جريدة الاسبوع الادبي العدد 872 تاريخ 30/8/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رحلة إلى عمق الغبار ـــ ابتسام شاكوش

سألتكِ قبلَ بداية البداية هل تشبهه؟؟ ذلك العربي الذي رسمتُه في خيالي، هل تشبهه؟؟‏

أجبتَني: أنا أشبهُ الناس به.‏

أغمضتُ عيونَ العقل ورحت أحلم بقامة تنبثق من أرضٍ حرة، تحمل رأساً عنيداً عصياً على الانحناء، تعلوه غرةٌ ثائرةٌ متمردةً على كل أصناف القهر والاضطهاد.‏

ثقبت روحي شرنقةَ العزلةِ ورقت، فراشةٌ كسلى يبهرها الضياء، فردَتْ جناحيها على موجات الأثير، وراحت تدور وتدور راقصةً في فضائك الفسيح.‏

***‏

أأنت تشبهه؟؟؟‏

هرَبتْ مني فراشةُ الروح، راحت تبحث عن أهدافك وأحلامك، لبسَتْها حريراً لجناحيها، تبعتُها مسحورةً إلى كرم الزيتون، سجدنا معاً تحت ظلاله، رفعنا من فوق ثراه صلواتِنا إلى السماء، وعُدنا تحملنا نسمةُ العشقِ المقدس، ونحملُ معاً مشعلَ الفرح.‏

***‏

-أحقاً تشبهه؟؟‏

-سترينَ كم أنا متطابقٌ معه في كل شمائلهِ التي ذكرت‏

رحتُ أحلم بقدمين تنتعلان الجرأة تخوضان وُحول التحديات، تدوسان نشراتِ الأخبارِ والثرثراتِ، لا تعرفان طريق التراجع.‏

طارت فراشتي بجناح بنفسجي إلى صحرائك، تيممت في الرمالِ الناعمة، استنشقتْ عبيرَ الندى الصباحي، استوطنت كثبانك وبدأت البحث عن موقعِ الخطو في زمنٍ مضى، بين ذرات الغبار المتطاير من مكانٍ مفترضٍ للسعادة، وترَكتني هنا، مسلَّمة جوارحي للحريق اللذيذ.‏

***‏

-أحقاً تشبهه؟؟‏

رحت أحلمُ بروح نقية لا تعرف سوى الصدق، والصدقُ المطلقِ، مذهباً ومشروعَ عمل، تغتال الأكاذيب، تطفئُها في منبتها، أما بأنف شامخ ما ذاق يوماً طعمَ الذل، ولا مرارةِ التراجع عن قرار، أحلم بلسان جريء سليط، لا يهادن باطلاً ولا يتملق خباً.‏

بجناحٍ أخضر دخلتْ فراشتي غابةَ الخيال، اندسَّتْ في أكمامِ الزهر، قاربتْ مواقع الرحيق، هتفتَ لي من عمق صحرائك: أنا قادِم... إليك... أهدي بمهجتي.‏

قطعتُ الجبال والسهول، لبست شغافَ القلبِ رداءً أتزين من أجلك، أين أنت؟؟‏

طافتِ عيناي على دروب المطارات، وأدراج السفارات، زحفَتْ بانكسار على مواقع الظنون ورجعَتْ إلي بالخيبات، أين أنت؟؟؟‏

***‏

دارت الدنيا دورتَها، امتدت صورُ نيران على مساحات الصحف ونشرات الأخبار، أحرقت ألسنتها كلَّ مقدسٍ وأطفأت وهجَ الأملِ في النفوس، اجتاحتْ أمواج الشتائم والاتهامات كلَّ قنواتِ التلفزة، والشاشاتِ المضيئة لشبكاتِ الاتصال، أشعلَتْ ما كان كامناً من أحقاد وأطفأتِ المروءات.‏

-أحقاً تشبهه؟؟ أهو يشبهك؟؟؟؟‏

-لم أفهم ما تقصدين.‏

وتأتيني إشارتك (قد لا تجدينَني لو بحثت عني مرة أخرى)... ترى ماذا تعني هذه أل (قد) المؤلفة من حرفين قاسيين قاتلين؟؟ عدت إلى القواميس والمعاجم أستنطقها، هذه الكلمة بذرة، سوف تنبت شجرةً شائكةً من الهلع، لأغصانِها صلابةَ الزيتون وهشاشةَ الكثبان‏

قد لا أملك من المروءة والشهامة ما تتخيلين.‏

قد لا أكون درعَ الحماية والغيرة الذي تطلبين‏

قد....... أسحب وعودي وغباري‏

قد....... أتنصل من كل كلامي‏

قد لا أكون من تبحثين عنه‏

قد... قد... قد... قد...‏

فراشة روحي باغتها طائرُ الخوف فاتحاً منقارَه الأسود القصير، أطبق عليها بفكيه، رفرفت، قاومت، تمزق جناحاها وتناثر حريرُها غباراً، جمعته حباتُ المطر وسارت به، سيلاً جارفاً مدمراً لكل ما شيدناه من قصورِ الشوقِ وجسورِ الخيال، تخلصتَ روحي من المنقار الأسود لتسقط في مستنقعِ الشك المسكون بقبائل البعوض، تمسكتْ بورقة زيتون طافية، بساق عشبة مائية، بقبضة من الهشيم...‏

برز لها ضفدع بارد لزج، غيبها بسرعة البصر، في ظلام جوفه... وبقيت بلا روح وحيدةً أتلفت في كل اتجاه، بحثاً عن رجل آخر، يملك بقايا نخوة وسورَ شهامة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244