جريدة الاسبوع الادبي العدد 852 تاريخ 5/4/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

لحظات الإشراق ـــ عبد الباقي يوسف

قامة أنثوية تبدو ملكة صغيرة عادت من إجازة إلى مملتكها للتو، تشير لحارسها الأمين أن يؤوب بعد أن أوصلها وفتح لها الباب بالمفتاح الذهبي. تمدّ خطوات وئيدة وهي تحمل عشرين زهرة ربيعية من عشرين ربيعاً. تستنشق هواء مملكتها، تدرك بأنه الركن الأكثر صفاءً في العالم، تتسرّب إليها موسيقى زفيرية لا تكون مدهشة إلاَّ في هذا المكان تضفي عليه مسحة من حزن رقيق، تنظر إلى أوراق شجرة الخوج التي بدتْ تنتظر عودتها وهي تستمع للحن الانتظار المنتشر في كل أركان المملكة الغارقة في الصمت والانتظار. خطوات قامتها الممشوقة تمتد بخيلاء ناحية الحديقة الصغيرة، ترمق فنجان قهوة إلى جانب ركوة وكأس ماء وعلبة دخّان على طاولة، عصافير تتسلّى، أو تضيّع وقتها على غصون شجيرات صغيرة، نحلات تحطّ على زهرات موسمية بأنس، ترف بأجنحتها.‏

قالت التربة لقدميها: إنني عطشى...‏

تأكدتْ من نداء الاستغاثة بمدّ يدها إلى اليباس ودنت من النافورة، أ دارت المفتاح فبدأ رذاذ خفيف يتناثر علىعطش الخضرة. سرت خفقة إنعاش في أوصالها أمام منظر الرذاذ و هي تميل إلى الباب نصف المفتوح الذي تنبعث منه الموسيقى العذبة، كان يتغطى بشرشف خفيف في إغفاءة الصباح على كنبة في مكتبه بعد أن نهض من نوم عميق واحتسى قهوة الصباح مع سيجارة كعادته، نادتها ابتسامة الموناليزا المعلّقة، تذكّرت حديثها الطويل حول دهشة البسمة، وعبقرية دافنشي، الذي تمكّن من رسمها بهذه التقنية العالية، تذكّرتْ كيف أنها مرة حاولتْ تقليد هذه البسمة بكل إمكانات المرأة وهو يلتقط لها صورة ويقول: ولكنكِ الأكثر جاذبية.‏

من الكنبة المقابلة ناداها كتاب، خفق قلبها بنشوة مَنْ رأى تحفة ثمينة بعد فقدانها، رواية "إيفالونا" التي جلبتها معها يوم الزفاف. لا تدري كيف مالتْ على غلاف الرواية وقبّلت اسم "إيفالونا"، كم قالت له أن يقرأ هذه الرواية ولو مرة واحدة ولكن زيارات المهنئين والمباركين كانت دوماً تؤجل ذلك. كانت تقول له: "فهمتُ من مقدار الحرية التي كتبت بها إيزابيل الليندي روايتها أن المرأة لا تكون عظيمة إلاَّ بمقدار الحرية التي تُمْنَح لها، ولا تكون سفيهة إلا بقدر القمع الذي يُمارس عليها".‏

انتبهت إلى خفوت الموسيقى المنبعثة من المسجلة إلى أن انضمتْ إلى صمت الأشياء.‏

جوار المسجلة لمحتْ قلماً مرمياً على ورقة، اندفعتْ برغبة الاستطلاع، أزاحت القلم عن جملة وحيدة كُتبت بخط بطيء جيد.‏

"لا يوجد حب سعيد‏

سواء كان حبكِ‏

أو حب الوطن"‏

مجنون إلزا‏

حملتْ القلم وخطتْ على ذات الصفحة:‏

"أنا حبكَ وأنت حبي‏

إليك انتهتْ نفسي".‏

ألقت نظرة من خلف طاولة الكتابة إلى عينيه المغلقتين، ثم راحت ترتب الفوضى العارمة في مملكتها، لمّتْ قطع ثياب متناثرة، أعادت كل كتاب إلى ركنه في المكتبة، كل شريط إلى علبته، مسحت الغبار عن شاشة التلفاز، أفرغت منافض السجائر والتقطت أعقاباً من الأرض، أخرجت كاسات الشاي وفناجين القهوة.‏

دخلتْ المطبخ الغارق في حالة فوضى، اندفعتْ تجلي الأواني المتسخة، تعيد كل غرض إلى مكانه، أدارت مروحة الشفاط لتُخرج الروائح، عادت إليه تحمل فناجينَ قهوة وكأس ماء وعلبة دخان ومنفضة، بحثت بين الأشرطة ودفعت واحداً في باب المسجلة، تناهى صوت فيروز الصباحي الخافت، نادته بهمس وهي تدنو من وجهه النائم، مدّت أناملها إلى خدّه بنعومة أنثوية، انفتحت عيناه، رآها فراشة تحط بجواره، تمطّى برغبة جامحة في احتضانها، لم يملك كبح جماح شوقه العارم إليها فمدّ كفه إلى كفها الناعمة، استجابت الأنامل لنداء الأنامل بحرارة. أناملّه المعرّقة الخارجة من تحت غطاء، وأناملها الباردة الخارجة للتو من برودة آذار، رفع رأسه من الوسادة المكسوة بحرير أبيض، تأمّل حدقتيها بشوق: شكراً على هذه المفاجأة...‏

لم تدعه ينهض من استلقائه، فجلس نصف جلسة سانداً كتفيه إلى ممسك الكنبة من الخلف وتناول من يدها فنجان القهوة، ولمّا أحست رغبته إلى سيجارة، مدّتْ يدها إلى العلبة وأشعلتْ سيجارة، ثم قدّمتها لأنامله.‏

فبدأ يشعر بمتعة خاصة في احتساء القهوة لأنها هي التي صنعتها، وبنكهة محببة في التدخين لأنها هي التي أشعلتْ السيجارة وقد خرجت للتو من فمها، حتى فيروز بدأت تصدح بفيروزية أكثر عذوبة لأنها هي التي انتقت الأغاني، وفي هذه الطقوس الشاعرية التي ملأتْ المكان خرجتْ عبارات بنبرة رقيقة فياضة من خفقات قلبه: كنتْ أراكِ تبكين وتضحكين، تنامين وتستيقظين في "الجانب الآخر من الانتظار، في الجانب الآخر من ذاتي"، عشرةأيام مضتْ في سجني الاختياري حتى الشجرة كانت كئيبة فيها. كان مجرد تصوّر أن أعود ولا أراكِ في استقبالي مبعث فزع، آثرتُ المكوث في البيت مع ذكرياتكِ كنتُ أقرأ كتاباً قرأناه معاً، أتأمل سطورك تحت الجمل الملفتة التي كانت تدل على إمكانات اللغة في التعبير، أحياناً كنتُ أضعكِ على الكرسي بثيابكِ ونسهر كعادتنا حتى الصباح، كنتُ أقرأ لكِ آراغون وبول إيلوار في أمسيات تفضلين فيها النوم مبكراً.‏

كانت الدموع تنهمر من عينيها وهي تصغي إليه: أريد أن تبقى دائماً في شاعريتك هذه...‏

عرف ما قصدته من الذي بلبل علاقتهما الزوجية منذ الليلة الأولى..‏

فقال: ومَنْ قال أن الأنوثة ميتة الشاعرية؟‏

قالت: لكنني أخاف شراسة الرجل تقتل كل حالة شاعرية فيك..‏

قال: شعرية الأنوثة تقي ذلك..‏

قالت: لكني أخاف ألاَّ تعتاد رجولتك إلاَّ على أنوثتي، وعندها سنفتقد حبنا إلى الأبد..‏

قال: منذ أربعة شهور لا أنا رجل، ولا أنتِ امرأة، وأظن أن كل مَنْ حولنا يتهامسون، يتغامزون، يتساءلون؟!..‏

قالت: لكننا حافظنا على شاعرية حبنا..‏

قال: لكنه لن يكون حباً مكتملاً، سيموت بدون أن تكوني امرأة، بدون أن أكون رجلاً..‏

امرأة بلا انوثة هي: وردة لا رحيق فيها‏

شجرة لا أوراق لها‏

حديقة لا مروج فيها‏

وردة لا رحيق فيها هي وردة يتيمة الأبوين‏

شجرة لا أوراق لها هي شجرة يتيمة‏

حديقة لا مروج فيها هي حديقة يتيمة‏

بانتهاء هذه الكلمات، امتدتْ يده إلى علبة الدخان ساحبة سيجارة جديدة، فنهضتْ واقفةً على قدميها مشيرةً إليه ألاَّ يشعلها قبل أن تعود.‏

بخروجها انتقى شريطاً موسيقياً ووضعه في المسجلة، فأخذتْ مقطوعة "لونلي شبرد"، تملأ الأجواء بعذوبة، عادت على إثرها وهي تحمل إبريق الشاي بالنعناع، صبتْ كأسين، ومرة أخرى أشعلت سيجارة وناولتها له وهي تقول: إنك تعرف كيف تنتقي المقاطع الموسيقية في أوقاتها، كنت في شوق لهذه الأنغام الرائعة، عشرة أيام قضيتها في أهلي كنتُ فيها يتيمتك، شعوري باليتم هو الذي دفعني إليك، علمتُ فيها أن يتم الزوج بالنسبة للمرأة لهو أقسى وقعاً في النفس من يتم الأبوين. لكنني لم أحتمل مشاعر اليتم أكثر من ذلك، كنتُ أحس بأنني تركتُ أمنا هنا، وهنا اكتشفتُ بأن هذا الأمن هو أنت فعدتُ إلى أمني في مملكة حواسك، تركتُ أهلي مرة أخرى وجئتُ راكضةً. في جو من السرية التامة أهمس لك أن المرأة لا تسكن بيت زوجها على قدر أنها تسكن حواسه، وحتى لو لم يكن لديه بيت فإنها تسكنه على أي رصيف وفي أي طريق عابر.‏

ليس هناك بيت في العالم أسكن للمرأة من بيت أبويها، لكنها تتركه بمودة لتسكن حواس زوجها أينما كان. لأول مرة منذ زواجهما طبعتْ قبلة على خدّه بأنوثة، ومدّت يدها تفسح مكاناً بجانبه على الكنبة.‏

عندها أشار إليها أن يذهبا إلى السرير الذي عانى هو الآخر اليتم منذ تصنيعه وإحضاره إلى غرفة الزوجية هذه، فأصرّت التمدّد إلى جانبه في ذاك المكان الضيّق الذي وسعهما بالكاد. في تلك اللحظات سرت رعشة أنثوية في جسدها وروحها لأول مرة، استيقظت أنوثة متفجّرة بعد رقاد عميق.‏

أحستْ بأنسام حياتية جديدة تتدفق في عروقها، وفي ذروة احتفاء الروح والجسد بلحظات الإشراق الجديدة أدركتْ أنها بلا أنوثة تكون كحصاة على رصيف، فغدت وهي تحتضنه بكل أنوثتها اللذيذة، تلتصق بتفاصيل الأنوثة، وتنتعش برعشاتها التي فاقت شاعرية كل كلمات العالم، فتشرق زهرة جسدها بإشراقة الأنوثة في عالم من لحظات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244