جريدة الاسبوع الادبي العدد 852 تاريخ 5/4/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حين يزهر الحزن ـــ حسن إبراهيم الناصر

الربيع يفرش بساطه حين يزهر الحزن على جانبيه، وتتفتح أزهاره ورداً بلون الدم، والأرض تنبت بطولات لرجال يشبهون الموت يفرشون أجسادهم أشجاراً للوطن ويسجلون ملاحمهم أغان ترددها حرائر العراق جيلاً بعد جيل، نيسان يطل يمد فجره ندياً تفوح رائحة الشهادة.. حيث يمتزج الدم العربي، يرسم خريطة الوطن من جديد، يعيد كتابة التاريخ في زمن ظن الآخرون أن تاريخنا منسي وأن كتابنا غادروا زمنهم... وأن مثقفي الوطن لم يعد لديهم ما يقهرون فيه الصمت، إنها بارقة من أمل بلون الشفق أخذتها شمس نيسان لبعث أبداً لا يعرف الهزيمة... مع كل مفصل من مفاصل أوجاع الوطن تضيء شمس نيسان صباحاتنا ليمنح الجلاء في نيسان عطاءه خيراً للأرض والإنسان ينشر دفئه على مفاصل العمر، يفيض مطراً يروي ظمأ سنوات الجفاف الطويلة أتى الربيع كئيباً يفرش ياسمين الحزن على "شبابيك" الشام... نيسان يعبر من بوابات الحزن.. لقد أدماه آذار حيث الأرض تميد كأنها ترفض ساكنيها، تهتز نافرة تلعن الأقدام القذرة التي لوثت طهارة الرمل.. وانتهكت حدود الوطن! وطن مباح في زمن الصمت المقيت، في زمن شلت الألسن ومنع البوح وتصادرت الأحلام؟ تميد الأرض غضباً تلفظ حممها.. تمور تكاد تنقسم. ليذهب "غربان الليل" إلى الهاوية من سقر، أسئلة تخنق الكلمات تضيق على صدورنا، تتقد على شفاهنا جمراً، بماذا يشعر هؤلاء الذين ارتضوا لشعوبهم أن تنحني.. حتى خجل الانحناء منهم؟ وأي شعوب تلك التي سلمت بالأمر حتى صار السلم استسلاماً مهيناً!! قدر مؤمرك ممزوج بعولمة علينا أن نجابهها بتوحدنا وبحثنا عن النقاط المضيئة في ثقافتنا ونقدمها للآخرين الذين يريدون أن يغيروا خريطة الوطن تحقيقاً لرغبات /الصهيونية/ كي تنشئ أوطاناً على مزاجها؟ تريد أن تلغي حضارة شعب تمتد جذوره في باطن التاريخ.. يوم كانوا هم يعيشوا في عالم الجهل! يريدون أن يصادروا لهفتنا لبعضنا أن... يمحوا ذاكرتنا؟ بالعولمة القادمة من خلف البحار.. تنطق بفوهات المدافع، وتكتب بلغة الصواريخ العابرة "عولمة" تنبت بأدمغة الباحثين عن ألق الشهرة وثقافة الفضائيات كي /يتعولموا عفواً يتأمركوا/؟ تميد الأرض قهراً يكاد يخنقها هذا الذل المبرمج، الآن نقبل بما هو معروض.. وغداً نوافق فلا يوافقوا! وبعدها نشارك هي كذلك مقولة من يتستروا خلف مواقفهم وشعاراتهم بحجة ما هم فاعلون /دولة كبيرة لا أحد يستطيع الوقوف بوجهها/ إذاً لتفعل ما تشاء ونحن مجرد متفرجون أمام مسرح الأحداث العاصفة، هي كذلك مقولة حجبوا بها القوة الهائلة للشعوب، وتجاهلوا ما يملك الشعب من طاقات اقتصادية وبشرية لو وظفوها جيداً لغيرت مجريات الأحداث حتماً، إنه حقنا القانوني والشرعي أقرته الأمم المتحدة ومجلس الأمن ويقف معنا كل المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم؟ لكنه الوطن المباح... لشعوب ضاقت عليها الأمكنة وأصبح الصمت قدراً مكتوباً عليها، وهي التي ابتليت بمن يصادر قولها وموقفها.. وقرارها؟ شعوب صار من الواجب أن تخرج "حرائرها" لأن تصرخ وا... ألف وا.... !!؟؟ يدوي صوتهن تتناقله الوديان يعلو قمم الجبال، تفرشه السهول ألف وا... ماذا ينبت أقحوان يقطر دماً؟!.. أقلاماً!.. تحوله إلى شاشات التلفزة بالعالم، ألف وا... تجلجل من أفواه الحرائر؟ نحن بحاجة لملايين الصارخات المستنجدات؟ يقولون يا سادتي: عصر القوة ولا... وعصر التطرف ممنوع؟ والآن يا سادتي: عصر الانحناءات إذاً في زمن أصعب من الصعب، يعم السواد يلف نهارات الربيع.. يلغي أفراحنا! كدنا ندخل بوتقة الكآبة واليأس؟ لولا بقية أمل أضاءت السماء سفح قاسيون.. أطل الأسد البشار: سيداً في قمة "شرم الشيخ" تطلعت إليه العيون.. كان بهياً متكلماً بما تختزنه قلوب الناس.. بما تفكر فيه الشعوب العربية كلها؟ الحكمة فيما يقول ويعمل، يتطلع إلى يومٍ تتوحد الكلمة وترتقي الأمة العربية بمواقفها لتصبح من الدول المتقدمة والمتطلعة إلى ما يحقق رقي مجتمعاتها وتطورها وتطبيق ما يناسب حياتنا من ديمقراطية وحرية الإبداع والرأي، لقد وضع النقاط على الحروف بجرأة غابت عن الآخرين بل أدهشتهم! وراحوا يختبئون خلف مواقفهم وينحنون له.. كان كالصباح يقطر من جبهته ندى الصلوات الخمس... يفيض فلسفة.. يدهش من يتحدث إليهم، حين يكون لا بد من الموقف.. يقف كالرمح شامخاً، وحين لا بد من القول يقول ما يريح الناس على امتداد الوطن.. كبيراً في رؤيته المستقبلية، ينهل من سلسبيل الحكمة ثقافة وعلماً.. واضحاً كالفجر يبني على الأساس وطن المستقبل، وطن لا يخاف الأعداء مهما كان عددهم. المهم أن لا يكتب التاريخ يوماً أن سوريا تراجعت عن موقف قومي كان لا بد منه.. ويأتي زمن تقرأه الأجيال/ هي الأرض تلعن غزاة العصر الجديد الذين يحملون شعارات الوهم، تارة ديمقراطية الصواريخ العابرة! وتارة دفعة من حقوق الإنسان تحملها طائرات "الشبح" على أجنحة السرعة لتداوينا بها! والآن يحملون العدل الإنساني ينشرونه فوقنا بقنابل من ذات الوزن الثقيل /عيار لم يجرب من قبل صنع خصيصاً للعرب/؟ إنهم يحملون لنا ديمقراطية اللعنة.. وحرية الانحلال الفكري والأخلاقي! وعدالة الوجع.. ديمقراطية اللعنة على حامليها وناقليها!! أيها العالم المتحضر القادم من خلف البحار: اتركوا لنا حريتنا وقيودنا وتخلفنا نحن راضون بعجزنا أن نكون ديمقراطيين بعصر العولمة والأمركة/ اتركونا نحافظ على الحد الأدنى من إنسانيتنا وأخلاقنا وقيمنا؟ ما زلنا نتمسك ببقايا صلة الرحم العربية، إن الأولين علمونا: أن الحرية عطاء ومسؤولية، وأن الأوطان تفدى بالروح وتسقى بالدماء الذكية؟ وأن أوطاننا أيها "الغازون" أمانة في أعناقنا؟ واليوم يتوحد العرب ضد العدوان، وغداً يتوحد العرب من أجل وطن يزدهر أمناً واقتصاداً وتقدم معتمداً على ثرواته وعلمائه وأبنائه، اليوم يوحدنا جرح العراق، وغداً فلسطين والجولان وكل شبر من أرض الوطن فداه الروح والدم، أيها الغازون.‏

الأرض تهتز تحت أقدام هؤلاء الذين يرتدون أقنعة الليل، يزحفون عبر ثغرات حدود "العرب" تخلوا عن انتمائهم القومي وخرجوا من جلودهم ذات البشرة المنتسبة إلى بادية العرب، وراحوا يغسلون بلون النفط ذاكرتهم وهويتهم، دفعوا بها وقوداً للحرب؟ وباتوا كمن يطلق النار على نفسه، وغداً يظهر من يطلق النار على أولادهم!‏

ليل العرب طويل يعمه الصمت وتجعلنا الأحداث عرضة لشتائم المطالبين بالسلام وحقوق الإنسان والرافضين لقانون الغاب الأمريكي: هم يشعرون بأوجاعنا ويدافعون عن حقوقنا ونحن نجد المبررات "للغزاة" بل نسوق لهم عولمتهم وثقافتهم؟ إن بعض شعوب العالم حتى الغربي يتخذون مواقف أكثر تشدداً من غالبية الدول العربية وخاصة التي كانت تدعي قربها من /البيت الأبيض/ أيها الربيع القادم من رحم آذار الحزن.. إننا نتطلع إلى نيسان الفرح بعيون الجلاء نرجو الله العلي القدير أن تجلو القوات الغازية عن أرض العراق الغالي، وتنتصر إرادة الشعوب وتثبت للعالم أن حقها شرعي بالدفاع عن وطنها وكرامتها وأنه لا شيء يساوي الكرامة والوطن ها هو نيسان يزهر على "شبابيك الشام" حزناً يلون صباحات العرب الذين يرون في مواقف دمشق الكرامة والعزة.. مواقف متشددة بل متطرفة! دمشق عاصمة الصمود العربي، ومركز قراره القومي، حين تألق السيد الرئيس بشار الأسد في تمسكه بحق العرب وبحريتهم واستقلالهم، كان يكتب التاريخ بحبر الكرامة مؤكداً أن من حق الأجيال العربية أن لا ترث الذل والهوان ومن حق دمشق أن تكون أبداً صاحبة القرار القومي الصحيح، كما كانت سوريا دوماً تتطلع للتضامن العربي ووحدة المصير... في فصل الزهر ترتدي الأرض ثوب السواد، والربيع يرتجف إجلالاً لدماء الشهداء، وجع لا يكتب.. تطلقه ألف.. ألف صارخة... وا عرباه؟ في زمن صارت الكلمات جمراً.. والكتابة جرأة ومسؤولية؟ لكنه أرق الكتابة وعشق الوطن يدفعك للبوح، ستظل الأرض العربية أرضنا نفديها بأرواحنا.. ونفرش للوطن دماءنا وأجسادنا.. ولتبق الشام عروسة الفرات ودجلة ونخيل العراق.. وصفصافة بردى.. زيتونة القدس وأيقونة كنيسة المهد.. وأرز لبنان وصخرة جبل عامل.. تظل الشام التي جعلها القائد الخالد حافظ الأسد: قلعة الصمود العربي، وهوية العرب القومية، منارة تشع ألقاً وحضارة في عهد السيد الرئيس بشار الأسد: أرض السلام والمحبة، نيسان يعبر إلينا مكللاً بغار الجلاء يرسم على شفتيه ابتسامة حزن، نتطلع فيه إلى غد أفضل نعيد إليه فرحه، ويعيدنا إلى زمن الجلاء..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244