|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
من لطائف الأسلوب ـــ محمد رضوان الداية
من لطائف الأسلوب
العربي، ومن غرائبه ـ أيضاً ـ خطاب الواحد بصيغة المثنى؛ ويكون في
الكلام قرينة لفظية أو معنوية (دليل) يدلّ على حقيقة المراد. ويستعمل هذا الأسلوب
من أجل تحسين الكلام من جهة المعنى أو تقويته وتحسين من جهة اللَّفظ،
والأسلوب. ونقرأ في شعر قديم لسويد العكلي من قصيدة يخاطب
سعيد بن عثمان بن عفّان وكان والياً، ويعتذر إليه:
وكان الوالي سعيد قد منع الشّاعر المذكور من
هجاءِ قوم كي لا تثور فتنة بين أحياء العرب. فالشاعر يستسلم للأوامر الإدارية ويعلن
انضباطه، ولكنّه يبرر موقفه بأنه يدافع عن نفسه وقومه وعِرْضهم:
وكانت دولة بني أمية تمنع الناس من أن يأخذ كل واحد
حقّه (الذي يدّعيه) بنفسه، وأحكمت سيطرة القانون العام. فقول الشاعر: "تزجراني، وتتركاني"
مثنى، وهو يريد واحداً هو الوالي سعيد بن عثمان. وقال ابن سلام الجمحي: والعَرَبُ تَفْعَلُ هذا
أحياناً، ومثله قول الفرزدق يخاطب جريراً:
كُلَيب قبيلة جرير. والمِرْبَد: المكان المشهور في
البصرة، وهو مِرْبَدُ واحد. لكن الشاعر جاء به بصيغة المثنّى تحليةً للكلام
وتفخيماً له. وقد أمن الشاعر الوقوع في اللّبس لشهرة اسم ذلك المكان. وقال الفرزدق في قصيدة أخرى، من باب المفاخرة
على جرير وقومهِ: والخطاب لجرير:
ذكر الشاعر قمرين في الليل (بدليل النُّجوم الطَّوالع)
وهو قَمرٌ واحدٌ، ولكن الشاعر أن يزيد في فخامة كلامه وتضخيم مقاصده لأنه في معرض
الفخر. وكان صوتُ الفرزدق صَدَّاحاً في هذا الغرض اعتماداً على مكانة
فرع قومه من قبيلة تميم. ـ ومن هذا الباب قول أبي ذؤيب الهذلي في معنى
ثبات الحبّ وتأبيده:
(أَرْزمت:
حَنّت. والحائل: الأنثى من أولاد الإبل. والناقة دائمة العطف على أولادها).
وهو قارظٌ واحد (رجل ذهب يجني ورق شجر اسمه
القرظ). وضُرِبَ به المثل لأنه خرج ولم يَعُدْ. وقد قال بشر بن أبي خازم:
فهو يقول إنه لن يعود نهائياً، وضرب مثلاً من
إياب القارظ الذي صار مستحيلاً!.. ـ ومثله قول العَجّاج: * لا تحسبَنّ الخندقين والحَفَرْ* وهو خندقٌ واحد (وفي الديوان توجيه آخر للكلام
إضافة إلى توجيه الجمحي). ـ ويدخل في هذا الباب ما اشتهر من شعر علي محمود
طه في قصيدة الجندول من ديوانه: ليالي الملاح التائه؛ في قوله: قلتُ والنشوة تسري في كياني هاجت الذكرى فأين الهَرمان؟ وقد ذكر الشعراء ـ من قديم الشعر العربي ـ الهرم
(أو الأهرام) بصيغة المثنّى كقول أحدهم (في معجم ياقوت).
وقال آخر بصيغة المثنى:
ـ واستفادت اللهجات العامية هذه الخصوصية الأسلوبية
على النهج الفصيح فقالوا في الكبير الرأس: أبو راسين، وربما استخدموا هذا في
المقصد المعنوي: للعَنيد، أو المُشاكس... ـ أمّا استخدام الجمع نيابةً عن
المفرد فكثير في الكلام شعره ونثره، وهو فاشِ في اللهجات الدّارجة وفي الاستعمال
اليوميّ. وخصوصيات الأُسلوب العربي كثيرة، معجبة، تعطي
الكلام العربي شيئاً من التفرّد، وتفسح أمام المتكلم والكاتب أن يدخل في دقائق
المعاني، ومحدّدات المقاصد... | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||