جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كوتزي يحصد جائزة نوبل للآداب... ـــ ت.هدى أنتيبا

يحمل أسماء عدة: "جون ماكسويل" بالنسبة للأكاديمية السويدية "وجون مايكل" عند مجموعة الناشرين على غرار دور الطباعة والنشر الفرنسية... مؤلفاته لا يتجاوز عددها الرقم عشرة حتى اليوم... دوّن فوق أغلفتها الحرفان: "جي إم"... وهو اللقب الذي يعشق "كوتزي" أن يطلقه عليه معارفه... مهما يكن من أمر أخرجت جائزة نوبل للآداب إلى النور هذا العام روائياً غير معروف سوى في حفنة من الدول الأنغلو... ساكسونية ليس إلا...‏

فعلى الدوام رفض "جي إم كوتزي" المقابلات الصحفية والتلفزيونية لا بل توقيع رواياته أمام الجماهير حتى لقب "بـ صامت الكيب"... ولد "جي إم كوتزي" في جنوب أفريقية (الكيب) يوم التاسع من شباط 1940... ليمضي طفولته في مقاطعة "كارو" وسط أسرة من الأفريكانير (وهم المستوطنون البيض الذي هاجروا من هولنده إلى بلاد الأبارثيد: كما تدعى جنوب أفريقية)... وفي منزل والديه كانت الأسرة تتكلم اللغتين الإنكليزية والأفريكانير (خليط من اللهجات النيزيلاندية الهولندية والأفريقية)... التحق في مدينة "الكيب" بجامعتها ليدرس الرياضيات... ثم ذهب للعمل في لندن لصالح مؤسسة للمعلوماتية تصنع الحواسيب... لكنه شعر بالملل والسأم في عاصمة الضباب... فارتحل إلى بلاد العم سام ليتابع تحصيله ويتخرج بدرجة دكتوراة في الألسنية عام 1969 في جامعة تكساس قبل أن يتزوج عام 1963 ويرزق بطفلين...‏

لكن زواجه لم يستمر طويلاً... طلق زوجته مع وفاة أحد أولاده ومنذ عام 1972 انصرف لتدريس الآداب الأمريكية بين جامعتي "الكيب" و"أدلايد" الأوسترالية حيث يقيم منذ عام 2002... بدأ الكتابة الأدبية: بُعيد مجازر "سويتو" التي راح ضحيتها آلاف الزنوج على أيدي حكومات الأبارثيد... لينشر "كوتزي" رواياته وترجمت إلى 25 لغة وليحصد مرتين ـ وهو أمر غير مألوف ـ جائزة "البوكربرايز" أبرز تكريم أدبي في بريطانيا (على غرار الفونكور الفرنسي) لروايته: "مايكل كي" وذلك عام 1983 "والمغضوب عليه" عام 1999... رفض تسلم جائزة "البوكر برايز" الثانية ليرسل إلى لجنة التحكيم الأدبية البريطانية هذه الكلمات على شكل تلغراف "فزتُ فقط لأن النجوم يوم 25 تشرين الأول 1999 كانت تبتسم لي"... نجوم لم تبتسم فترة طويلة لموطنه جنوب أفريقية وعرف أبشع أنواع التمييز العنصري والحروب الأهلية والمذابح التي اقترفها الأقلية البيضاء بحق الزنوج والسواعد السمر تؤججها أحقاد تفوّق العرق الأبيض على سواه من الأعراق... ولَكَمْ وجّه النقاد الانتقادات "لكوتزي" واتهموه بالابتعاد عن الالتزام السياسي في الوقت الذي ارتفعت أصوات أدباء بيض من جنوب أفريقية تستنكر الأبارثيد وفصله العنصري على غرار "أندريه برنيك" و"نادين غورديمر"... قابل "جي إم" القبضات الملوحة بالتهديد في الهواء بصمت العارف بخفايا الأمور والعاجز عن فعل أي شيء ذي قيمة... ألم يعلن بطل روايته "مايكل البستاني" ويحمل اسم عنوان الرواية رفضه الاستسلام لليأس رغم أنه لا يستطيع تغيير وجه العالم أكثر مما تستطيع حبة الرمل تغيير مجرى التاريخ؟!...‏

وفي روايتيه "في قلب هذا البلد" و"فو" يعقد الكاتب الجنوب أفريقي ـ فاز يوم الخميس 2 تشرين الأول بجائزة نوبل للآداب لهذا العام ـ مقارنة بين صمت شريحة من الأقلية البيضاء المتشرنقة داخل قوانين الفصل العرقي وبين تمرد الأكثرية السمراء صاحبة البلاد الأصلية على الفيتويات (سويتو) وعلى حكومات "بريتوريا" العنصرية آنذاك...‏

إرهاصات عنصرية‏

ولأن تنديد "كوتزي" بالأبارثيد لم يأت بشكل مباشر وصريح اتُهم بالمواربة حيناً والتخاذل حيناً آخر وبالجبن والتآمر أحياناً... هذا رغم الإيحاءات الواردة في روايته "العصر الحديدي" والمتعلقة بهذا الموضوع... فها هي "إيليزابيت" مدرسة الآداب تعاني من اغتصاب قسري في منزلها المهجور... لا تصل إلى مسامعها سوى أصداء الاضطرابات في الشوارع المجاورة لمنزلها وأصوات هراوات الشرطة العنصرية وهي تفتك بالزنوج والملونين... ويعمل أحد هؤلاء الملونين في خدمة "إيليزابيت" لكن سرعان ما تتحول علاقتهما إلى جنس مكبوت ينفجر في وجه الشقراء الحسناء... وتكشف "إيليزابيت" مشاعرها فتقول: "لا أحبه لكني اعتدت على رائحته الكريهة"... وهنا يغمز الأديب بطرفٍ خفي للتمييز العنصري في جنوب أفريقية... ثم جاءت رائعته "المغضوب عليه" لتصور معاناة أستاذ جامعة في جنوب أفريقية تطرده لجنة تابعة لهيئة التدريس فيها (ممارساتها شبيهة بالماكارثية الأمريكية خلال الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين): بحجة أنه حاول إغواء طالبة في صفه... رغم أن حياة "ديفيد لوري" الكاتب وأستاذ الجامعة لم تَشُبْها يوماً شائبة إلا أن تهمة مراودة إحدى طالباته عن نفسها جاءت كضربة موجعة لمستقبله المهني... فيلجأ الأستاذ الجامعي إلى قرية "سالم" في الريف... هناك تعيش ابنته حياة المزارعين البيض وقد اختارت الابتعاد عن المدينة وصخبها وإحباطاتها تعمل برفقة ابنة "ديفيد" مجموعة من العمال الزنوج الذين استخدمتهم "لوسي" البيضاء لتصريف منتجاتها الزراعية... لكن سرعان ما يداهم العنف الأب وابنته على شكل عصبة من المجرمين الملثمين والمأجورين العاملين لحساب مزارع أراضيه متاخمة لأرض الابنة "لوري"... وإذا الخيار الرحيل أو الموت... تقرر "لوسي" البقاء مقابل عقد قرانها على مثير أعمال الشغب حين يغادر "ديفيد" إلى غير رجعة... وفي مطلع العام الجاري يفاجئ "كوتزي" الأوساط الأدبية بإصداره الجزء الثاني من سيرته الذاتية وتحمل الأولى عنوان: "مشاهد من حياة شاب"... يروي من خلالها معاناته في الاختيار بين اللغتين الإنكليزية والهولندية وبين وقوفه إلى جانب والدته أو والده الذي يتعاطى المسكرات بينما تصدرت والدته بحزم لهذا الأب المخمور باستمرار حتى أنها استدعت رجال الشرطة للقبض على زوجها وزجه في السجن أمام أعين أطفالها...‏

وتصور روايته الجديدة "نحو سن الرجولة"... وهي تتمة الجزء الأول من السيرة الذاتية ـ مشاهد من حياة مراهق شاب أبيض في بلاد الأبارثيد... وليتوقف "كوتزي" عند محطات من تاريخ جنوب أفريقية على امتداد القرن العشرين... فيلتقط صوراً من الشوارع الخلفية "للكيب" وكيفية استغلال الأقلية البيضاء للأيدي العاملة السمراء في المناجم والمنازل في استخراج والأزقة والحدائق العامة...‏

وبينما أطلقت "الفيغارو" على "كوتزي" اسم "الروائي الصامت" وجدت زميلتها "اللموند" أن أدبه يتميز بالإفساد والتخريب...‏

تقول "اللموند": وصف "كوتزي" على امتداد أعماله الأدبية العنف والعلاقات المشبوهة للسلطة السياسية في بريتوريا مع العنصريين البيض بشكل غير مباشر بخلاف مواطنته "نادين غورديمر" وحصلت قبله على جائزة نوبل للآداب عام 1991 لروايتها التي أدانت الأبارثيد وممارساته القمعية وبالتزامها الواضح والصريح ووقوفها هي البيضاء إلى جانب قضايا الزنوج في جنوب أفريقية على الصعد كافة... ظلت أعمال "جي إم كوتزي" غير مقروءة ولا مفهومة حسبما كتبت "كاترين دو بليسيس" التي درست أعماله وترجمتها إلى الفرنسية منذ عام 1976 في بلاده ودول الكومنويلث لا بل تعرضت لهجوم النخبة الجديدة في جنوب أفريقية في توجيهها انتقادات لاذعة لأعماله...‏

ألم يتهم بفتوره في حمل شعلة مقاومي الأبارثيد؟‏

وبالتردد في السير مع طليعة المجاهدين من المثقفين لإقامة أمة قوس القزح؟ وتتابع "دوبليسيس": "لم يقف كوتزي في صفوف أنصار أمة قوس قزح لأن نظرته إلى العالم متشائمة وسوداء... فها هو يقول عن موهبته الأدبية بأنها "ترجمة لإنسان موهوب للحزن بخلاف الكاتب الملتزم"... ففي "المغضوب عليه" لا وجود لقضيتي المصالحة والوحدة الوطنية وإنما هناك الحقد والكراهية والانتقام بالدرجة الأولى... ويتابع الكاتب والصحفي الجنوب أفريقي "جون ماتشيكيز": "اَحترمُ كوتزي كثيراً لكن رواياته خلال السبعينيات والثمانينيات أفضل من تلك التي صدرت لاحقاً"... ويضيف "كولن بوير" في مقالة نشرها في مجلة "دراسات إنكليزية في جنوب أفريقية" نقلتها الساندي: "يا لتعاسة أبطاله الذين يقضون أوقاتهم يتقلبون فوق أشواك الحياة بجروحهم النازفة"... أما رفاقه في جامعة "الكيب" فقد أثنوا على "كوتزي" منذ ترشيحه لنيل النوبل في الآداب حتى اعتبر خليفة "كافكا" وآن الأوان ليفوز بالجائزة الكبرى كما يقول "مايكل ماريه" أستاذ جامعة "جوهانسبرغ"... ويعلق كذلك "ديفيد آتويل" الاختصاصي بأدب "كوتزي" على هذا الاعتراف العالمي بأهمية أدب "جي إم" قائلاً: "أن زميلنا يتمتع بإعجاب واحترام الأوساط الأكاديمية الأنغلو ساكسونية لكنه غير مقروء جيداً في بلاده"... "ففي جنوب أفريقية يعشقون الروكبي أكثر من الأدب" تضيف "دوبليسيس"... وجاءت تهاني الناطق باسم "المؤتمر الوطني الأفريقي "كوتزي" يوم إعلان نتائج النوبل للآداب كتتويجٍ رسمي لهذا الكاتب الذي رفع اسم جنوب أفريقية عالياً في فضاء الثقافة العالمية...‏

واستكتبت مجلة "التايم" الأمريكية الأديب "ريان مالان" الذي يعيش في مدينة "الكيب" للتكلم عن "كوتزي" بعد فوزه بجائزة "نوبل" فسجل ملاحظاته على الشكل التالي: "لأن كوتزي يرفض إجراء أية مقابلات صحفية اعتبرتُ نفسي محظوظاً حين استطعت الحصول على موعد معه أوائل التسعينات في القرن الماضي ـ التقينا في مكتبه في "كيب تاون" بعد أن تلقيت تحذيراً من وكيل أعماله بعدم التطرق لحادث وقوع ابنه من شرفة المنزل أو وفاة زوجته السابقة بالسرطان وتأثير تلك المآسي على كتاباته الأخيرة... وعمد "كوتزي" على تسجيل أسئلتي والتفكير فيها ملياً قبل الإجابة بكلمات مقتضبة... وحين سألته عن أي نوع من الموسيقى تعجبه أجاب الموسيقى التي لم أسمعها من قبل!!...‏

ويميل "جون ماكسويل كوتزي" لاستخدام شيفرة حين يتكلم أي "ألغاز" تزيد من تضخيم هالة السرية والغموض المحيطة به فهو يعيش في مجتمع يعمد فيه الأدباء إلى النقد والتجريح وإنتاج روايات واقعية تعكس أزمات جنوب أفريقية...‏

ويتجنب "كوتزي" اتخاذ المواقف السياسية والاجتماعية أو تبني قضية أو كشف أي شيء هام حول حياته الخاصة... عُرف أنه يمارس لعبة الروكبي وهو نباتي لا يأكل اللحوم ويتمتع منزله بحماية إلكترونية متطورة... وسيذكر تاريخ الأدب هذا الكاتب لوصفه السكان البيض وموقفهم من حماقات الأبارثيد وممارساته المشينة بصدق وصراحة... أما كلمة "أبارثيد" فلم ترد في رواياته على غرار جنوب أفريقية والتي قد تشبه أي مكان آخر في أعماله... ففي عام 1980 حين نشر رائعته بانتظار "البرابرة" كنتُ ـ يتابع "ريان مالان" ـ في الولايات المتحدة. وقد وجد العديد من القراء أن موضوع الرواية يشبه قصص الكاوبوي الأمريكية... وبالنسبة لي كرجل أبيض من سكان جنوب أفريقية شعرتُ بألم شديد لهذا التشبيه... وتكاد روايته "حياة وأوقات مايكل كي" 1983 أو "فاو" 1986 تحتل مكانة "بانتظار البرابرة" وتروي قصة رجل إنكليزي ضائع في جزيرة صحراوية برفقة عبيد من الزنوج قُطعت ألسنتهم "وتسلط الرواية الأضواء على العلاقة بين الأعراق في مجتمع يفصل الأفارقة السمر عن البيض الأوروبيين... ثم جاءت رواية "معلم بيترسبورغ" كصدى لسقوط ابنه عن الشرفة لأسباب مجهولة أما "العصر الحديدي" فتصور ألم امرأة تصاب بالسرطان على غرار زوجته السابقة"...‏

المراجع: مجلة "تايم" العدد 13 أكتوبر 2003‏

صحيفة "الفيغارو" تاريخ 3 تشرين الأول 2003‏

صحيفة "اللموند" تاريخ 4 تشرين الأول 2003‏

"كوتزي" يحصد نوبل للآداب...‏

الصورة رقم (1) جي إم "كوتزي" في منزله حزيران 2003‏

الصورة رقم (2) لم يغمض "كوتزي" أبداً عيونه عن التاريخ المأساوي لوطنه...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244