|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
القافلة ـــ جميل سلوم شقير بدأ الهواء يُسرِّب بين هَبَّةٍ وهبةٍ موجاتٍ من رنين النواقيس، عندها ألصق زعيم العصابة أذنهُ بصخر الوادي، يختلس صدى دبيب القافلة على الأرض، أصدر بعدها أوامر أولية، وزَّعَ بموجبها مرافقيه على متاريسهم، اختفى الجميع فجأة وكأن حشيش الأرض وصخورها دق تلقت تعليمات لإخفائهم، صدُور الجمال ما زالت تلطم النواقيس المدلاَّة عن أعناقها، فتجبرها على النُواس جيئة وذهاباً، أكباد الأجراس تلطم أجوافها بعنف، فتجأر الأجراس بالشكوى رنينياً يهرب من رنين. معارج الوادي المتلوية، الجروف الفاغرة عليه، الليل الذي يزرع خلف كل صخرة أو شجرة شبحاً مخيفاً، كلها كانت تجعل من المنطقة مَغاور موحشة، تدخل الرهبة من أدق مسام الجلد إلى القلب، ثمَّ تخلق ما بين كل عنصرٍ وبندقيتهُ علاقة خاصة، قد تصل إلى سوية الألفةَ ما بين قلب وقلب، يتلمس خشبها الأملس وحديدها الأسود اللماع كما يتلمس من زنجيةٍ جيدها والنهد، يخاطبها وكأنه ينفخ فيها روحاً، أو يحرك فيها جسداً ينبض فيستجيب، أما العتمة فكانت تزيد الرهبة وتذكيها وتوتّرُ الحواس، حتى يغدو الرجل وبندقيتهُ لغماً شديد الحساسية، جاهزاً للانفجار. السكينة التي تسيطر هنا تلجم الأفواه، ثم تحدث خللاً في ديمومةِ التنفس. أصوات الأجراس صارت رسائل يجب على القائد أن يحسن فك رموزها، حيث يجب عليه أن يخمِّن من خلالها أموراً عديدة: عدد جمال القافلة، المسافة التي تفصل القافلة عن المتراس فرز الأصوات المتداخلة معها، كوقع الأقدام، أو حديث المرافقين مع بعضهم أو مع جمالهم والبهائم، خبرة الزعيم الطويلة جعلتهُ يعتقد أن لكل جَملٍ مرافقة خاصة به، تحرص عليه وتصون حمولته التي ربما كانت مُلكاً لعشيرة أو لجماعة ما. لكنه بدأ يشكك بخبرتهِ حيث لم يكن يميّز مُطلقاً أي صَوتٍ غير رنين الأجراس، مما جعله يعتقد أن القوم قد توخوا الحذر ثمَّ لاذوا بالصمت أثناء عبورهم مضائق الجبل الخطرة. عاد الآن يملي على عناصرهِ رشقة من تعليمات: "ذخيرتنا شحيحة، لكل طلقة قيمة، كل رصاصة يرجل.. وإلاَّ.. أنا من يطلق الرصاصة الأولى، يبدو أن عدد الجمال يفوق عددنا، أنتم عشرة رجال ويعرف كل منكم ترتيبه، ليسدد كل منكم إلى مرافقةِ الجمل المطابق لرقمه، وليعلم الجميع بأن نجاة رجل واحد منهم قد تربك الهضم وتجعل الخروج عسيراً". اقترب رنين الأجراس ووضوحه يترافق مع نهوض القمر عن كتف الأُفق خلف القافلة لكن ظلال بروزاتِ الجبال ما زالت تلقي على الوادي بملاءاتٍ من العتمةِ التي غدت ذات نهاياتٍ واضحةٍ، وعندها صارت العصابة تحت وطأةَ النور القمري الضعيف. لذا فقد أصدر الزعيم أمراً صارماً بعدم الحركة، وذلك خوفاً من أن يشي القمر بوجودهم. اشتد التصاق الرجال بمعشوقاتهم المحشَّواتِ ناراً، ثمَّ فاحت منهم روائح عرقٍ نتنٍ خدرت الأجواء وأسكتت أنفاس الريح، ثمَّ بدأ القمر بالتطاول فوق الدُرى مثل رجل يرفع كعبيه كي يتمكن من كشف قاع الوادي وخط سير القافلة. الأجراس لا تملُّ الارتطامَ بأعلى قائمتي كل جَمَلٍ بالتناوب بين اليمينُ واليسار (بِمْ-بَمْ-بِمْ-بَمْ) بحيث أصبح لكل نقرٍ صوتين، جواب وقرار، الجمال لا تملُّ تلك الأصوات الرتيبة، أو ربما صارت كإيقاعٍ ينظم وقع أخفافها على نتوءات الطريق. وفي رقعةٍ يستقيم فيها الطريق الملتصق بقاع الوادي، بدأت تظهر معالم القافلة، وبدأ كل من الرجال بتعداد جِمالها كي يتأكد من رقمِ هدفهِ، الجمال تميد تحت أثقَالها بالاتجاهين، ورأس كل جَمَلٍ مشدود برسنهِ إلى حِزام من كتان يمرُّ تحت ذيل البعير الذي يسبقه، الجمال لا ترغي، وكأنها دُربتْ على هجر الرغاء، صوتٌ نشازٌ يتحدى رتابة رنين الأجراس، تَميَّزَهُ الجميع بوضوح، إنه نهيق حمارٍ متقطع، ينتهي بنهنهات فرحة، يتطاولُ منفرداً هازئاً بكل الأصوات الأخرى، لا يسمع إلا صوته، ولا يتوجَّهُ إلا بما تمليه عليه الاعتبارات (الحمارية)(1). تكاملت القافلة تحت مرمى الرصاص المجدي، وصار نور القمر أكثر انتشاراً والتسديد ممكناً. عندها وَلَّفت العصابة أذنها لتلقي أوامر جديدة: -"عدد الجمال وعشرون جملاً، هدف كل منكم جملان، الثعلب.. لك الأول والثاني رد المنصور: حاضر، البسيط: لك الثالث والرابع، رد الأسعد: حاضر. حبقة: لك الخامس والسادس، ردَّ الفايز: حاضر.." وهكذا حتى الرجل العاشر ثمَّ تابعَ قائلاً: وأنا سأتكفل بحُماةِ جَمَليِّ المؤخرةِ وبكلِ من تُخطئهُ رمياتكم.. مرة ثانية: مني الطلقة الأولى. ولأن الجمل الأول كان الأضخم فقد خمَّنَ الزعيم أن حِملهُ ربما كان ذهباً وماساً، أما حمولة الجمل الثاني المبنية على شكل الهرم فقد حيرته ولم يستطع أن يميز كنهها، جمالٌ أخرى تبدي ارتياحاً تحت أحمالها، وهناك جملان صغيران ربما لم يكونا يحملان شيئاً ذا قيمة أو وزن. لذا فقد أوكل أمر الجملين الأول والثاني للأشرس من رجاله. مسير الجمال يستمر، ورنين الأجراس يعكس حالة الرتابة في المسير، والشيء الوحيد النشاز كان مَوَّال الحمار، الحمار الذي يجر خلفهُ الجمل الأول المقطور من رسنهِ إلى البردعةِ بسلسلة من حديد، تشبهُ السلاسل الأخرى التي تربط كل الأرسان إلى المؤخرات. عشرون جملاً يَبْدون في قاع الوادي مثل قطار الشرق القديم، وكلُ مقطورة أشد اسوداداً من الأخرى. ومثلما كانت تلك المقطورات تتلوَّى تبعاً لتلوي الطريق، فقد أخذت القافلة شكل أفعى سوداء كانت قد ابتلعت عشرين ضفدعاً على التوالي، وصارت مثل حَبلٍ كثيرِ العُقدِ. أصابع عناصر العصابة قد تيبست حول كل زناد، وأعقاب البنادق حفرت لها مجاري فوق ترقواتِ الرجال، أما بطونهم فكادت تنفجر لطول فترة حبس الأنفاس وكتمها. مع كل هذا التأهب، ومع أن مقدمة القافلة بدأت تغيب في المنعطف اليميني، فإن الزعيم لم يحرك ساكناً، لم يطلق، لم يهمس. أقرب العناصر إليه وقد فاض به الصبر يسأل: ماذا تنتظر يا زعيم؟ والزعيم لا يحير جواباً، تهيأً للبعض أن الزعيم قد أصيب بنوبةٍ قلبيةٍ ومات، تهامسوا، قرر أحدهم الزحف حتى وصل إليه، فوجدهُ راكداً تماماً، (زعيم!!!)، فوجئ السائل بالميِّتِ ينطق: (نعم ماذا بك يا الثعلبْ؟). -سيدي لقد نضبت القافلة، غابت بكاملها في المنعطف، ونحن.. أعني لم نحرك ساكناً.. -عُدْ إلى مِتراسك يا المنصور وانتظر أوامري. ظل الزعيم ساكناً حتى بدأ رجعُ النواقيس بالخفوت خلف القافلة، وكذا مواويل الحمار ونهنهاته المنكرة كلها بدأت تبتعد شيئاً فشيئاً، والوادي يردد صداها الواهن ثم الأوهن حتى عاد ثانية إلى حالة الركود التي تشبه الموت قتامةً ووحشةً. ترجَّل أخيراً الزعيم، أمر الرجال بالوقوف والتجمع حوله، اقترب منه الفايز نصف مغمض ثمَّ ردد على مسامعهِ سؤال الثعلب نفسه، ردَّ الزعيم بهدوء: -غبي.. -إن كنتُ فعلاً كما تصفني، فلماذا لا تساعدني على الفهم، وأنا أكثر عناصرك إخلاصاً وولاءً على ما أعتقد..؟ -ألم تكن تراقب القافلة جيداً؟ -نعم، وقد أجهدت عيني تحديقاً.. -وهل رأيت مع القافلة رجلاً واحداً بالحبقة؟ -لا.. لا وحق السماء. -إذاً على مَنْ سنطلق النار.. وكل الجمال وما تحمل قد صارت في حوزتنا؟ -لكن يا زعيم.. -لكن ماذا يا الحبقة؟ -لكن مَنْ كان يقودُ القافلة؟؟ أغرق زعيم العصابة رأسهُ وجزءاً من وجهه داخل قُبَّعتهِ المهترئة الحواف، ضحك بغطرسةٍ قبل أن يجيب: -أنت.. ثم يتابع: -وأنتم.. ألم تسمعوا مواويلهُ بين حين وآخر..؟؟؟ (1)-للمازني. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |