جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الأيديولوجيا الصهيونية ضد التسوية!!؟ ـــ محمد رشاد الشريف

الحرب الشاملة التي يشنها الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، منذ اندلاع انتفاضة الأقصى الباسلة، والعودة إلى اجتياح المدن الفلسطينية في المناطق "أ" التي تديرها السلطة الفلسطينية، وتدمير البنى التحتية، ورموز ومؤسسات هذه السلطة، إنما يطرح التساؤل بشدة حول موقف الكيان الصهيوني من عملية التسوية، ونظرته الحقيقية إلى هذه العملية!!؟؟.‏

تضليل وادعاءات زائفة:‏

فمنذ قيام هذا الكيان على أرض فلسطين عام 1948، والدعوة إلى "المفاوضات المباشرة" مع العرب، و"حل النزاع بالتسوية السلمية" تشكل عنوان الخطاب السياسي الصهيوني الموجه إلى العرب والعالم، ومنذ ذلك الحين والصهاينة لا يفتؤون يروجون إلى أن العرب هم دعاة الحل العسكري والسعاة إلى الحرب، والذين يرفضون السلام. وأن كل الحروب التي خاضها الكيان الصهيوني منذ قيامه، بما في ذلك حرب عام 1967 التي احتلت فيها الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، كانت حروباً دفاعية خرجت "إسرائيل" إليها لتحمي وجودها المهدد من قبل العرب، وأن العرب هم الذين كانوا يبادرون إلى شن الحرب.‏

وعلى الرغم من تعاطي الأنظمة الرسمية العربية مع كل مبادرات التسوية ومحاولات حل الصراع، وقبولها بالقرارات الدولية، ودخولها في محادثات غير مباشرة مع هذا الكيان عبر لجنة التوفيق الدولية (1949-1952) والمحادثات التي كان يجريها المبعوثون الدوليون بعد عام 1967 من جوناريارنغ (1968) إلى مايكل أنجل موراتينوس (في السنوات الأخيرة) فإن تلك المزاعم والادعاءات الصهيونية كانت تجد لها صدى واسعاً ليس فقط في أوساط الرأي العام العالمي والغربي على وجه الخصوص، وحسب، بل وفي بعض الأوساط السياسية الرسمية العربية، التي أخذت تدعو إلى انتهاج سبيل التفاوض المباشر والتسوية السلمية طريقاً لحل الصراع العربي الصهيوني، واستعادة الأرض العربية التي احتلت عام 1967، خلف الزعم بأن "الرفض العربي" واتباع خيار المقاومة المسلحة للاحتلال الصهيوني، هو المسؤول عن "ضياع فرص السلام"، و"خسارة الأرض والحقوق"، وكان قيام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة القدس عام 1977، ثم عقده اتفاق كامب ديفيد الذي أخل بموازين الصراع لصالح الصهاينة، الحدث الأكبر دوياً في هذا المجال.‏

وبعد حرب الخليج الثانية في مطلع عقد التسعينات الماضي وفي أجواء المتغيرات الإقليمية الدولية التي جرت لغير صالح الأمة العربية، صار التوجه إلى التسوية السلمية والمفاوضات المباشرة مع الصهاينة توجهاً عاماً لدى الأنظمة الرسمية العربية، وفي هذا الإطار عقد مؤتمر مدريد عام 1991، وانطلقت المفاوضات المباشرة على أربعة محاور بين الأطراف العربية والكيان الصهيوني، وتنقلت من مدريد إلى واشنطن، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وتحت شعار "الأرض مقابل السلام".‏

رؤية صهيونية مختلفة للمفاوضات:‏

وإذا كانت المفاوضات على المحورين السوري واللبناني لم تخلص إلى نتيجة عملية بسبب رفض الصهاينة العودة إلى خطوط الرابع من حزيران، ومحاولتهم فرض شروط تمس بالسيادة السورية واللبنانية، وهو ما رفضه هذان الطرفان بحزم، فإن النتاج الرئيسي لما يسمى "بعملية السلام" التي انطلقت في مؤتمر مدريد، كان اتفاق أوسلو الذي عقد في 13/أيلول/1993 بين القيادة الفلسطينية والصهاينة، واتفاق وادي عربة مع الأردن والذي عقد في 22/ تشرين الثاني/ 1994.‏

وإذا تجاوزنا اتفاق وادي عربة الذي لا يتضمن سوى إعادة مساحات ضئيلة لا تتجاوز مئات الأمتار من الأراضي في الباقورة ووادي عربة، مقابل الاعتراف والتطبيع والعلاقات الكاملة مع الكيان الصهيوني، في النظر إلى الموقف الصهيوني من التسوية، فإن اتفاق أوسلو الذي شكل اختراقاً صهيونياً خطيراً على صعيد الصراع العربي الصهيوني، هو الذي يشكل المحور الأساسي للنقاش حول هذا الموقف، بسبب اتصاله المباشر بالقضية الفلسطينية التي تشكل جوهر الصراع مع الصهاينة.‏

إن السياق الحالي للأحداث يشير إلى أن الطرف الفلسطيني الذي عقد اتفاق أوسلو كان يرى أن دخوله عبر هذا الاتفاق إلى "مشروع الحكم الذاتي" وهو مشروع صهيوني في الأساس، سيمكنه من خلال ديناميات فلسطينية داخلية واكتساب اعتراف إقليمي ودولي "لا سيما أمريكي" من التحول إلى دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، يمكن أن يقبل بها الطرف الصهيوني فيما يسمى "بمفاوضات الحل النهائي".‏

بيد أنه من الواضح أن الطرف الصهيوني كانت له رؤية مختلفة لاتفاق أوسلو تقوم على أن دور السلطة الفلسطينية يتحدد أساساً (وبغض النظر عن مسميات هذه السلطة) في الوظيفة الأمنية لصالح الكيان الصهيوني، مع الرفض القاطع لأي شكل من أشكال السيادة الحقيقية، أو السيطرة الفعلية على الأرض والمياه والأجواء والمعابر. وأن هذا الطرف الصهيوني يرفض في الحل النهائي الانسحاب العسكري والاستيطاني إلى خطوط الرابع من حزيران أو أي حديث عن عودة اللاجئين الفلسطينيين، بل يريد التنازل نهائياً عن حق اللاجئين في العودة مقابل الانسحاب الشكلي من مساحات في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى السيطرة العسكرية والاستيطانية على القدس وضم مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية في الغور ومحيط القدس ومحاذاة ما يسمى "بالخط الأخضر".‏

وقد تجلى هذا الموقف الصهيوني من عملية التسوية على المحور الفلسطيني، ليس فقط في المماطلة في استكمال تنفيذ بنود اتفاق أوسلو الخاصة بالانسحاب الصهيوني من "مناطق ب وج" حسب تحديدات هذا الاتفاق، على الرغم من الاتفاقات العديدة التي عقدت لهذا الغرض في شرم الشيخ وطابا، ووادي بلانتيشن... إلخ، بل وفي استمرار برنامج التهويد والاستيطان الصهيوني وتكثيفه ومضاعفة أعداد المستوطنين في الضفة الغربية، ثم في محادثات كامب ديفيد التي رعاها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون، والتي برزت فيها الشروط والمطالب الصهيونية الخاصة باللاجئين والقدس والمستوطنات ومحتوى السيادة بشكل واضح لا لبس فيه، لم تستطع القيادة الفلسطينية الموافقة عليه.‏

وحين وجد الصهاينة أن القيادة الفلسطينية لم تستطع الإذعان للإملاءات والشروط الصهيونية، والضغوط الأمريكية، وانفجرت انتفاضة الأقصى الباسلة، ولم تستجب هذه القيادة لكل ما يطلب منها في المجال الأمني، على الرغم من إعلانها "وقف إطلاق النار" وقيامها باعتقال العديد من كوادر الانتفاضة، شن الصهاينة هذه الحرب الوحشية لإعادة احتلال المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مستخدمين كل ما في ترسانتهم الهائلة من أسلحة الفتك والدمار، التي لا تدمر البشر والحجر وحسب، بل وتكاد أن تجرف في طريقها كل "عملية التسوية" التي بذلت القوى الدولية والإقليمية جهوداً هائلة لتحقيقها منذ أكثر من ثلاثة عقود.‏

الأيديولوجية الصهيونية ضد التسوية:‏

وهذا الموقف ليس موقف شارون واليمين الصهيوني وحسب، كما يروج البعض على نطاق واسع، بل هو موقف الأغلبية الساحقة من الصهاينة، الذين انتخبوا شارون، والذين يؤيدون هذه الحرب الوحشية التي قررتها الحكومة الصهيونية بكامل أعضائها من يمين ويسار.‏

ومن هنا يبدو واضحاً أن الرؤية الصهيونية لعملية التسوية لا تقوم على أي قدر من التوازن أو "استواء" المصالح (بالمعنى البراغماتي وليس الحقوقي)، بل على الفرض والإخضاع وتسليم الطرف العربي والفلسطيني بالشروط والمطالب الصهيونية. وهي لا تعدو عملية "ركوب" لحركة التسوية، من أجل الاستمرار في تنفيذ المشروع الصهيوني، والاستمرار في التوسع والضم والتهويد والاستيطان، وإحكام السيطرة الاستعمارية الصهيونية والأمريكية على المنطقة العربية.‏

وهذه الرؤية وهذا الموقف الصهيوني الذي يقلب مفهوم الكلمات والمصطلحات اللغوية إلى عكس مدلولاتها الأصلية يؤكد أن الإيديولوجيا الصهيونية ما تزال المحدد الرئيسي للسياسات التي يتبعها الكيان الصهيوني في مختلف المجالات. وأن هذه الأيديولوجيا المرتكزة إلى مقولات "شعب الله المختار"، و"حق شعب إسرائيل في أرض إسرائيل" وأن الضفة الغربية هي "يهودا والسامرة"، وأن الصهيونية العملية هي "هجرة + استيطان" وأن "إسرائيل ترتكز على السيف"، هي نقيض للسلام ولأية تسوية تحمل ولو قدراً ضئيلاً من التوازن، وأنها السبب الأساسي في الإطاحة باتفاق أوسلو، على الرغم من بعده عن تلبية الأهداف الوطنية الفلسطينية، ليس بالمعنى الاستراتيجي وحسب بل والمرحلي أيضاً.‏

ويمكن القول أن هذه الأيديولوجيا، وهذا الفكر العدواني التوسعي، والطبيعة الاستيطانية العنصرية، كانت وراء الإطاحة بكل المحاولات التي جرت لتسوية الصراع العربي الصهيوني طوال تاريخ هذا الصراع، بغض النظر عن مدى استجابتها للحقوق والمصالح العربية. وأن ما عقده الكيان الصهيوني من اتفاقات مثل كامب ديفيد ووادي عربة، لا تعدو في نظره سوى "هدنات" مؤقتة يمكن أن يعود للإطاحة بها في أية لحظة يرى فيها أنها لم تعد توفر لها الغايات التي رمى إليها من وراء عقدها، أو اقتضت مصالحه التوسعية تمزيقها والدوس عليها، كما كان دأبه بالنسبة لكل القرارات والأعراف والمواثيق الدولية والإنسانية منذ لحظة قيامه.‏

وإذا كان الشعب العربي الفلسطيني لم يعلق في يوم من الأيام أوهاماً حول طريق المفاوضات والتسوية السلمية مع العدو الصهيوني، انطلاقاً من فهمه لطبيعة هذا العدو، وطبيعة نشأته وفكره العنصري العدواني، فإنه وكما هو واضح من تاريخ نضاله المتواصل منذ ما يقارب القرن من الزمان ضد الغزو الاستيطاني لأرضه، مصمم على الاستمرار في انتهاج خيار النضال والمقاومة بكل الأشكال الممكنة، كسبيل أساسي لتحقيق أهدافه في دحر الاحتلال وعودة اللاجئين وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة فوق أرضه، مهما كانت وحشية العدو، وقتامة اللحظة الحاضرة، فآخر الليل أشده حلكة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244