|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
جدل الحرب والسلام بين ضفتي الأطلسي ـــ توفيق المديني يكاد لا يمر يوم واحد من دون أن تتناول أجهزة الإعلام العالمية المكتوبة والمرئية.. والمسموعة توسع شقة الخلاف، وحرب الكلمات، وتبادل المواقع، بين الولايات المتحدة الأمريكية وخصومها من المعارضة الأوروبية، بسبب الموقف من الأزمة العراقية، وسبل حلها. لقد سرّ الرئيس جورج بوش من رسالة الدول الأوروبية الثماني المؤيدة للعدوان الأمريكي الوشيك على العراق، وأعتقد أن المبدأ القديم "فرق تسد"، لا زال يعمل بشكل جيد، مادامت بعض الدول الأوروبية أيدت الحرب العدوانية، وضربت في الصميم قلب أوروبا الأوروبية المتمثل في الحلف الألماني الفرنسي الذي بدأ يشكل عامل قلق فعلي لفرض الاستراتيجية الأمريكية في العالم. غير أن المعارضة الأوروبية أطلت برأسها في اجتماعات حلف شمالي الأطلسي في بروكسيل، حين استخدمت كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا حق النقض "الفيتو"، الذي منع صدور قرار يفهم منه التوجه نحو خيار الحرب، حين تم رفض الطلب التركي الذي يريد تطبيق المادة الرابعة من اتفاق إنشاء حلف شمالي الأطلسي، التي تنص على حق كل دولة من الدول الأعضاء طلب مساعدة عسكرية في حال تعرض وحدة وسلامة ترابها وأمنها للخطر، بتقديم صواريخ باتريوت، وطائرات للمراقبة وفرق متخصصة في مقاومة الحرب الكيميائية والبيولوجية في حال اشتعال نيران الحرب في العراق. لاشك أن هذه مواجهة حقيقية خطيرة بين المعارضة الأوروبية والولايات المتحدة، تدور رحاها داخل اجتماعات حلف شمالي الأطلسي، عبر الفيتو الثلاثي الفرنسي ـ البلجيكي ـ الألماني، الرافض لإقحام الحلف في العدوان الأمريكي على العراق من بوابة "الدفاع" عن تركيا، خاصة أن العراق لا يستهدف العدوان على تركيا، ولا يحشد قواته ضدها. ومن الواضح أن الطلب التركي لـ"الحماية"، هو طلب أمريكي بامتياز، بغية اختبار مدى انصياع أعضاء الحلف للإملاءات الأمريكية، ذلك أن الدول الأعضاء لو كانت تشعر أن هناك خطراً داهماً على تركيا لما تأخر الأطلسيون جميعاً في الدفاع عنها. وهنا انكشفت الخدعة الأمريكية. ويواجه حلف شمالي الأطلسي أزمة هوية حقيقية منذ إنشائه، إذ لم يخف أمين عام الحلف "جورج روبرتسون"، اعتبار الأزمة الحالية خطيرة للغاية!... بينما أعلن المندوب الأمريكي في الحلف أن الحلف يواجه أزمة "مصداقية"!... ويعتبر "الفيتو" الفرنسي ـ البلجيكي ـ الألماني عصياناً على الشقيق الأكبر، وللتأكيد أ كثر على استمرار رفع راية العصيان ضد النهج الأمريكي، أكد المسؤولون في الدول الثلاث أن لا معنى لتزكية منطق الحرب في الوقت الذي سيقدم فيه هانز بليكس تقريره للأمم المتحدة يوم الجمعة 14 شباط الجاري. وبينما كان الاعتراض الفرنسي ـ الألماني معزولاً الأسبوع الماضي، إثر رسالة الدول الأوروبية الثماني، إذ به يتحول إلى معارضة أوروبية حقيقية إثر استمالة موسكو وبكين لمشروع الخطة لحل الأزمة مع العراق، البديلة عن العدوان الأمريكي على العراق، الذي سيقدم إلى مجلس الأمن، وترتكز المبادرة الفرنسية ـ الألمانية ـ الروسية على أساس بسيط وهو مالم يتأكد مادياً أن العراق يخفي أسلحة الدمار الشامل، أو يعرقل عمل المفتشين الدوليين فإن نزاع أسلحته عن طريق الأمم المتحدة، وحتى إن اقتضى الأمر تعزيز فريق المفتشين هو النهج الأسلم... وتبقى الحرب بالتالي الحل الأخير!... والمعارضة الأوروبية للحرب تتشكل من القلب التاريخي لمشروع الوحدة الأوروبية، المتمثل في المحور الألماني ـ الفرنسي الذي أطلق عجلة الاتحاد الأوروبي، وهذا المحور هو الذي استطاع أن يحسم الموقف الروسي لمصلحته؛ إذ ظلت روسيا تتأرجح بين محور باريس ـ برلين من جهة، وواشنطن من جهة أخرى. وهذا التأرجح يفسره المحللون بالتباين بين المصالح الروسية المباشرة، في التفاهم مع واشنطن، والمصالح الروسية البعيدة المدى، التي تريد عالماً متعدد الأقطاب يكبح الانفراد الأمريكي بالعالم. لكن خلف التأرجح تكمن حقيقة واضحة للعيان. وهي فقدان روسيا، ربما على نحو نهائي للقدرة على تحديد مسار العلاقات الدولية. أما الصين فقد ظلت منسجمة مع نفسها، فهي لم تتنطح للعب دور دولي كبير، بل اقتصرت سياستها الخارجية على لعب دور إقليمي، وهي غالباً ما كانت تضيف صوتها إلى أصوات المعارضين على لسياسية واشنطن، وهي تدعم المبادرة الفرنسية ـ الألمانية، لكنها تحرص على عدم إغضاب الأمريكيين، خصوصاً أن العلاقات الصينية ـ الأمريكية شهدت تحسناً منذ صيف 2001. الجديد في المبادرة الفرنسية ـ الألمانية أنه لأول مرة تتنطح فرنسا للعب دور قوة عظمى من دون أن تكون كذلك، في مرحلة مابعد نهاية الحرب البادرة، وباستثناء الجنرال ديغول الراحل الذي أكد ذات يوم قائلاً: "أنا أريد أوروبا لكي تكون أوروبية، أي بمعنى أن لا تكون أمريكية"، كانت الأطلسية هي لب الاستراتيجية لأوروبا الغربية، التي ترى أن تمايز أوروبا عن واشنطن عبث بحسبها، وأن الأوروبية لا مستقبل لها خارج مظلة الأطلسية، غير ذلك وقت وجهد ضائعان: انظروا إلى البلقان، تقول بريطانيا الرسمية هل كانت أوروبا لولا الولايات المتحدة لتحسم شيئاً هناك؟... وترتكز قيادة فرنسا لهذه المعارضة العالمية للحرب الأمريكية على العراق، إلى صلابة الموقف الألماني، الذي بتأكيده وإصراره على رفض هذه الحرب، إنما يزيد من تعميق أزمة العلاقات بين ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي جعل باريس تتحرك واثقة من وجود عمق مادي لا يجعل مواقفها معزولة أوروبياً أودونكيشوتية مسلية. أما الدعامة الثانية التي ارتكزت عليها باريس لقيادة هذه المعارضة هو موقف الشارع الأوروبي المعارض للحرب بشدة، خاصة في بريطانيا، على الرغم من أن الموقف البريطاني الرسمي منحاز بإطلاقية للعدوان الأمريكي على العراق. إن قيادة فرنسا لهذه المعارضة العالمية، واستعادة بعض من النهج الديغولي على صعيد السياسة الدولية، وقدرتها على استخدام الفيتو في مجلس الأمن، ووزن ألمانيا في أوروبا والحلف الأطلسي، هذه العوامل مجتمعة هي التي أعطت لمحور باريس ـ برلين هيبة القوة العظمى التي تستطيع أن تقود المعارضة العالمية للحرب الأمريكية على العراق، وأن تقول "لا" لواشنطن بكل مضمرات هذه الـ"لا"، وأن تضع سقفاً للتنازلات الروسية ـ الصينية، إذ أن موسكو وبكين لا تستطيعان إلا أن تضيفا وزنيهما إلى من يتولى الدفاع عن مواقع المنظمة الدولية، خصوصاً أن هناك من يتولى دفع الأثمان عنهما. إن المحور الفرنسي ـ الألماني لا يريد فك التحالف مع الولايات المتحدة، لكنه يريد في الوقت عينه بلورة شخصية أوروبية مستقلة. فالخلاف بين أوروبا الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بشأن الأزمة العراقية، لا يتمحور إذاً حول الحرب العدوانية، وإنما حول الأهداف والوسائل. فهذا التمرد الأوروبي أسهم في طرح الأسئلة التي لم تكن واشنطن ترغب في سماعها. وأي نقاش في مبررات الحرب دوافعها وأهدافها لا ينفك يساهم في زعزعة البناء الذي أقامه الأمريكيون وتوقعوا الجميع أن يتفرجوا عليه ، ويبدو إعجابهم به، لكن الولايات المتحدة فوجئت بتبلور معارضة أوروبية لم تكن تتوقعها، وهذه المعارضة الأوروبية ليست سوى التجسيد السياسي العملي لعدم الثقة بإدارة الرئيس بوش الحالية، وأشخاصها، ونياتها المبيتة من وراء هذه الحرب العدوانية. والأمر الأعمق من ذلك فيتعلق بما بعد هذه الحرب وبحقيقة الأهداف الأمريكية. وهنا بالضبط يكمن التفكير بقلق فرنسا على مصالحها في الوطن العربي والعالم، وبدورها على الساحة الدولية خصوصاً منذ انبعاث الآمال الديغولية. المعارضة الأوروبية للحرب جعلت طوني بلير يرسم سقفاً يتمثل بضرورة العودة إلى مجلس الأمن، وهذا يعني أن طوني بلير لا يستطيع أن ينقاد وراء الثور الهائج الأمريكي مثل الأعمى. ومن دون طوني بلير لا يستطيع الرئيس الأمريكي أن ينطلق في عدوانه على العراق منفرداً. ومن الناحية التاريخية لم تربح الولايات المتحدة الأمريكية الحرب حين لم تشارك فيها أوروبا، ويعرف الأمريكيون أكثر من سواهم أنهم إذا أرادوا كسب الحرب، فإنهم لا يجوز لهم خسارة الموقف الأوروبي المؤيد، وهم لن يربحوا شيئاً إذا تحولت أوروبا إلى كونفدرالية كبيرة على الطريقة السويسرية، تقوم على دوغما الحياد أو رفض هذه الحرب العدوانية على العراق. فأوروبا الأوروبية تختلف مع الولايات المتحدة حول مسألة السلطة، وهي تتجه على الأصح نحو مكان يتجاوز منطق السلطة، نحو عالم مختلف جداً عن عالم الامبراطورية الأمريكية، عالم يسود فيه القانون الدولي، والتنظيم والتفاوض والتعاون بين الدول، عالم تكون فيه العلاقات الدولية قائمة على قاعدة احترام التعدد والاحتكام إلى معايير الشرعية الدولية المتفق عليها، لا إلى المعايير المزدوجة الأمريكية. أما الولايات المتحدة فما زالت غارقة في وحول التاريخ، منكبة على بسط هيمنتها الامبراطورية في كل أصقاع الدنيا، في ظل نظام دولي أحادي القطبية لا يمكن الوثوق فيه بالقوانين، والأنظمة الدولية، إذ يعتمد فيه الأمن الحقيقي، كما الدفاع عن العولمة الرأسمالية المتوحشة، على حيازة القوة العسكرية، واستخدامها لنهب خيرات الشعوب في عالم الجنوب، وتركيعها. وترى أوروبا الأوروبية أن الولايات المتحدة أكثر استعداداً للتسرع في استخدام القوة العسكرية ضد العراق، ضاربة عرض الحائط بمواقف مؤسسات الشرعية الدولية، والشعوب الأوروبية، الرافضة لهذه الحرب العدوانية على العراق، بوصفها حرباً خارج الشرعية الدولية. والولايات المتحدة الأمريكية تزداد ميلاً إلى العمل العسكري ضد العراق في شكل أحادي الجانب، ولا تريد أية مبادرات تتخذ تحت راية المؤسسات الدولية على غرار الأمم المتحدة مثلاً، أو بإزاء التعاون مع دول أخرى بغية حل الأزمة العراقية سلمياً، وإدارة الرئيس بوش الشغوفة باستخدام القوة العسكرية تشك في حسنات القانون الدولي، وتؤثر العمل خارج نطاقه حين ترى ذلك ضرورياً، أو حتى مفيداً لصالح الولايات المتحدة، وحسب، ومع أن ألمانيا تبدو أكثر تصلباً من فرنسا في نزعتها السلمية، إلا أن شيراك أرسل إشارات واضحة لجهة استخدام حق النقض في مجلس الأمن، مستنداً في ذلك إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الفرنسيين يريدون ممارسة حق النقض في حال قررت واشنطن التصويت في مجلس الأمن، على قرار بحرب غير مبرر. وإذا كانت المعارضة الأوروبية بزعامة فرنسا الديغولية وألمانيا قد نجحت في إسماع صوتها المغاير بشأن حل الأزمة العراقية، ورفضها للهيمنة الأمريكية، بسبب استغلال واشنطن الحرب على الإرهاب وتوظيفها لخدمة أهداف الامبراطورية الأمريكية، وبسبب أيضاً الدعم المطلق الذي تقدمه واشنطن لجرائم الحرب الصهيونية التي زرعت في الأذهان صورة لهذا الأمريكي الليكودي، فإن العرب لم يستفيدوا من هذه المعارضة الأوروبية الصريحة لمنطق العدوان الأمريكي على العراق، لكي يبلوروا موقفاً جاداً ومسؤولاً يقول لا للولايات المتحدة، وظل الوضع العربي منهكاً مريضاً لاينتج إلا العجز!... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |