جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الفنان تكوين ثقافي ـــ كرم النظامي

الفنان بلا ثقافة كبذرة في أرض ميتة، ولا يمكن له أن يثمر وإن صدف وأثمر فستكون الثمار مريضة شوهاء، ذلك لأن الثقافة تربة الإبداع الخصبة والمعطاء.‏

والمقصود بالثقافة هنا ليس المعرفة الفنية فحسب، وإنما العلم الكلي الشامل أي مجموعة المعارف المكتسبة من خلال التجربة والمطالعة والتعامل مع المحيط على كافة الأصعدة والمجالات وهذا العلم الكلّي يُعتبر النبع الذي تتدفق من شرايينه مياه المعرفة الفنية التي تروي موهبة الفنان وتوقظ الحياة في أعماقه السحيقة التواقة أبداً إلى لحظة النور، وكشف أسرار الخلق.‏

ولأجل ذلك، فإن كل تجربة أو محاولة فنية بلا ثقافة هي تجربة ناقصة، وهي وإن كانت تعطي الجميل الجديد أحياناً إلا أن العمل أو الثمرة يفتقر إلى غناه الداخلي المؤسس على الفكرة التي تهبه بعده الجمالي، وتكسبه الصفة الاستثنائية المميزة.. والثقافة هي نواة هذه الفكرة بالتحديد.‏

إلا أن الثقافة وحدها لا تكفي وإن كانت تلبي الحاجة وتيّسر الرحلة الإبداعية وتكشف طريقها، لأن هناك أيضاً إضافةً للموهبة لحظة التاريخ (لأن الفنان يتعامل مع التاريخ المقبل أكثر من تعامله مع الواقع المعاش) وهذه اللحظة قوامها الفكر والموقف، أي الأيديولوجية المثقفة للمعرفة لدى الفنان، والموجهة إياها بما فيه خير المجموع والصالح العام لأنه يتوجب على الفنان ألا يحتكر موهبته وثقافته لوحده ولتجربته فحسب، بل يجب إطلاقها في سماءات الجميع لأن هذه السماءات هي التاريخ الذي يحفظ النجمة- الفنان من الانطفاء والتلاشي.‏

فالفنان كأي مبدع تكوين ثقافي قَبل أن يكون تكويناً حسياً.‏

الفنان والطفولة‏

أغلب الفنانين، إن لم يكونوا كلهم، يهيمون حباً وشغفاً بالأطفال والطفولة، وتراهم أقرب إلى هؤلاء في سلوكيتهم ونوازعهم منهم إلى إقرانهم الكبار، لأن الفنان طفل كبير يخفق في حناياه قلب عذب واسع بريء ولأجل ذلك يستنكر الآخرون (الذين لا يدركون هذه الحقيقة الأكيدة) طفولية الفنان وعذوبته ولهوه المشروع لما فيه من جمالية التصرف وأريحية الحركة، فيلقى ما يلقاه من الجحود والاستنكار وربما الأذى والاضطهاد والحصار.‏

وبالتحليل ليس الفنان في مرسمه سوى ذاك الطفل المرح الرائع الجذل، المتوقد نشاطاً وذكاءً و (شيطنةً) الذي يلعب في الحارة أو الحديقة أو يشاغب ويصخب، ولكن هنا بشكل آخر بشكل مبدع وخلاق تتجسد الطفولة من خلاله في كل ما يكوّنه الفنان من أشكال وخطوط وأفكار وألوان وأسرار في ملاعب وحدائق اللوحة.‏

وكالطفل الذي يذوب فرحاً بهدية مفاجئة ترى أنّ الفنان يذوب ابتهاجاً بكل عمل يبدعه ويؤخذ به ويُدهش، يحتضنه ويصبح شيئاً منه قريباً إليه، مكوّناً من مكونات شخصيته ويحقق من خلاله كل صبواته الطفلة، وعذوبة روحه الصافية.‏

والفنان الذي واجه طفولة قاسية في حياته، إنما يمارس طفولة تصعيدية رائعة وواسعة المدى من خلال فنه، فيتبدى كل ذلك الحرمان وتلك القسوة والإخفاقات لوحات ومنحوتات وإبداعات.‏

والفنان الذي استغرق في طفولة مريحة، تراه يعمق أثر هذه الطفولة من خلال إبداعاته التي يصعدها في سن متأخرة بعض الشيء وكشكل من أشكال الترف الفني ولكن المشروع أيضاً.‏

وفي كافة الحالات تبقى الطفولة المكوّن الأساسي للروح المبدع!‏

فمن يحتضن هذا الطفل الكبير؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244