدد 852 تاريخ 5/4/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ثقافتنا والعالم – صراعٌ لا ينتهي ـــ محمّد إبراهيم عيّاش

لا بدّ أن نقف طويلاً أمام الغزو الثقافي بأشكاله المتعدّدة الّتي تستهدف القيم والثوابت لتخترق بالتّالي جسد الأجيال، وتعمل فساداً بالقيم والثّوابت والأصالة، وتشتّت الهويّة بل تمحو كلّ ما يحيط بها من عوامل وقيمٍ وحضورٍ وإبداع.‏

وأمام هذا الواقع المفروض لا بدّ وأن تتّسع جبهة المقاومة وفي مقدّمتها المقاومة الثقافيّة الّتي تحبط أدوار المطبّعين والمأجورين الّذين يعرفون خطورة هذا الموقف (أعني التطبيع مع العدو) وهو أوّل مسمار يُدَقَّ في الجسد العربيِّ الأصيل، وتكون بداية الاعتراف بعددّ يبحث عن كلّ الوسائل الّتي تميت روح المقاومة، وتجتثَّ جذورها، لأنّ المقاومة هي الخطّ الوحيد الّذي يضمن ويفتح طريق التّحرير، ويسدّ الطّريق على المطّبعين الّذين يسعون فساداً في الأرض، ويعملون بكل قوّة لفتح هوّة في جدار الثقافة العربة بستار مزيّف اسمه السّلام، وهذا السّلام الّذي لا يغطّي حتّى عيب المضمون، وحقيقة الاستسلام، وستر عورة باتت مكشوفة أمام عالم لا يريد إلاّ الإيقاع بها وفضّ بكارتها بغطاء أسموه السّلام المنتظر أو خطّة الطريق، أو البحث عن حياة وديمقراطية جديدة، تحت وصاية أمريكيّة تدفعها قوة الشرّ واللّوبي الصّهيوني الّذي يسعى جادّاً مع هذه الطغمة الفاسدة لسحب آخر ورقةً من أوراق المقاومة والدفاع عن الهوّية الثقافية الّتي تحفظ ماء وجه الأمّةِ، وتحافظ عليها.‏

والسّؤال الّذي يطرح نفسه: ما هو الدّور الّذي يمكن أن تلعبه الثّقافة والمثقف العربي، ونحن نعاني ما نعاني من الضعف العسكريِّ، والاستسلام السّياسي، في أمّةٍ غدّتْ مضرب المثل في الذلِّ والهوان؟!‏

والجواب: إنّ الثقافة بكلّ أنواعها تشكّل رداءً حافظاً في جميع الفصول، ولكلّ الاختراقات لأنّها تشكّل وعياً قادراً على توظيف المعرفة وإنتاجها وتؤدي إلى التغيير الإيجابيّ الذي لا بدّ وأن يترك بصمةً في العلاقات العامّة الاجتماعيّة المحليّة والدّوليّة الّتي تحاول أن تصل إلى حقيقة واحدة لا مفّر منها ألا وهي العيش ضمن منظومة الشّعوب العالميّة الّتي تسعى إلى محاربة الظّلم والاستعباد.‏

وأمام التحدّيات الّتي تواجه الأمّة العربيّة لن أقف طويلاً أمام تعريف الثّقافة، ولن أضع نفسي في هذا الموضع الّذي عرّفه المفكّرون وأطالوا وأجادوا في تعريفه ومنها:‏

"والثقافة في منحى وصفي عام، تشمل الآداب والفنون والفلسفة والعقائد، والتربية والتّعليم بمراحلها، وشرائح الثقافة التخصّصيّة، المهنيّة، وغير المهنيّة" (1).‏

إذن لا بدّ أن ندرك –وقد وقعت الواقعة –الخطر الّذي يحيط بالأمّة وأمريكا تستفيد، وتركّز كلّ إمكاناتها العسكريّة والسّياسية -في ظلّ القطب الأحاديّ المهيمن –لتفعل فعلتها مبتدئة بالأمّة العربيّة الّتي وصلت إلى ما وصلت إليه من التفكّك والشّرذمة والارتباط، ولذلك برزت الأطماع ومُهّد لها بحشود عسكريّة لا مثيل لها، من قبل دولة قويّة تساندها قوى عسكريّة عالميّة، وعلى رأسها بريطانيا بل حكّام بريطانيا الّذين كانوا وما زلوا يبحثون عن كلّ سبب يفتّتّ الأمّة العربيّة خدمة للصّهيونية، وطمعاً في الخيرات، وسعْياً وراء الأهم والأولى –بالنسبة لها –وهو ألاّ تجتمع الأمّة العربيّة، وألاّ تتوحّدَ، وتشكل قوّة فريدة من نوعها وخاصّة أنّ المعادلة قد تغيّرت عمّا كانت عليه في الحربين العالميّتين بعد ظهور النفط والخيرات الكثيرة والوفيرة، وبعد أن ثبت للجميع –وبدون نقاش –أنّ الأمّة العربيّة قادرة على حماية نفسها، وتشكيل دولة وأمّة كبيرة وقويّة، تستطيع أن تتفوّق على باقي الأمم وخاصّة أنّها تتّكئ على موروث ثقافيٍّ كبير، ومخزون ماديٍّ يوفّر لها كلّ أسباب القوّة والمنعة.‏

وإنّ الّذي نراه اليوم من حشود عسكريّة أمريكيّة، دليل على أنَّ المعركة مع الصّليبين قد بدأتْ بالفعل، وما العراق المهدّد –تحت كلّ التّسميات –إلا بداية لكارثة جديدة، تبدأ أولاً بالغزو العسكريّ الّذي يرفع راية الأقوى أو الغالب فوق أرض المغلوب، وبعدها يكون لها ما أرادت بل تحاول أن تحقّق ما تصبو إليه من زرع روح اليأس، وبعدها تنقضّ بكلّ قوّتها لسرقة الثروات، ومن بعدها قتل روح الإرادة والمقاومة، وعندما تقتل الإرادة فهذا يعني احتلال الشخصيّة من الدّاخل، وتمهيد الطّريق بل الطّرق للعدوّ الّذي يقف خلف الخطوط المتقدّمة –وربّما سيكون معها –ليحصل على الغنيمة الكبرى، ويحقّقَ كلّ ما أراده من تغيير لخارطة العالم بل العرب وتتحقق مقولة إسرائيل الكبرى الّتي لا تحسب حساباً لأحدٍ في عالم يقدّم لها كلّ ما تريد، ويؤمّن لها أسباب القوّة والسّيطرة والمبادرة لتنفيذ المخطّط المعروف وإبادة وترحيل الشّعب الفلسطينيّ عن كلّ أرض فلسطين وهذه تكون المرحلة الأولى الّتي تجعل من هذا العدوّ قوّة وسيطرة وغزواً في قلب الأمّة الّتي رضيت بالذلّ والهوان عندما باعت الضّمير، وخانت الرّسالة ووضعت كرامتها في قرار الحاكمين المتربّعين على كراسي الحكم، ولا همّ لهم إلا الحفاظ على الكرسيّ، وتكديس الأموال في مصارف أمريكا وبريطانيا، تلك المصارف الّتي تمتلكها الشركات اليهوديّة وتسيطر عليها من قريب أو بعيد.‏

وأمام هذا الواقع (الغالب يفرض قوانينه على المغلوب، والمغلوب يقلّد الغالب والأقوى في كل شيء) أمام هذا سعى النظام العالميّ الجديد إلى:‏

1-السّيطرة الكاملة على مقدّرات الأمّة العربية بعد سلبها هويّتها الشخصيّة.‏

2-زرع روح اليأس والتّسليم أمام قوّة المتسلّطين من الحكّام العرب والعملاء والمأجورين الّذين باعوا ضمائرهم، وأحدثوا خللاً كبيراً في الصّفّ العربيّ من خلال إبعاد الجماهير عن روح الديمقراطيّة الصّحيحة الّتي توفّر للبلاد الأسس الصّحيحة للانطلاقة نحو الهدف المنشود.‏

3-محاربة كل الموروث الثقافي بما في ذلك المعتقد الّذي جعلوه في مقدّمة أسلحتهم بما في ذلك القرآن الكريم والحديث النبويَّ، مروراً بالشّعر العربيّ قديمه وحديثه، نفاذاً إلى اللّغة العربيّة الّتي شاركت وساهمت في حفظ التراث والثقافة وأثبتت وجودها على مرّ العصور.‏

وبالنتيجة على العرب جميعهم.. وهذا الكلام أصبح على لسان العملاء والمتآمرين من العرب قبل غيرهم.. إزالة الحواجز الّتي كانت تجعل من العدوّ الإسرائيليّ كياناً غريباً عن المنطقة العربية، وإلغاء الحواجز يعني العيش المشترك مع هذا العدوّ الّذي يؤدّي –وحسب هذا المخطّط –إلى إلغاء الكراهية بعد إلغاء المسوّغات في الوقت الّذي يبقى فيه الكيان قائماً وبقوّة مع استمرار الاحتلال وتوسيعه والعمل على تحويل كل الجهد العربيّ (عن طريق العملاء والمروّجين) إلى جهدٍ يسعى إلى تشويه الحقائق والتّاريخ، وأكثر من ذلك تثبيت معطيات العولمة الجديدة بكل سلبيّاتها لخلق مناخ الهيمنة والفتك بالمقوّمات السّليمة للفرد تهيئةً لفساد مجتمع بأسره بالاعتماد على المادّية المطلقة الّتي تسعى لخلق مجتمع الشّرق أوسطيّ بدلاً من كلّ التّسميات الّتي تدخل فيها كلمة (الأمة العربية) وبالتّالي -وهو الأهمّ لديهم –أن تحلّ إسرائيل محلّ فلسطين، وإذا تواجد بعض الفلسطينيين فإنهم لا يمثّلون إلاّ أفراداً منخرطين في مجتمع يهودي استيطانيٍّ ينشر كل تعاليمه وإجرامه ويخطّط لانطلاقة جديدة بعد أن يهدم الإرادة ويسيطر على كلّ ما هو عربيّ يحاول أن يقول شيئاً يخدم الأمّة العربيّة أو يحاول المحافظة على التّراث السّليم.‏

وبالتّالي أقول: لا همّ لعدوّنا –وبالدرجة الأولى –إلاّ قتل روح المقاومة، والعمل الجاد على إقناع المثقّف بل تيئيسه، وجعله أداة للسّياسي الّذي ربّما تحكمه الظروف في فترة معينة لمفاوضة العدوّ أو تقبّل شروطه، وأمام هذا لا بدّ أن نعرف أنّ السّياسة والثّقافة شيئان متكاملان، وأنّ العلاقة بينهما علاقة أهداف، ومصير أمّةٍ وإثبات وجود وعمل تفاهم لرسم خارطة العمل المشترك لعودةٍ سريعةٍ إلى الحفاظ والعمل على تثبيت دعامة الوجود والبقاء وحفظ ماء الوجْهِ أمام عدوٍّ قويٍّ متغطرس يسعى وبمباركة استعماريةٍ للقضاء على الأمّة العربيّة وتفتيت شملها، وجعلها أداة لسيطرته، وقوةً للحفاظ على وجوده فوق أرضنا العربيّة أينما وجدت. ناهيك عن نهب خيرات الأمّة، والتحكّم بكل مقدّراتها بغطاء محاربة الإرهاب ، والحفاظ على الدّول الصغيرة المظلومة، ونشر الديمقراطية بسيادة ورعاية أمريكيّة.‏

(1)-كتاب ثقافتنا والتحدي –د. علي عقلة عرسان ص (11)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244