|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
العولمة والعلاقات الدولية ـــ موفق نادر هذا كتاب لا يختلف في أهميته عاقلان لأسباب كثيرة تضمّها دفتاه والمرحلة التي يجيء فيها وكُلها يدركها القارئ الحصيف لا محالة بمجرّد مطالعة الكتاب!!.. إنّه "العولمة والعلاقات الدولية" لمؤلفه "غينادي زوغانوف" رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي حاليّاً، وبترجمة لافتة للأستاذ عدنان جاموس الذي لا يزال يؤكّد مرّة بعد أخرى طول باعه وحذاقته فيما ينبري لترجمته من كتب. والكتاب من إصدار مكتبة ميسلون ـ دمشق في نهاية العام 2002 ـ ويقع في 150صفحة من القطع الوسط. وتنبع أهمية الكتاب بالدرجة الأولى من هذه الروح الحميميّة الصادقة التي يطرح الباحث مقولاته عبرها حتى تشبه لغته البوح ا لمؤرق بحزن فظيع لا يعرفه إلاَّ من رأى تجربة سبعين عاماً من الكفاح الدامي تدوسها أحذية مرابي المافيا ودهاقنة البورصة، حتى يتهاوى الوطن تحت نزواتهم الدموية وكأنه لم يكن أبداً... بينما يتحلّق الأعداء والخونة يتقاسمون التركة مثل ضباع ضارية..!! ومن يهوله أن يرى العالم الشاسع بأممه وثقافته وكلّ تراثه الذي يصنع الحياة بجدله الخلاق؛ يصبح لقمة سائغة تفغر أمريكة وزبانيتها فمها الكبير لتلتهمها دفعة واحدة متمنطقة بوشاح "السوبر مان"، الذي لا يُقهر!!... والأمر الآخر الذي يبادر القارئ للوهلة الأولى في هذا الكتاب هو وضوح أفكاره وجميعها ممّا يؤرق المواطن العربي حتى تغدو حديث الساعة عنده... فالباحث لا يوغل في التجريد و"الحذلقة" السياسية و التطويح بالمصطلحات جزافاً ممّا يبعد الأفكار عن ذهن المتلقي المحدود الثقافة، بل يتوجّه مباشرة إليه ليخرج بفهم عال المستوى لا يغادر ذهنه بمجرّد إغلاق الكتاب، وجاءت ترجمة الأستاذ عدنان على قدر هذا الوضوح النزيه ومواكبة له تماماً. ومع اعتبار الوهم السائد بين غالبية المثقفين والذي لا يمكن تلخيصه بأنّ منظّري الاشتراكية قد استنفدوا كلّ ما لديهم، بل أعلنوا إفلاسهم حتى لم يعد ممكناً الإصغاء إليهم مهما تكن طروحاتهم بعد الكارثة الفظيعة التي حلّت بالوطن السوفييتي؛ لا يملك المرء إلاَّ أن يفهم ويقتنع بكلّ ما يقوله هذا الكتاب والذي لا يستطيع مقال موجز كهذا أن يفيه حقه كاملاً، بل سيظلّ مجرّد دعوة لقراءته، لكيلا يبقى اسماً عابراً في زحمة أسماء الكتب الكثيرة التي تزّين واجهات المكتبات...!!.... بخاصّة أننا وصلنا إلى زمن بلغت فيه أمريكة من الصلف والغطرسة أن تدير ظهرها سلفاً لما سيقرره مجلس الأمن الدولي بشأن المسألة العراقية ـ مثلاً ـ لأن هذا المجلس ـ كما صرّحت الخارجية الأمريكية ـ لم يعد أهلاً لاتخاذ القرارات المهمّة وقد أصبح يغصّ بالدول "الإرهابية" ـ أو التي تدعم الإرهاب....!!. بجرأة الباحث والسياسي الخبير يعلن المؤلف أنّ الزمن الذي نحن فيه أخطر مرحلة تصلها المجتمعات البشرية مهما اختلفت تسمياتها، بعد أن تفككت المنظومة الاشتراكية ـ الحصن الأخير للتوازن الدولي ـ وبعد أن خلعت الامبريالية" ـ "ورقة التوت" فأعلنت بوقاحة فظّة أن نيتها ليست أقلّ من التربّع على عرش العالم حيث الولايات الأمريكية قمة الهرم وقاعدته كلّ العالم الفقير الذي لا يصلح أن يكون سوى خادم مطيع مزوّد للسيّد الأمريكي بما يحتاج من الخيرات والمواد الأوليّة مقابل أن ينال رضاه فيجعل أرضه ميداناً لتجاربه الحربية ومختبراً للصناعات الأوليّة الخطيرة ومكبّاً لنفاياته السامّة متى يشاء. فإذا ما تطاولت دولة أو زعيم على التلميح بالخروج على طاعة "رئيس العالم" العظيم!! فالتهمة جاهزة ليكون بعدها القصاص الرادع لكل من تسوّل له نفسه أن يكون:"إرهابيّاً" يزعج السيّد القويّ ولو بمجازفة إعلامية بسيطة لم تعد حقّاً لأحد سواه، وهكذا تصبح "دوّامة الإرهاب" ـ أنشوطة حول رقاب الشعوب تنشر الخوف والهلع بين صفوفها، وتسلبها إرادتها وقدرتها على النضال في سبيل حقوقها، لأن هذه الحقوق هي فقط ما يعترف به زعماء العالم المبجّلون!!... وفي حديث الباحث على "سيناريوهات العولمة" يضع يده على مركز النزيف في الجرح حينما يؤكد أن التحكّم بالتيارات المالية قد تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى المحرّك الأساسي تقريباً للعولمة، وبخاصة أن وسائل الاتصال الإلكتروني أتاحت نقل رؤوس الأموال العملاقة من أقصى الأرض إلى أقصاها في أ قلّ من رفة جفن وهذا ما يهدد باكتساح وجرف حدود الدول وسيادتها وأصالة الشعوب القومية، مما يؤدي إلى نشوء مقدمات لاشتداد التوتر الدولي والنزاعات العنيفة. يقول الكتاب في الصفحة الخامسة والثلاثين: "أضف إلى ذلك أن النقود، باكتسابها هذه المرونة والقدرة على الحركة التي لم يسبق لها مثيل، لم تعد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقطاع الاقتصادي الواقعي وبالإنتاج المادي؛ وتدل أكثر الإحصاءات تفاؤلاً أن نسبة الأموال التي تظلّ ضمن هذا القطاع الآن لا تزيد عن 8 ـ 10% أمّا التسعون في المائة المتبقيّة فإنها تعمل في مجال "المتاجرة بالهواء"، أي في مجال المضاربات المحضة التي ليس لها علاقة بإنتاج السلع والخدمات". وقد نمرّ بهذه المسألة مروراً عابراً، غافلين عن أخطر نتيجة يترتب عليها وهي خلق بطالة عالمية هائلة حيث سيُستغنى عن جهد ثمانين بالمائة من العمالة بعد أن يصبحوا عالة على النظام العالمي الجديد، ممّا يخلق مشاكل بلا نهاية..!... ولا يقلّ الخطر الثقافي لهذا النموذج عمّا سبق، وهنا تأتي الشهادة من العالم الأمريكي "بنجامين باربر" الذي يصرّح بثقة: "إن انتصار الثقافة المعولمة يرتبط بأنها تتساهل على نحو منتظم ومقصود مع المثالب الإنسانية: اللا مبالاة والكسل والميل إلى الاسترخاء، فديزني وماكدونالد وبرامج التسلية التلفزيونية تعتمد الذات على إشباع الميل إلى الأشياء السهلة السريعة، البسيطة...". (ص37). ومع أنَّ المؤلف يستعرض بنظرته الثاقبة البدائل التي يمكنها دخول حلبة المنافسة في عصرنا ويناقش بإيجاز مكثف ودال ما لهذه البدائل وما عليها، لا يملك القارئ إلاَّ أن يعجب بهذه الثقة العالية بوطنه روسيا وقدرته على الانبعاث، دون أن يكون الرهان أحلاماً جوفاء بل هو ثمن باهظ يعرض إحداثياته كما يلي: "ففي ظروف النمو المتسارع لعدد سكان الأرض ستغدو المعارك من أجل الاستيلاء على الموارد ـ الطاقة، والثروات الباطنية، والمواد الغذائية، والماء النظيف، والهواء النقي ـ هي المضمون الرئيس للنزاعات المحتملة في عصر العولمة. وروسيا التي تملك أكبر احتياطي في العالم من الغاز، والخشب والمياه العذبة والتربة الزراعية السوداء، وتحتوي على مكامن ضخمة للفحم والنفط والفلزات والفوسفات ولأنواع استراتيجية أخرى كثيرة من المواد الخام ستجد نفسها ضمن هذه الظروف في مركز التناقضات العالمية بالضبط. ولكن المعركة الأكثر شراسة وضراوة في ظروف المجتمع مابعد الصناعي ستدور رحاها حول المعرفة والمعلومات، أي حول التعليم والعلم، وحول فعالية التقانات، وجاذبية الثقافة والمثل العليا الاجتماعية"(ص66). وبالوضوح ذاته يفضح المؤلف الحالة المترديّة التي أوصلت الامبريالية العالم إليها لتضمن لـ"المليار الذهبي" ما يطمح إليه من ربح بلا حدود مهما كان الثمن من حياة أبناء الشعوب الفقيرة التي تجهد العولمة لكي تظلّ على هامش الحياة: "إن حضارة الغرب قدطوّرت وتائر مرتفعة إلى حدّ لا يجوز القبول به في مضمار استهلاك المواد اللا متجدّدة على الأرض، وتخريب البيئة، واستثمار القوى العاملة الرخيصة في البلدان والمناطق المتخلفة اقتصادياً".(ص78). ويفضح بلا هوادة الأحلام الكاذبة التي يمنّي حكام روسيا أنفسهم بها: أن تعترف أمريكا بندّية بلادهم لا أن تدخلها ـ كغيرها ـ في مطحنة العولمة، فتشطب بجرّة قلم تراثاً وحضارة من أكثر الحضارات ثراء وإنسانية: "... ويمكن القول على العموم إن السمة الأساسية للمجموعة الحاكمة في روسيا هي توقها إلى السلطة دون أن يكون لديها أي إدراك لجوهر البلاد وروحها وطابعها، وإهمالها بصفاقة لمصالح الشعب. ولا تملك هذه المجموعة رؤية استراتيجية لمستقبل بلادنا في العالم المعاصر؛ مع أنه قد اتضح تماماً أن التعويل على انضمام روسيا إلى دول (المليار الذهبي) مجرّد وهم (ص108). هكذا يستمرّ الكاتب حتى نهايته مفنّداً دعاوى دعاة العولمة ـ الواجهة المعلنة لابتلاع حضارات الشعواب وتدجين الرافضين بإشهار أعتى الأسلحة دون أدنى حياء ـ ويعيد إلى الأذهان شعار "الأممية" بين شعوب العالم بديلاً يوحّدها باتجاه الإنسانية مع الاحتفاظ بهويتها الثقافية وكرامتها القومية معلناً أكثر من مرة أنَّ البورجوازية التي تاجرت بالشعارات القومية كانت أول من خانها وفرّط بها، فلم يبقَ سوى الاشتراكيين لحمل لوائها والدفاع عنها.. وسأختتم نظرتي في هذا الكتاب بإيراد هذا المقبوس من الصفحة التاسعة والعشرين بعد المائة: "لذا فنحن ملزمون بمواصلة النضال ضدّ توسّع حلف الناتو باتجاه الشرق، وملزمون بدعم شعب فلسطين في مساعيه لإقامة دولته المستقلة، وسنظل نواصل مطالبتنا برفع الحصار الأمريكي عن كوبا والعراق، ونسعى لإيقاف المغامرة الأميركية في أفغانستان..". |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |