جريدة الاسبوع الادبي العدد 852 تاريخ 5/4/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

وقائع الليلة الفائتة!! ـــ أحمد علي هلال

هكذا إذن تريد أن تصمت أخيراً؟‏

هكذا تكسر دفء حواراتنا التي بحنا بها لليل والنهارات الذاهبة، أأصبحتَ سرِّي وأصبحتُُ سرك، أم تراك لم تعد تقوى على أن تكتم أسراري؟!‏

ماذا، لو صدقت أنك لا ترغب الإمساك بيدي، ويدي كما تعلم يا سيدي موصولة بالقلب، أمْ أنك أشفقت عليّ بعد رحلة عمر خاسرة، أردت أن ترتاح للأبد؟‏

وهنا.. لا بد لي أن أعترف لك. ربما أستطيع فهمك على الأقل.. لأول مرة أجدك مطيعاً صامتاً لا تناقشني البتة.. كما هي عادتك في أمرٍ جلل أو في سر دمعة مخبوءة تحت جفني غيمة..‏

حسناً اهدأ قليلاً، ولنتصارح كصديقين حميمين، أتذكر كم أخذتك من يديك وحملت جسدك الضامر وخبأتك بعيداً عن رصاص الجنود في الأزقة الضيقة، ويومها ضممتك إلى صدري كي لا يستطيع أولئك الجنود التعرف عليك، وكنت تقول لي بصمت كسير وحشرجة تلون صوتك: يا سيدي لم أعد أقوى على العمل معك.. وإلى جوارك.. وفي ظلالك.. لم أعد أحتمل انفلات أحلامك.. كم شعرت بعريي إزاء دمعة ذلك الطفل الذي قطفه الرصاص في يوم مدرسته الأول. أتذكر اسمه.. فلأذكرك.. كان أيمن فارس.. كم شعرت بضعفي أمام دمعة تيبست في عيني ذلك الطفل المسكين.. لا سيما وأن دمه ركض في سطور دفاتره التي سقطت من حقيبته.. نسيت أن أقول لك بأنني عرفت متأخراً أن أيمن كان يهوى الرسم ويجيده.. إذن لنتصارح أكثر...‏

ليلتها كان القمر يتوارى باستحياء خلف غيوم كثيرة.. همست في أذنك لا تجعلني مطيتك لتنال رضا السلطان.. أو تهدر شوقاً لحبيبة لن تأتي أبداً... ومضيت في كلامك ولم تسمعني!!‏

في تلك الليلة شعرت بعريي من جديد.. وأنت تهرق كبريائي أمام الأشباه، أتذكرهم أشباه البشر الذين يأتون للحياة بلا ملامح.. مجرد دمى تريد أن يجري في عروقها دم الحياة.‏

اسمع يا سيدي لم أعد لائقاً بك..‏

قلت لك: اهدأ قليلاً.. فأنت تحمل في عروقك دمي. وعندما أضمك إليّ وأحيطك بيدي أشعر وكأنني أضم ابني.. ابني الوحيد.. الذي فقدته في الحرب... ولا أدري إن كان على قيد الحياة أم لا!!؟‏

فهل مللت الإقامة معي؟‏

ظاناً أنني أقولك ما لم تقل؟‏

والآن.. على أحدنا أن يخرج من حياة الآخر.‏

الأولى بأحدنا أن يذهب فارغ اليدين!‏

إذن الوداع.. وأريدك أن تذهب ليد أخرى تحنو عليك فأنا لا أملك القدرة على حمايتك.‏

أتذكر في تلك الليلة الفائتة، أنك قلت لي لا أصلح لسواك.. ومع ذلك أعترف من جديد لا أود المكوث معك. انسني يا رجل..‏

أرجوك عد بي لشجرة كانت ذات يوم أمي..‏

وأريدك أن تذهب وتغير جلدك. ربما يصبح قلبك قنبلة.. أو صاروخاً.. وكفى..‏

في برهة خاطفة تلاشت قبضة يدي.. تهاوت أصابعي.. وسقط منها نحو هاوية لا قرار لها..‏

سقط القلم..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244