جريدة الاسبوع الادبي العدد 852 تاريخ 5/4/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عامان ترهقني القصيدة ـــ فاديا غيبور

عامان ترهقني القصيدةُ‏

وهي توغلُ بين أوردتي ونبضي‏

عامان تحمل وزرَ أسئلتي ومبتكرَ الحرائق والدماءْ‏

وتؤثث الصورَ العصيّة‏

وانزياحَ القلبِ من همٍّ إلى همّ ممضِ،‏

وإلامَ أشعل وردةَ لحضورها‏

وأنا أحاولُ نارَها‏

-يتها الحزينة‏

هل ترين وقد أتيتِ غداةَ نزفٍ وانكسارٍ‏

كيف بعضي اليوم أمسى يستغيثُ‏

بجرح بعضي؟‏

أو جئتِ تلتمس أغنية تورّد رجعُها فوق الضفافِ‏

وفي بياض الياسمينْ؟..‏

أم جئت تغتالين في صدر بقايا ما تكسّر‏

من حكايات التوله والحنينْ؟‏

أم أن أشلاءَ الضحايا وهي تنزف أشرعتْ أوجاعَها‏

وتزمّلت صمتَ الشوارع وانكساراتِ الندى والياسمينْ..‏

أم أن قافلة من الطعناتِ أسرت نحو وجهك‏

وانثنت نحو الحروف الذاوياتِ صدىً خريفياً حزينْ‏

ورمت إليك بكل ما في الأرض‏

من صخب التوجع والأنينْ؟‏

حتامَ ترهقني القصيدةُ‏

وهي تدعوني إلى عدّ النجوم الغافياتِ‏

على سرير الضوء من أزلٍ‏

يساررنَ الغيومَ هيامَهن بقبلة القمرِ الرهيفةِ‏

إذ يسرّح ضوءه كلَّ انتظار في المدارات البعيدةِ‏

وهي تزهر بالنجومْ..‏

هولا يحبّ الواقفين على بدايات التخومِ‏

الطاعنين بخوفهم من شاهقِ الأحلام ترميهِمْ‏

على حدّ الهمومْ..‏

هو لا يحبّ الخائفينْ..‏

حيرى أنا..‏

والكونُ حولي غابةٌ يغتالها صمتٌ مهينْ.‏

لا الشعرُ يمسح صمتَها‏

لا الضوءُ يغسل عتمها‏

لا شيءَ يجدي بعدما قتل المغني‏

بين أوقاتِ المآتمِ والسجونْ..‏

*****‏

شجرٌ يمرّ على بدايات الفصولْ‏

ودم يؤرجّه على شجر هطولْ‏

وقصيدتي مسكونة لما تزلْ‏

بهواجس الموت الجميلْ‏

كانت تزغرد مرّة في مرتقى قانا الجليلْ‏

فتلفّ أعراس الجنوب بحبّها‏

وتضمّ في بغداد أعذاقَ النخيلْ‏

واليومَ ترقصُ مثل طيرٍ نازفٍ‏

ما بين غزة والخليلْ‏

وعلى تأوّدِ خصرِها‏

تهمي تفاعيلُ التأوه والعويلْ...‏

كلماتها تنهدّ فوق محارق الصبر المدمّى‏

والسلام المستحيلْ..‏

فلتهرقوا يا أيها العرب النيام على دماها‏

كاس مرٍّ مرةَ، ولتشربوا أنخابها..‏

بحراً مديداً أو طويلْ‏

و(تموّزوا) إن شئتمُ هرباً إلى نسيانكم‏

شلواً صغيراً أو كبيراً..‏

من قلوب الثائرينْ..‏

وإذا صحوتم مرّة من خمركم‏

فتوكؤوا أطلال ماضينا الجميلْ‏

وعموا صباحاً شاحباً‏

وتثاقلوا..‏

وتفاءلوا..‏

وتشاءلوا..‏

أو.. فالعنوا إن شئتمو أهواءكم ورياءكم،‏

وبكاءكم في حضرة الزمن الهزيلْ..‏

***‏

لم يبقَ غيرُ الشعر نهرعُ صوبَه‏

إن مرّوجهُ مدينةٍ ثكلى بأقصى الذاكرة‏

أو ماسَ حقلٌ من نجومٍ‏

في ضفائرِ طفلةٍ مشلولةِ النبضاتِ‏

من بدءِ الشّفاه إلى أنينِ الخاصرة..‏

لم يبقَ غيرُ الشعرِ نافذةً‏

نحاولُها على زمنٍ عصيِّ قادمٍ‏

نرتادهُ متثاقلينَ إلى مرايانا الكئيبةِ‏

حين ترشقُنا بماء وجوهِنا الكسلى‏

يبعثرها جنونُ لهاثِنا‏

خلفَ انكساراتِ الحقيقةِ واحتراقِ الوردِ‏

في مطرِ الدماءِ الثائرة.‏

***‏

عامانِ.. يا ليلَ القبائلِ والدمى‏

ودمُ الشهيد على مفارقِ عمرَِكم‏

وطنٌ أريقْ..‏

ومدائنٌ من نخوة عربيةٍ‏

شمخت على قمم النضال وأسرفت‏

وتبسّمت للموتِ صاعدةً إلى أقصى الهدى‏

تستوكف المطر الحريقْ‏

عامان من زهرٍ وأشجار ومن حمّى‏

ومن سفر يعانده الطريقْ..‏

أحلامها عمرٌ من الآهات والصرخاتِ‏

والحزن العميقْ‏

هي بانتظار قيامة أولى سينفخ صورها يوماً‏

شقيق أو صديق...‏

عامان.. وانسلّ الأحبة من رماد الصمت‏

وانصرفوا إلى موت على دمهم يضيقْ‏

عامان.. لونُ البرتقال مخضبٌ برعافهم‏

والقدس نافذة مضوأة وسربُ حمائمٍ‏

ترنو إلى أفق يسوِّره البريقْ‏

عامان..‏

ذاكرة المآذن والكنائس تستغيث بأمة كانت‏

لتنقذ أمة تهوي منائرها إلى ليلٍ سحيقْ‏

حتام يؤرقها التمزق وهي تختصر المسافة بالدماء‏

غداة لم يأت الشقيق ولا الصديق؟!‏

لم يبقَ غيرُ الشعر،‏

ماذا تفعل الكلمات في زمنٍ كسيح مائلٍ‏

حدَّ الصَّغارْ؟‏

وإلام يصفعنا التخاذل والتقزم والدمارْ‏

حتام يذرف شعرنا أوجاعه متغرباً‏

بين الجنازات القديمة والجديدة والمآتم‏

حتام يصرخ كل آنٍ: لا تسالمْ..‏

وإلام نركض بين أبواب القصيدة‏

حين تنهشنا بدايات الحصار؟.‏

عامان ترهقني القصيدةُ‏

يا دمي خذها إليك أو انسحب‏

ما عاد يجديك اعتذار.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244