جريدة الاسبوع الادبي العدد 852 تاريخ 5/4/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

دراسة في كتاب: حياتي في قصص ـــ جمانة طه

بعد أن ولدت،‏

ليت أمي ذبحتني بيديها،‏

حتى لا أرى، العراق، وطني،‏

يذبح هكذا كل يوم، وبلا شفيع.‏

عبد الستار ناصر(*)‏

في القرن الماضي، عمد كثيرون من صناع السياسة وقليلون من الكتاب، إلى كتابة ثبت سيريً يشهد على العصر الذي عاشوا فيه، ويمور بتفاصيل حياتية كونت ملامحهم وشخصياتهم، وأسلوب تفكيرهم.‏

والرواية التي بين أيدينا، إن وافقنا على تسميتها بالرواية، هي شهادة على مرحلة زمنية من حياة البلد الذي عاش فيه الكاتب، في إهاب سيرة ذاكرة ذاتية تُظهر العلاقة بين الذاكرة والكتابة، بشكل متطور ومتألق.‏

فذاكرة ((الطفولة والصبا والشباب المبكر، مصنع خرافي يتشابك فيه الخيال مع الحقيقة. يتسرب ماء الواقع تحت سراديب الوهم.)).(ص106).‏

وهي ((جزء من المرارة والجوع والجنون والرعب والفساد، لا تفهمه الذكريات ولا يكتب عادة في دفتر المذكرات)). الصفحة السابقة.‏

فالكاتبُ جابه الواقعَ، بذاكرة تراجيدية استفزازية مأساوية، ليؤكد ما قاله (د.هـ.لورانس)، من: ((أنَّ الكتابة،هي كتاب الحياة الوحيد الباهر)).‏

***‏

يضم كتاب ((حياتي في قصص: موجز تجربتي في كتابة القصة والرواية))، عشر محطات، عدا المقدمة والخاتمة. وهي:‏

1 ـ الدخول في بيت الماضي.‏

2 ـ الدخول في بيت الحاضر.‏

3 ـ الوصول إلى بيت السفر.‏

4 ـ الدخول إلى منزل الكتابة.‏

5 ـ زقاق الطاطران.‏

6 ـ ماذا فعل أبي في قصصي وحياتي.‏

7 ـ النساء.‏

8 ـ ربما كان الأمر هكذا.‏

9 ـ ملجأ العامرية.‏

10 ـ آخر صفحة من كتاب الخوف.‏

العنوان هو أول ما يطالعنا من الكتاب، وكأنَّ الكاتب باختياره له، أراد أن يجسر المسافة بينه وبين القارئ، ويدخله مباشرة وبلا مقدمات في تجربته، ليغوص في دقائق حياته وتفاصيلها. كي يتعرف إلى المكونات النفسية التي ساعدته على الاستمرار بالسير إلى الأمام، بالرغم من حجم المصاعب ونوعها، اقتداء بأبراهام لنكولن الذي يقول: ((صحيح أنا أمشي ببطء، لكن لم يحدث أبداً أنني مشيت خطوة واحدة إلى الوراء.)).(ص5).‏

وهنا يتبادر إلى الذهن أكثر من سؤال: ترى من هذا الرجل الواثق بخطواته، وبتجربته إلى هذه الدرجة؟‏

من هذا الذي يغطس في بحر الماضي لاصطياد اللآلئ وانتقاء الأصداف، ونشأته زورقه، ومجذافاه الجرأة والحرية؟‏

من هذا المعتد بنفسه كل هذا الاعتداد، ولا يحني رأسه إلا أمام ذكرى أمه (حفيظة فارس)، ليعتذر لها عن أخطائه معها؟‏

إنه العراقي عبد الستار ناصر، الإنسان الذي عاش معاناة حربي الخليج: الأولى والثانية، واكتوى بناريهما. حتى أنه أسف على ولادته، وقال: ((ليت أمي ذبحتني بيديها، حتى لا أرى العراق، وطني، يذبح كل يوم وبلا شفيع)).‏

لقد علّمت الحرب العراقيين، كما يقول، سبعة عشر درساً. كل درس يفوق ((المخيلة العربية، منذ هولاكو إلى آخر سفاح بالفطرة.)). ص 234.‏

هذا هو عبد الستار ناصر المتمرد المبدع، الذي أسهم في صنع تمرده وبنائه التحتي، سياسيون وفنانون وكتاب وأصدقاء، ((دون أن يعلموا مستوى الجريمة التي اقترفوها بحقه، يوم فرضوه على الدنيا: مبدعاً ومخبولاً وسيداً على حياة شاسعة عجيبة)).(ص14).‏

فمن وحي هذا التمرد وهذه المعاناة، قدّم للمكتبة العربية عشرات الكتب من القصص القصيرة والروايات.‏

ولكونه مجبولاً من إبداع وإنسانية وتمرد، استطاع باقتدار من خلال أسلوب سردي مفعم بالعفوية والصدق والليونة، أن يخرجنا من الأجواء السوداوية التي تلفَّ مفردات الكتاب وحروفه، ويمنح القانطين مساحة ضوء، تستحم أرواحهم في أرجائها، وترتاح أفكارهم في فيئها.‏

***‏

عاش الكاتب منذ ولادته، قسوة الجوع ووطأة الحرمان. وطاردته منذ طفولته ثلاث صفات، هي: ((الفقر والجمال و الخوف)).(ص15).‏

بينما وسمت تجربته الإبداعية ثلاثة أشياء أخرى، هي: ((الكتابة والنساء والسفر)).(ص15).‏

لعب الفقر دوراً مهماً في صقل أحاسيس عبد الستار ناصر، وفي تكوين ملامح التمرد عليه. فكره القناعة والخنوع، ورفض أسلوب التسليم بالفقر وتقبل البؤس، حتى إنه في ذات مرة كسر زجاجاً، كتب عليه والده: (القناعة كنز لا يفنى).‏

من هذا الرفض لقناعات أبيه ومواقفه، نبعت فرديته ومواقفه الخاصة. فأبوه كما يقول هو عنه: ((رجل بلا مواقف، لكنه مزحوم إلى عنقه بالقناعات)).(ص16).‏

تميز عبد الستار في طفولته عن أقرانه بالجمال، الذي سبب له الأذى والمعاناة من مطاردة ومساومة بعض الشاذين، على قتل الروح في جسده.‏

ولعل ردود الفعل القاسية، على هذا الجانب من الطفولة، كان بارزاً في روايته ((تلك الشمس التي أحبها))، التي تحكي مطاردة قذرة لغلام جميل.‏

ولم تكن هذه الرواية، غير صفعة صغيرة بأسلوب فني لهذا الجانب المرهق في طفولته. (ص23).‏

وهذا الجمال، كان الشتيمة الوحيدة التي حاربه عليها أقرانه. وكم تمنى أن تنبت له لحية، ليخفي بها ملامحه.(ص20).‏

لكنَّ الجمال، لم يكن نقمة كله. فقد منحه قوة وثقة بنفسه، وأعطاه شعوراً بالتميز على أقرانه.‏

أمّا الخوف فكان يعشش بين بُطين الفقر وأُذين الجمال، ويتسرّب إلى جسد وعقل عبد الستار، ليستقر في خلايا ذاكرته وشرايين قلبه. حتى صار يخاف من كل شيء ومن أي شيء، ((ومن شيء غامض غريب، بعيد جداً وقريب جداً)). ((وإذا كان هذا الخوف لايحمل جواز سفر ولا تُعرف له جنسية، إلا أنه كان مبدعاً يشاركه في فراشه، يطارده أينما حلَّ، وينافسه في الكتابة والسفر.))(ص28).‏

وبعد أن يستفيض الكاتب في شرح فلسفة الخوف وأسبابه، يقرر أن الخوف عربي السمة والإقامة. فهو لم يره في إيطاليا ولا في إسبانيا ولا في سويسرا ولا حتى في كهوف الغجر. فهو مقصور على المواطنين العرب، إذ ((لا خوف في هذا العالم الشاسع سوى الخوف العربي))، يهاجمهم ويعريهم ويحتل جميع مسامهم.‏

((لقد علمونا كيف نفهم درس الرضوخ والصمت، على أعظم ما وهبته الطبيعة والله معاً، في أن نكون كما خلقنا أحراراً في العقل والضمير.))(ص29).‏

***‏

أين وُلد عبد الستار ناصر، وكيف نشأ؟‏

ولد في مدينة بغداد، في محلة فقيرة غارقة في الوحل والطين، تُدعى الطاطران. ونشأ في أسرة، لا يوجد في بغداد كما يقول، أفقر منها.‏

ومع ذلك تمكن بكبريائه، أن يداري هاجس ذل الفقر الذي كان يلاحقه، وأن يعيش مع أسرته لحظات من الفرح والأمل، بسبب الوعد الذي قطعه الملك فيصل الثاني على نفسه، ((بإعطاء كل فقير قطعة أرض ونقوداً وطعاماً)).(ص15).‏

فحلموا بتبديل البيت المكتظ بالأجساد الباردة، وبمغادرة الغرف المحشوة بالوساخة والمناظر المقرفة. لكنَّ شيئاً من هذا لم يحصل، فالمخلِّص قُتل قبل أن يفي بوعده، وبقي كل شيء على حاله، غارقاً في الفقر والبرد والجوع.‏

وتتداعى الصور من عالم الطفولة، إلى مخيلة عبد الستار. فينقلنا إلى تلك الليلة الشتائية، التي أغرقت محلة الطاطران، والبيت الذي يسكن فيه، في نهر ممزوج بالفضلات. ويشركنا معه في الابتسام على موقف طريف طالما تذكره، وذلك عندما اضطر وأخوته الخمسة إلى حمل والدهم على أكتافهم، ليتمكن من الذهاب إلى مكان عمله.‏

ترى هل استطاع هذا البؤس، أن ينزع من قلبه الأمل بالمستقبل؟ بالتأكيد لم يستطع، فالحلم بحياة تليق بآدميته، رافقه كظله. ولاسيما بعد مجيء عبد الكريم قاسم إلى سدة الحكم في العراق. لكن جميع التوقعات، مُنيت بالفشل. فالمخلص القادم لن يتمكن من اغتيال الفقر ومن اعتقال الغرف المحشوة بالرطوبة، لأنهم ((قتلوه، وأكذوبة الماضي ما زالت هاجسنا، تتسرب من مساماتنا وتسكر معها أعصابنا.)).(ص15).‏

في المحطة الأولى يؤكد الكاتب، على دور السفر والكتابة والنساء، في تمسكه بالحياة وانطلاقه بإبداعاته نحو مدارات ملونة.‏

غادر عبد الستار بغداد للمرة الأولى في حياته، وعمره سبع سنوات، مرافقاً والده إلى طهران. ليرمي بعد ذلك نفسه في أتون الأسفار، جاهلاً أنه يغرق نفسه في لجة الدمع والحسرة والجنون. فاصبح السفر قدراً أدمنه، وداء تمنى ألا يشفى منه، وهادياً له في بلورة رؤيته إلى الحياة، و((شفيعاً لأعصابه، وأنيساً لمتاعبه، وريَّاً لشهواته، وصديقاً، لوحشته.)).(ص70).‏

وقد ساعده السفر، على اكتناه سر الأسئلة التي خبأها في سرداب نفسه. وأعطاه عشرات القصص، ومنحه تجربة غنية شكلت مسيرته الإبداعية. وشجعه على الاستمرار في البحث عن سفر مزحوم بالمحطات، عن سفر بلا نهايات معقولة، لأنه لا يحب النهايات المعقولة. زار عبد الستار عواصم ومدناً أوروبية، مثل باريس ولندن ومدريد وسواها. ومدناً وعواصم عربية، ((مثل القاهرة التي صار السفر إليها شهيقه الذي به يعيش. وسحرته المدن الصغيرة، بطبائعها، وغرائزها، ونبضها السري الداعر.))(ص33).‏

وتعلّم أنَّ عمر السعادة أقصر آلاف المرات من عمر المآسي، وأن الخط المستقيم على عكس ما يقال عنه، أطول ملايين المرات من الخط المتعرج.‏

وقد وفر له السفر أياماً من العمر لا تُنسى، ومنها أيام سفره إلى (كونستانسا) في رومانيا. حيث الليل الساحر الهادئ، الذي يضرب الوجدان بعصا الأنبياء، ويطير بالإنسان إلى أجواء الصفاء والنقاء.‏

وأيام سفره إلى لبنان، عندما مشى عشرات الكيلو مترات حتى وصل إلى (بسكنتا)، للالتقاء بالأديب ميخائيل نعيمة، الذي قال له: ((المبدع، هو من يرى في الإبداع غاية)).‏

***‏

من ثنائية الخطيئة والإبداع، تتشكل بنية المحطة السابعة التي يتحدث فيها عن النساء، وعن تجاربه معهنَّ، مستخدماً كشافات ضوء من نوع فريد. فهو لا يقدم علاقاته العاطفية على الطريقة الأفلاطونية، وإنما يقدمها (أروسية) خالصة وإن غابت عنها التفاصيل. إنه يتكلم عن النساء بحرية ليس لها حدود، ويعلن على الملأ أنهن لذته الأولى بعد الكتابة.‏

ومن شدة شغفه بالنساء، وصل البلُّ إلى ذقن خالته زينب، فقال:‏

((ورأيت خالتي الحسناء زينب ترقص، كم كانت مثيرة وهي ترقص، يالطولها الشهواني الباسق، مثل نخلة.))(ص232).‏

لكن شبقه للنساء، لا يحجب عنه إنسانية المرأة ودورها في المجتمع. فهو يعتبرها صانعة للرجال، على مختلف فئاتهم: شعراء وملوك وصعاليك، مع أنها لا تعرف مقدرتها ولا تدري حجم المعجزة التي تملكها.‏

إنها المهلك والمنقذ، والحب والحقد معاً. وهي وحدها القادرة على أن تغلق الباب متى شاءت، وتفتحه حسب رغبتها متى شاءت.‏

ويعتقد أن من يقول: إنَّ المرأة نصف المجتمع، يظلمها فعلاً. فالمجتمع هو نصف المرأة، وليس العكس. والنساء أجمل ما في هذه الدنيا، والشَرَك الرائع الذي يأتي إليه الرجال طوعاً واختياراً.‏

ويظن الكاتب أن الرجل العربي، ((مسكين من الطراز الأول، محروم من الطراز الأول، ومغلوب على أمره مع النساء من الطراز الأول.)).(ص174).‏

لذا يعرِّض بالزواج، ويرى فيه خسارة كبيرة وبعثرة لكثير من الزمان. ومشروعاً من أغرب مشاريع الكون، ومأساة تبدأ بعد أن يكتشف الرجل، محاسن الأنثى وأسرارها وفردوسها الخبيث.‏

والزواج العربي مسكين، وسريره أعوج، لأنَّ ((بدايته محض حاجة جسدية ونهايته اكتفاء جسدي. وما بين بدايته ونهايته آلام وفواجع وشتائم وطرد من البيت)). على أنه لا ينسى أن يشير إلى وضع المرأة في المجتمع العربي، وما تعانيه من اضطهاد في بيت أهلها من قبل والدها وأخيها وسواهما.‏

مما يعرضها بعد الزواج، إلى تغيرات نفسية تحولها إلى نمرة شرسة، للانتقام لتلك المرحلة من حياتها.‏

***‏

في المحطة الرابعة، يبدأ عبد الستار ناصر محاولته للخروج من جحيم الخطايا إلى منطقة المطهر، متسلحاً بقلم مبدع ونصوص متميزة.‏

بدأ الكتابة مبكراً، وهذه البداية المبكرة جعلته عرضة لمؤامرات بعض الكبار وسخريتهم. واستمر بلا توقف، لأن الكتابة عنده فعل مقدس لا يجوز التخلي عنه أو التفريط فيه. واستطاع أن يثبت وجوده في المشهد الثقافي، بعيد عن التأثر بأي واحد من الكتاب الكبار. ((واختار لنفسه جزيرة خالية))، وبنى لنفسه مملكة خاصة من الكلمات والأفكار، ((لينقذ كتابته من السرقات والاقتباس وتوارد الخواطر، واستئجار الشكل والمضمون.))، وربما لأنه هكذا، تساقط فوقه، كما يقول: ((رذاذ الوقاحات من هنا، وشلالات القسوة من هناك.))(ص119).‏

هام عبد الستار حباً بالقصة القصيرة، والتصق بها التصاق بالجلد باللحم. واعتبرها مثل سرطان يعيش في خلاياه، وينمو في ممرات جسده أكثر وأكثر كلما ازداد نبضاً وحياة وتجربة وقراءة. ودخل عالمها بكنز من ذكريات الطفولة والصبا، غذى مخيلته وأثرى عبارته بتألق ساحر أخاذ. فالماضي ((يعيش، بل يستمر في أعماق النفس مسماراً من لحم ودم، ثابتاً في حيطان الجسد، بين الدم وتحت طيات اللحم البشري.))، (ص114).‏

وتعتبر محلة الطاطران، المكان الذي شكل جانباً من شخصية الكاتب، ووهبه جزءاً من أفكاره وخيالاته. فكل قصة كتبها، ((إنما خرجت من ذاكرة الطاطران، من شعابها وممراتها وبيوتها التي تشبه القبور.)). (ص145).‏

ومن أجل هذه الذكريات، حزن عندما أزالوا الطاطران من خريطة بغداد، وكتب يقول: ((غريب منظر الأزقة عندما تموت. هل رأيتم زقاقاً يموت، وكنتم ذات يوم تعيشون في ممراته، تركضون تحت أمطاره وتغازلون البنات خلف أبوابه وشناشيله الزاهية؟.. إنه موت من نوع آخر. صراخه لا يشبه الصراخ البشري، وآلامه لا يمكن أن تمسكه الأصابع. حينما يموت الزقاق لا يشعر بنهايته إلا من كان يوماً حياً عند بدايته)). (ص137).‏

إنما الحاضر، لا يقلّ عنده أهمية عن الماضي. فالحاضر هو الجزء المهم والخطير من تجربته في كتابة القصة. لقد طرق بقصصه، أبواب أبيه. فاكتشف أسراره، ونزع القناع عن وجهه، وسلخ الجلد عن جسده، وتركه عارياً.‏

واتخذ منه ((الممثل الشرعي والبطل المتميز بين أبطال قصصه))، فهو الجثة، في قصة (الرجل الذي مات). وهو المؤمن المزيف، في قصة (في عتمة الرأس). و هو القاتل، في قصة (قوة اللون).(ص104).‏

وهكذا، بين أقانيم الفقر والجمال والخوف، والسفر والكتابة والنساء، أمضى عبد الستار ناصر حياته، يصنع قصصه وتجاربه بخصوصية الإنسان وتفرد المبدع.‏

أما الفقر، ((فلم يبقَ منه غير ذكرياته الموجعة، ولم يبق من الخوف سوى ملامحه البعيدة. وكذلك الجمال لم يبق منه سوى حساب البقية الباقية من سنوات العمر.)).‏

لكنَّ الكتابة ما زالت ((هاجسه الأول، وما زال السفر أعذب أحلامه، وما زالت النساء، أخطر أفعاله وأعذب احتراقاته.)). (ص39).‏

***‏

لقد دمج الكاتب تاريخه الشخصي، بالتاريخ العام الذي عاصره، ووثق لما رآه مهماً ومؤثراً، مثل حالة الفقر التي كان يعيش فيها السواد الأعظم من الناس في ظل الحكم الملكي في العراق. ووثق لأخلاق الناس في فترة الحكم الجمهوري، وما آل إليه الوضع الاجتماعي آنذاك. فبعد أن كان الفقر البهي هو السمة البادية في بغداد، صار الترف هو السمة البادية. وصار ((آلاف المراهقين يتسابقون في مركبات باذخة، تقتل من تشاء وتشوه من تشاء. ثم يأتي والد القاتل، ويدفع آلاف الدنانير إلى عائلة المقتول))، وتتم المصالحة ويتم التنازل عن الدم المراق. (ص127).‏

وقبل أن ينهي عبد الستار ناصر حكايته، يصور لنا في المحطة التاسعة، حادثة قصف "ملجأ العامرية"، الذي قامت به القوات المشتركة: (الأمريكية والبريطانية)، ويقول: ((بعد احتراق ملجأ العامرية تغير كل شيء. كل شيء تغير بعد تلك المحرقة التي راح في تنورها الرهيب أربعمائة واثنان من الأطفال والشيوخ والنساء.))(ص205).‏

فمن عائلة واحدة احترقت سبعة أرواح وسبعة أجساد من الطفولة، ((ناهيك عن الأم التي احترقت مرتين، مرة وهي تراهم يحترقون، ومرة وهي تراهم محض رماد.)).(ص206).‏

ثم يتساءل: ((ترى من يصفق للشهداء في العامرية، من كتب عنهم، من تذكر عظامهم وثيابهم وأحلامهم الطرية، وصراخهم الذي صار دون صدى؟.)).(ص213).‏

****‏

رسم عبد الستار ناصر في هذا الكتاب، تضاريس حياته بسلبياتها وإيجابياتها. وقال كل ما يريد قوله عن قصصه وكتاباته، ومضى يتابع شأناً كتابياً آخر.‏

وفي زعمي أنَّ هذه السيرة الذاتية لن تمر مروراً عابراً، وإنما ستستقطب نقداً كثيراً بين مدح وقدح، وتعليقات عديدة، ومتنوعة، تتراوح بين الرفض والتأييد. الرفض لبعض المواقف التي وصلت فيها جرأة الكاتب حداً كبيراً، والتأييد للصدق الذي غمر الرواية بوضوح شفيف. أما أنا، فقد أمتعني هذا المغني خارج سربيه العراقي والعربي، وأدهشني بمقامرته بالممكن، وبمغامرته في دخول الممنوع. ورغم اعتراضي على غروره الصاخب، رافقته بمحض إرادتي إلى دهاليز ذاكرة مترفة بإنسانية عميقة، متفردة بخصوصية غنية، وحافلة بالغريب وبالمثير من الأفكار والمواقف. فأنعشني بخمرة معتقة، سكبها قلبه على أوراق حياته.‏

الهامش:‏

(*)ـ حياتي في قصص: موجز تجربتي في كتابة القصة والرواية ـ عبد الستار ناصرـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ ط1 ـ بيروت ـ 2001.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244