جريدة الاسبوع الادبي العدد 852 تاريخ 5/4/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رمية نرد ـــ غسان كامل ونوس

-1-‏

أراهن أن زمناً مضى أكثر مما تعلنه التكات الساعية التي تكر كحبات نرد تلقى بفوضى، منذ أن هجعنا إلى الفراش، وتناوشنا نتوءات الحديث في قضايا مغلقة كثيرة، يمكن أن يمضي الليل كله، وليال أخرى عديدة، دون أن تجد حلاً مرضياً؛ إن بقينا على هذي الحال.. ورغم أن ليالي كثيرة دبت على أعصابنا؛ أعصابي أنا على الأقل، وخرشت مواطئ التسلق، فإن أمر مبادرة الاقتراب لم يأخذ مساره المأمول بعد. ولم يعد ممكناً طويلاً طأطأة الرأس، وإطراقة العين غفلة عن ترامح ألسنة الرغبة، أو وقع وخز حدودها التي لا تزال قاطعة رغم مرور السنين.. ليست الحال مستجدة، ولا فصولها مستحدثة؛ مع ذلك فإن الطريق ما برحت مشوكة، والحل ما انفك مرتهناً لقوانين الاحتمالات، أو علاقات التجريب؛ حيث كل نتيجة محتملة. وهو ما يجعل التفكير في ذلك لا يكاد يبرد؛ خاصة أن تكاثره في الآونة الأخيرة جعل ملح العلاقة يزداد حتى لتبدو الطبخة بمجملها عصية على الهضم، رغم أن إمكانية التذوق قد تلفت، أو تكاد.. لكن؛ ربما يحدث ما يعيد المياه إلى أخاديدها بنظرة استغفال متقاطعة، أو ضحكة مفاجئة، أو لمسة متبارئة، أو ركلة عارضة؛ إذ تنهمر الغرغرات، وتصهل النحنحات، ويفيض النبض بما يوحي بأن الحياة حق، والعمر جد قصير.. وتغور الحشرات المؤذية إلى أنفاقها، والأفكار العكرة في وديان الجحيم بما يشي بأن السلام قادم والأمن مقيم. لكن الفصل القارس لا يلبث أن يقتحم دورة المعايشة من دون أي اعتبار لطقوس الفصول الأخرى التي قد لا تتنوع، ولا تطول..‏

-2-‏

في ساعات الرضى، غير المحددة أيضاً، يسود التأسي على الأوضاع التي تضيع سدى، والتأسف على ضياع العمر في مناوشات ومناكدات لأمور تافهة، واحتمالات تفسير مترامية الوهم. وتطوف أفكار الوئام والود والعواطف التي لا يمكن أن تخبو، كما من المستحيل أن تستبدل. وهذا ما يترك تمايزاً مع حالة التمثيل التي وردت ذات درس كتشبيه للاحتمالات؛ بأن هناك احتمالاً واحداً من ستة وثلاثين احتمالاً في أن يأتي وجها حبتي النرد متوافقين أو موافقين لرغبتنا في كل رمية، ومهما كان عدد مرات التجربة. وقد كان المبرر الطريف أن النرد لا يعرف ماذا كانت نتيجة المحاولة السابقة..؟!‏

لكننا نعرف ما كان، ونتبادل نتائج هذه المعرفة، ونتوافق على تحليلها وتوصيفها وإدانتها. ومع ذلك فإن احتمال ما يلي، يظل على حاله، وربما كانت نسبة إيجابية أقل منها في حالة الزهر. لأن وجه أي منا، وإن بدا واحداً، فإنه في الحقيقة أكثر منه عدداً. الحالات تبدو متواترة ومتغايرة حتى أكاد أقسم أنها ليست هي؛ أو لست أنا..!‏

بالطرافة ذاتها تعود مشاهد أخرى من مرحلة سبقت..!‏

-3-‏

ما بين الحطب المكدس كومات متمايزة نتلملم كصيصان جائعة لنداء أمٍّ اكتشفت كنزاً. الدعوة كانت لمتابعة مناقشة أمر ملح لا شك في أنه قادم. وعلينا تدبر حله منذ الآن؛ كلَّ فرصة نتصرصر هناك، ويبدأ كل بطرح وجهة نظره.‏

أقول:‏

-لماذا كل هذه المناورة..؟! ولماذا لا أدعوها صراحة..؟! أليست زوجتي حلالاً زلالاً..؟!‏

لم أكن الداعي لمناقشة تلك المسألة ولم تكن تبدو بالنسبة لي قضية؛ لكن ما يستفزني للدخول في الحلقة، وربما ما يستثير الآخرين أيضاً، هو تلك الحال التي نؤول إليها آناء المناقشة، وأطراف الحصص الدرسية، وتلك النظرات والضحكات والإشارات والتلميحات التي تدور فيما بيننا، تاركين زميلاتنا في الإعدادية يشاركننا الضحك، أو يستحين، ويتهامسن، ويتلملمن على قضايا ربما كانت مشابهة..؟!‏

-4-‏

هل ضحكتُ..؟! ربما تكون قد تكلمت دون أن أسمع.. قد تسألني: أين كنت شارداً؟!‏

بماذا أجيب؟ لو قلت لها: في النرد. ستظن أني أضحك منها؛ ليس عندنا نرد، ولم تسمعني أتحدث عنه يوماً فيما أظن؛ أم أقول: في مكادس الحطب..!‏

ستنتفض: من كنت تلاقي هناك؟!‏

وفي أحسن الأحوال، ستعلق: هل حال الحطب أسوأ من حالنا..؟!‏

هل أجيب: بل في الاحتمالات التي تجعل صفة وراثية ما تعود بعد غيابها أجيالاً ربما..!!‏

*‏

تنوس الضحكة، حين تستتبع مشاهد الماضي التساؤلي بما كانت تستثيره تلك الخلوات في أوقات تالية من لهاث ذاتي غير مشروع، رغم أنه مشرع..!‏

هذا ما كانت تؤكده كل الكتيبات التي رآها مع زملائه، أو اشتراها من على البسطات، دون أن يكون على علم بأن ما يفعله سرياً مكشوف على الباحثين، ومعروف لدى الآخرين الذين يحذرون منه، ومن الإفراط فيه، وما يسببه من أخطار مستقبلية على الشعر والنظر والفكر، مما يجعل الآلام النفسية مضاعفة، حين يفيق الفاعل على فراغ وقنوط واستحالة الفعل الحقيقي، وابتعاد نبضاته الحية التي عب منها طويلاً بعد أن تزوج من دون أن يشبع! فهل يشبع؟! يتساءل الآن..‏

بدأ الأمر عرضاً: الخلاء واسترجاعات الأحاديث والعزلة والوقت المديد.. كل ذلك يشكل سبباً وجيهاً. ناهيك عن الطبيعة والغريزة التي صار يفهمها بعدما اكتوى بنار الخيبة طويلاً..‏

كان الأمر رغم كل شيء مبرراً، هذا ما يمكن أن يفهمه الآن؛ أما غير المبرر وغير المشروع فهو ما عاد إلى فعله في أوقات الخصام التي تتطاول. وهو ما يجعل تلك الأوقات الصقيعية تعود مع شوك يترامح في كل أعضاء الجسد، وكل فضاءات الروح التي تتضايق. وهو ما يجعل أمر البحث عن طريق للتواصل أكثر إلحاحاً، وأكثر جدية ومرارة، وأقل طرافة من كل التساؤلات التي تبدو الحال معها جدلية؛ إذ تقود هذه إلى تلك، وتلك إلى هذه، بما يشبه مكوكاً يجري في أخاديد مزمنة التخريش والنزف والاتجاهات.‏

صحيح أن الأمر لا يخلو من خيبات حتى حين يكون اللهاث مشروعاً، وبمشاركة ندية؛ لكن هي حال الرغبة التي تتحول إلى فعل، فتتعثر التفاصيل والعناصر والأوقات حتى تتبخر النشوة، فيضاف أمر آخر لا يقل إثارة وقلقاً؛ ماذا إن عادت المياه للدفق في الوقت الذي يكون فيها قد انتهى للتو من فعل ما، ولم يبرأ من الخيبة تماماً بعد؟! كيف سيكون حال العسل الدوري الذي يلي كل خصام؟! ومن أين يأتي بالقدرة والخلايا المعسلة، وقد قفرت المناحل؟!‏

*‏

هل نامت أم أنها تتناوم منتظرة تنازلاً مني؛ أنا الذي يصعب عليه ذلك.. رغم أنني لن أخسر شيئاً، كما تقول أحياناً، حتى لو كانت المحاولة فاشلة؛ فلدي –أنا الرجل- من الامتيازات ما يعوض أو يحصن. أما هي –المرأة- فستخسر كل شيء في حال صد، أي صد؛ خاصة في أمور كهذه.‏

لماذا تصعب القضايا إلى هذا الحد؟! أم أنها صعبة حقاً؟!!‏

لماذا تبدو الأمور دائماً بالنسبة إليها رمية نرد أخيرة؟! إن أصابت ربحت ورقصت وانتشت وملأت الدار حبوراً وسعادة. وإن خسرت زلزلت الأرض زلزالها..! أما عندي فإن الزهر مجرد احتمال؛ ربما هذا ما يجعل منه مهماً.‏

لماذا تختصر العلاقة الزوجية إلى هذا الحد؟! أم أن الأمر كذلك حقاً؟! وما خالفه استثناء.‏

يبرر القاعدة ولا يلغيها..؟!‏

سمعت الكثيرين يقولون ذلك قبل أن ألعب، وخمنت أني أجيد اللعب. وكنت أنسى دائماً أن الأمر يتعلق بالزهر: كيف سيأتي؟!‏

اختلفت مع الآخرين في تفسير الحال التي يأتي بها الزهر. ليس المقصود أرقاماً كبيرة متماثلة متتالية. بل الأهم أن يكون تناسب بين فرص الحركة وأرقامها. فهل كان خطأ ارتكبناه معاً حين فكرنا بالمواصفات القصوى؟! قد نكون في هذا محسودين!‏

رغبنا، وبحثنا، دون أن نفكر بأن للأرقام الصغيرة أهمية قد تفوق في بعض مراحل اللعبة أهمية الأرقام الكبيرة، وقد تفسدها أو تدمرها..‏

(تحب القهوة، وأفضل الشاي؛ تستمتع بطعم اللحم، وأستلذ بطعم النبات؛ لا تستطيع النوم على ضوء، وأخاف من كوابيس الظلام..).‏

وكان لا بد من التكيف، ولا مشكلة في ذلك.. هكذا فكرنا، وبهذه السذاجة خضنا معركة التفاصيل كل بالطريقة التي تناسب أدواته..!‏

-5-‏

الآن أحتاج حركة ما، شيئاً ما، يعيد اللعبة إلى مسارها..‏

صحيح أن الاحتمال لا يزيد على واحد من ستة وثلاثين، والزهر لا يعرف ماذا كانت نتيجة رميته الأخيرة، لكنه يحتاج في بدهياته إلى رمية أخرى..‏

فمن يرميها..؟!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244