جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

صورة الإنسان في المشروع التربوي العربي المعاصر ـــ أ.د.علي أسعد وطفة ـ الكويت

يشكل الإنسان حجر الزاوية في أي تصور حضاري أو مشروع تربوي ممكن أو محتمل. فالإنسان يشكل وقود الحضارة وغايتها في آن واحد. وكل مجتمع يسعى إلى تحديد صورة الإنسان الذي يمثل رمزاً لعطاءاته الحضارية. وتتحدد صورة الإنسان وهويته في مجتمع ما تحت تأثير آلاف العوامل والمتغيرات الثقافية التي توجد في صلب الثقافة وفي أصل الحياة الاجتماعية. فمنذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يمتلك زمام الحضارة انطلق في سعيه إلى تحديد الصورة التي يمكنه أن يظهر فيها إلى الوجود فاعلاً تاريخياً، وعمل على تحديد السمات الذاتية للإنسان في دائرة المواجهة مع التغيرات والظروف والثقافة والقيم. ومنذ ذلك العهد والمجتمعات الإنسانية تعمل على بناء الإنسان الذي يتمكن من مواجهة التحديات والمتغيرات والصعوبات من أجل بناء القوة الذاتية التي تجعل هذه المجتمعات أكثر قدرة على الحضور في دائرة الحضارة الإنسانية ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها مهما بلغت هذه التحديات من قوة وتأثير.‏

ومن يستقرئ التاريخ يجد على امتداد الآفاق وترامي المساحات الحضارية أن المجتمعات القديمة والحديثة كانت تسعى إلى بناء صورة محددة للإنسان تتجاوب مع التطلعات والتحديات التي تواجه هذه المجتمعات. لقد أعطت بعض المجتمعات للجسد بقوته ورشاقته أهمية كبرى ومثال ذلك المحارب الإسبرطي القديم، بينما ركز بعض المجتمعات الأخرى على الجوانب العقلية كما هو الحال في التربية الأثينية التي عملت على بناء الإنسان الحكيم، وفي بعض المجتمعات نجد تركيزاً على الجانب الأخلاقي والقانوني كما هو الحال في التربية الكونفوشيوسية والرومانية التي عملت على بناء الإنسان الفارس "الجنتلمان"، أما في الثقافة البوذية فنجد التركيز الأكبر على الجانب الروحي لأن الروح هي الغاية والمبتدأ والخبر فعملت على بناء الإنسان المتصوف الذي يخترق حجب الكون ويعيش في رحاب حقيقية صوفية ميتافيزيائية. وهناك بعض الحضارات التي ركزت على التكامل بين الروح والجسد والعقل كما هو الحال في التربية العربية الإسلامية في عصر النبوة الأولى والإسلام في عهد الانطلاقة والعطاء.‏

فلكل حضارة في تقاسيم الزمان والمكان صورة محددة للإنسان ومثل هذه الصورة كانت وما زالت ترتسم في ضوء التحديات والتطلعات والظروف الحضارية التي تحيط بكل أمة وشعب. وغالباً ماتكون الخطوة الحضارية الأولى، التي يبدؤها مجتمع ما، في السؤال الحضاري الأول الذي يتمثل في صيغة: ما الإنسان الذي نريده؟ ما سماته وخصائصه؟ وماهي الغاية المرجوة من هذه الصورة الإنسانية؟ وما هي مبررات العمل على بنائها؟...‏

والصورة الإنسانية التي يرسمها مجتمع لنفسه يجب أن تكون في حالة تغاير مستمر وتطور دائم من غير تصلب أو جمود، لأنها في نهاية الأمر رهينة للظروف والمتغيرات التي تحيط بالإنسان. وهذا يعني أنه لا يمكن لمجتمع ما أن يحدد صورة الإنسان فيه مرة واحدة وإلى الأبد، لأن ملامح هذه الصورة تتجاوب مع متغيرات وظروف كثيرة تجانس في اهتزازاتها تموجات الرمال المتحركة. وبعبارة أخرى يجب على الصورة التي يرسمها المجتمع ويرتضيها لنفسه أن تواكب مستحدثات الأيام ودواعي التطور والتبدل في ناموس الكون. ومن هنا فإن الأمم الحيّة التي تريد أن تفرض نفسها في ميدان الحضارة غالباً ما تعمل على بناء الإنسان وفق صورة قادرة على احتواء كل الأطياف الحضارية التي تفرضها حركة التقدم الإنساني. إنها تعيد النظر يوماً بعد يوم في صورة الإنسان الغاية وتعمل على بناء تصورات جديدة نحو إنسان جديد يمتلك القدرة على بناء الحضارة والمساهمة في إرساء دعائمها.‏

إن قوة مجتمع ما وقدرته على الاستمرار والحضور بمقاييس حضارية تتمثل في قوة أفراده وفي إمكانياتهم، فالمجتمع ليس جمعاً حسابياً لطاقة أفراده بل هو تكتل ذو طبيعة هندسية تفاعلية لمختلف القوى الفردية التي يتضمنها. ففي المجتمعات القديمة، ومن أجل الشروع ببناء حضارة إنسانية، كان يكفي توفر قدر من التنظيم والولاء لعصبية ما، وتوفر بعض الظروف والحظوظ التاريخية، ثم توفر أعداد من الرجال الشجعان المؤمنين بهدف حضاري وسيادي. أما اليوم فإن بناء الحضارة يحتاج إلى تنوع غير محدود لمتغيرات وإمكانيات معرفية واقتصادية واجتماعية في مختلف مجالات الحياة وتجلياتها. ومع ذلك فإن بناء الإنسان المبدع الخلاق هو الشرط الأساسي في بناء الحضارة، واليوم كما يؤكد أهل العلم والعرفان حيث تتضاءل كل الثروات والإمكانيات إزاء إمكانيات الإنسان وقدراته الذاتية، فرأس المال المعرفي يشكل اليوم وبالمطلق مبتدأ الحضارة وخبرها.‏

وإذا كان الإنسان بصورته المرغوبة في معترك التحرك الحضاري يشكل أسّ الحضارة وغايتها، فإن عملية بناء هذا الإنسان تطرح نفسها في دائرة الأنساق التربوية في المجتمعات الإنسانية. فالتربية في نهاية الأمر هي البوتقة التي يتشكل فيها الإنسان وتتحدد سماته وخصائصه بداية ونهاية، والتربية هي الموقد الحضاري الذي يعطي المجتمع دفء الحضارة ووهج الحداثة. إنها في النهاية المؤسسة التي يمكنها أن تولد في الإنسان صورة تفيض بالقدرات والسمات المؤسسة للحضارة.‏

وتأسيساً على هذه الرؤية وانطلاقاً من هذه المقدمة يمكن أن نقول بأن يتوجب على أي نظام تربوي أن يقدم إجابة علمية عن سؤال الهوية الذي يأخذ صورة هذه العبارة: أي إنسان نريد؟ وماهو الإنسان الذي يتوجب علينا أن نعمل على بنائه وتشكيله؟ ففي السؤال الأول يقدم النظام طرحاً لإشكالية الهوية بثوابتها التاريخية. وعلى خلاف ذلك فإن السؤال الثاني يحمل في ذاته صورة إشكالية أخرى تتمثل في الصورة التي يجب الاندفاعات الحضارية التي يجب علينا أن نأخذها في استراتيجيات البناء التربوي من أجل احتواء الصدمات الحضارية التي تهب وتندفع كالأمواج الهائلة في عصر عولميّ يتفجر بالتحديات والصدمات والطفرات.‏

إن جزءاً كبيراً من إشكاليتنا التربوية تكمن في الفصل بين جوانب هذا السؤال الكبير: أي إنسان نريد؟ وهذا السؤال يدفعنا إلى تساؤل آخر وهو: أي إنسان يود النظام التربوي نريد أن يخرجه للعالم؟"(1). وفي مجال الفصل بين مضامين السؤالين يمكن التمييز إلى وجود حدين وقضيتين ومطلبين. فالسؤال الأول: أي إنسان نريد؟ يعبر عن تطلعات المجتمع والتاريخ والمدنية. أما السؤال الثاني أي إنسان يريده النظام التربوي فإنه يعبر عن تطلعات الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تسود وتهيمن في المجتمع. وبين الصورتين تقع أكثر تناقضات المجتمعات العربية حدة وفتكاً وتناحراً. وتلك حقيقة تعانيها الشعوب العربية بشكل خاص، والشعوب النامية بشكل عام. فالأنظمة الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتنا غالباً ما ترسم للإنسان صورة يكون بمقتضاها مرتكزاً لعصبيات القهر والتسلط. إنها تلك الصورة التي يكون فيها الإنسان ضد الإنسان والإنسانية، إنها صورة مفارقة لألوان التوجهات الحضارية، وغالباً ما تكون الصورة في نهاية الأمر على وجه التناقض من الصورة الحضارية المبدعة والخلاقة(2).‏

فصورة الإنسان كما تقتضيها الحضارة هي صورة الإنسان الفاعل القادر المشارك الديمقراطي العالم الناقد المفكر المؤمن بسمو القيم الإنسانية ويؤمن بمصيرية التغير والحداثة. أما صورة الإنسان التي تريدها الأنظمة السياسية الصورة التي تفرضها على أنظمتها التربوية هي صورة الإنسان المجّهل الطيّع المذعن المستسلم الذي يؤمن بقدسية سادته وسدنة مجتمعه إيماناً تذوي معه كل اعتبارات القيم التي تتصل بالديمقراطية والحضارة. وذلكم هو التناقض العظيم الذي ينهش جسد الأمة ويدمي قلبها إنه التناقض الحضاري الكبير الذي يرمز لكل أشكال التناقض الأخرى في مجتمعاتنا. فأنظمتنا التربوية تسير على هَدْيّ أنظمة تضع الإنسان في خدمة مصالحها الأنانية الضيقة بينما يفترض بالتربية في هذه المجتمعات أن تسير على هدي صورة إنسانية مفعمة بكل القدرات التي تتفجر عطاء وحضارة.‏

وفي هذه القضية يكمن السؤال المرعب وهو ماهي صورة الإنسان التي يريدها النظام العالمي لمجتمعاتنا؟ هل هو الإنسان المبدع الخلاق؟ أم الإنسان ذو البعد الواحد بطابعه الاستهلاكي؟ أم هل هو الإنسان المشوه المغترب الذي يذوب ويذوي في ومضات السوق وفي متاهات الاستهلاك؟‏

نحن أمام صور متعددة للإنسان في فضاء العولمة:‏

ـ صورة الإنسان الفاعل، وهي صورة الإنسان كما يجب أن يكون فاعلاً قادراً على مواجهة التحديات، وهو الإنسان الذي يكون ذات الحضارة وغايتها.‏

ـ صورة الإنسان المنفعل، وهو الإنسان ذو البعد الواحد كما يصفه ماركوز وهو الإنسان الذي غالباً ما يكون وقوداً للحضارة وموضوعاً لها.‏

وهاتان الصورتان تطابقان نوعين من المجتمعات، هما: المجتمعات المغلوبة على أمرها المهزومة حضارياً التي تطابق صورة الإنسان المنفعل؛ والمجتمعات الغالبة التي تهيمن وتسود وهي تطابق صورة الإنسان المبدع الفاعل ذات الحضارة وغايتها.‏

ويمكن أن نجد صورة الإنسان المنفعل حضارياً في توصيف إدريس هاني حيث يبلغ التصعيد ذروته في هجاء العولمة عندما يرسم لنا إطاراً عاماً للشخصية العولمة النموذجية (المنفعلة كما نعتقد نحن) كما يراها هو وهذه هي أبرز سماتها:‏

أولاً ـ شخص يرتدي آخر ما جاءت به عروض الأزياء التي يلتزم حضورها كطقس لتغذية الذوق الرفيع.‏

ثانياً ـ يتناول أغلب وجباته في مطاعم "الماكدونالد" ويستقي معلوماته من CNN.‏

ثالثاً ـ يتابع قراءته في نيويورك تايمز... الخ.‏

رابعاً ـ يفضل النزول في شيراتون أو هيلتون...‏

خامساً ـ يتكلم اللغة الإنكليزية بمهارة.‏

سادساً ـ يقف من إسرائيل المتفوقة موقفاً معقولاً (الشخصية المعولمة لا التزام لها ثقافياً أو أيديولوجياً أو قومياً أو دينياً). وهذا يعني في نهاية المطاف أن إنسان العولمة المنفعل إنسان متصهين، وأن العولمة بحد ذاتها مؤامرة أمريكية صهيونية تستهدف العرب والعالم لأمركته وصهينته(3).‏

أما صورة الإنسان الفاعل حضارياً فهي تلك التي نجدها في توصيفات ألفين توفلر في كتابه صدمة المستقبل. فإنسان توفلر هذا يمتلك قدرة فائقة على بناء المعرفة ومعالجة المعلومات والوصل إليها في الوقت المناسب. ومن سماته نسجل مايلي:‏

ـ يتميز بقدرة كبيرة على تمثل معطيات التكنولوجيا الحديثة ومواكبة تطورها وتقادمها.‏

ـ إنسان متفرد بخصوصياته وبعيد عن الروح النمطية.‏

ـ قادر على ممارسة النقد والتفكير النقدي.‏

ـ مشبع بإمكانيات التعلم الذاتي ومهارته.‏

ـ يتميز بروح الإبداع والابتكار والتجديد.‏

ـ يمتلك في شخصيته أبعاد إيمان كبير بالديمقراطية والتسامح واحترام الآخرين.‏

ـ يمتلك فلسفة شمولية متكاملة حول ماهية الوجود وغايته وطبيعة الأشياء.‏

ـ يؤمن بلا حدود بالقيمة المطلقة للحرية الشخصية وحرية التفكير.‏

ويمكننا أن نرسم أهم السمات الأساسية التي يلحّ المفكرون على أهميتها في إنسان المستقبل وهي:‏

ـ إنسان مؤهل ومهيأ لمواجهة المستقبل، يمتلك مختلف المهارات والقدرات التي تجعله في موقع السيطرة على احتمالات التغير والتبدل السريع في عصر لا يعرف إلا منطق التغير.‏

ـ إنسان يمتلك القدرة على مواجهة التحديات التي تفرضها المفاجآت التي يفجرها منطق المجهول في عالم لا يكف عن المفاجآت النوعية.‏

ـ إنسان بمواصفات عالمية يمتلك القدرة على التكيف والعمل والعيش في غير ما مكان من هذا العالم المتغير. وهذا يعني أن إنسان الذي تتوفر فيه تعددية في المواهب والقدرات والكفاءات. وهذا بدوره يمنحه القدرة على التفاعل والتكامل مع أبناء الإنسانية في أي زمان ومكان.‏

ـ إنسان يمتلك العقل النقدي القادر على المسائلة والمواجهة والمجابهة. الإنسان الذي يمتلك عقلاً منهجياً مزوداً بمختلف إمكانيات التحليل النقدي وبمختلف مهارات التحليل والنقد والتفكيك. باختصار الإنسان الذي يستطيع أن يضع المشكلات أمام العقل وأن يحللها في بوتقة التحليل المنهجي في مختلف الجوانب وفيه أجواء تحسب فيها معدلات التغير الدائم في طبيعة الظاهرة والأشياء.‏

ـ إنسان يمتلك جماع المواصفات السيكولوجية الضرورية في عصر تصدم فيها المتغيرات والتحولات الأسطورية. وتأسيساً على هذه الضرورة يجب أن يتمتع بالثقة والجدارة والاستحقاق والقدرة على التحمل والإزاحة والإسقاط والاحتمال.‏

ـ إنسان ديمقراطي يؤمن بحقوق الإنسان وبالقيم الديمقراطية وحرية التعبير والقول، ويعلي من شأن الآخر قبولاً على مبدأ الاختلاف(4).‏

لقد بينت التجارب والأدبيات التربوية مظاهر ثابتة تتعلق بوصف الفاعلين والمبدعين في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والسياسية في عالم متغير متفجر ولاسيما في عصر العولمة. ومن السمات الثابتة للأشخاص الفاعلين في هذا المستوى يمكن أن نأتي على ذكر السمات التالية وهي السمات التي يتميز بها رجال الأعمال والاقتصاد:‏

1 ـ يمتلكون معرفة مدرسية جيدة ولاسيما المراحل في مستوى المراحل المدرسية السياسية.‏

2 ـ تأهيل مهني أساسي جيد يمكنهم من الصمود أمام التحولات الكبيرة التي يشهدها العصر.‏

3 ـ الميل إلى تطوير الذات والشخصية نحو الصورة الأفضل دائماً.‏

4 ـ امتلاك كفاءة التفكير المميز.‏

5 ـ يملكون عادة حل المشكلات واتخاذ القرارات.‏

6 ـ يمتلكون عادة العمل في إطار اجتماعي.‏

ومن هذا المنطلق يمكن لنا العمل على بناء ا لاستراتيجية التربوية وفقاً لهذه الصورة الإنسانية التي يتمتع بها رجال الأعمال ورجال العلم والمبدعين والمفكرين وهذا يقتضي مايلي: 1-تنمية الروح النقدية، 2-تنمية إمكانيات التجريب عند الناشئة.3-تعزيز التربية النقدية الجمالية.4-بناء روح المبادرة والفعالية.5-تعزيز القوة الأخلاقية.6-تعزيز النزعة الاجتماعية. 7-تنمية روح الثقة.8-تنمية الإحساس بالمسؤولية.9-بناء الأخلاق الإيجابية.‏

يصف توفلر مستقبل الحياة المستقبلية القادمة أي مرحلة مابعد التصنيع بأن الإنسان سينصرف إلى معالجة الأفكار ويتزايد بالتالي أداء الماكينات للمهام الروتينية... إن تكنولوجيا الغد لا تحتاج إلى ملايين الرجال السطيحي التعليم المستعدين للعمل المتساوق في أعمال لا نهائية التكرار، ولا تتطلب رجالاً يتلقون الأوامر دون طرفة عين، مقدرين أن ثمن الخبز هو الخضوع الآلي للسلطة. ولكن تتطلب رجالاً قادرين على إصدار أحكام حاسمة يستطيعون أن يشقوا طريقهم وسط البيئات الجديدة، ويستطيعون أن يحددوا موقع العلاقات الجديدة في الواقع السريع التغير، إنها تتطلب رجالاً من ذلك النوع الذي وصفه س.ب.سنو بأنهم يحملون المستقبل في عظامهم(5). إن الهدف الأول للتعليم ينبغي أن يكون رفع قدرة التكيف لدى الفرد أي تحقيق السرعة والاقتصاد في القوى التي يستطيع بها أن يتكيف مع التغير المستمر(6).‏

يقول عالم الاجتماع لويد دارنو في هذا الصدد: "إن أهم مكونات شخصية أصحاب ومديري الشركات الكبرى هو تحلل ارتباطهم العاطفي بأصولهم العائلية، لقد خلقوا أنفسهم من شباك الماضي وأصبحوا أكثر قدرة على الانتماء إلى الحاضر والمستقبل، إنهم أناس قد تركوا بيوتهم لفظاً ومعنى.... إنهم قادرون على الارتباط بالآخرين بسهولة والانكفاء عليهم بنفس السهولة(7). ومع أن هذه الصورة تتضمن صورة اغترابية محزنة للإنسان إلا أنه يمكن لنا أن ننظر في جوانبها التي تؤكد الفاعلية الإنسانية بأبعادها المستقبلية.‏

إن أي مشروع نهضوي يتضمن في أعماقه مشروعاً تربوياً، ولا يمكن لأي نظام تربوي أن ينطلق دون أن يحدد غايته الإنسانية التي تتمثل في صورة الإنسان الذي يجب على التربية أن تقوم بإعداده. وهذا يعني أنه وفي عصر العولمة يجب على التربية العربية أن تقدم تصوراً واضحاً لصورة الإنسان الذي يجب أن تعمل على تكوينه. وهذه الصورة غالباً ما تكون منظومة من السمات والخصائص التي يمكنها أن تجعل من الإنسان قادراً على التجاوب الفعال مع مقتضيات المرحلة والعصر. وهذا يعني أن لكل مجتمع في كل مرحلة تاريخية صورة الإنسان الغاية. وهنا لابد لنا من طرح التساؤل الحضاري في المستوى التربوي وهو: ما صورة الإنسان الذي يجب على التربية العربية أن تعمل على بنائها في عصر العولمة وفي عصر التحديات الكبرى؟ لأنه لا يمكن لأي نظام تربوي كما يقول (علي) ماضي أن تضع أسساً سليمة واضحة لبنية العملية التربوية إلا إذا أجاب هذا النظام عن سؤال أساسي: أي إنسان نريد؟ وأي إنسان يود النظام التربوي أن يخرجه للعالم(8)؟‏

وهنا تأتي الخطوة الأساسية والهامة وهي في أن نحدد ما يترتب على التربية أن تقوم به في عصر متفجر متغير، أن نحدد ما صورة الإنسان التي يشكلها النظام التربوي القائم؟ ما الإنسان الذي نريده؟ ما المجتمع الذي نريده؟ هل نريد إنساناً لدنياه؟ أم إنساناً لآخرته؟ إنساناً للحاضر أم للمستقبل؟ إنسان التكنولوجيا أم إنسان التأمل؟ الإنسان المنتج أم الإنسان المستهلك؟ هل نريد إنساناً للدين والدنيا في آن واحد؟ وما الطريق الذي يجعلنا قادرين على اللحاق بالأمم المتقدمة؟‏

فالإنسان المبدع صاحب الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار ومواجهة التحديات القادرة على تبديد الغموض وابتكار إمكانيات متجددة لعالم مفتوح على احتمالات لا حدود لها الإنسان الذي يمتلك شروط الرؤية المستقبلية هو الإنسان الذي ينبغي إعداده لمواجهة تحديات العولمة والحداثة وما بعدهما. إن الإنسان كما يرى مصري عبد الحميد حنورة: "هو الثروة الأساسية والقوة الجوهرية للمواجهة إنه الإنسان الفرد المتفرد المسلح بالوعي الإيجابي ولكي نطور هذا الإنسان فليس ثمة من اختيار إلا المضي في طريق تنشئته تنشئة إبداعية لثلاثة أسباب على الأقل وهي:‏

1 ـ أن يتحصن بطاقة إبداعية نقدية تحميه من الذوبان.‏

2 ـ أن يخلق واقعاً إبداعياً منافساً.‏

3 ـ وأن يكون قادراً على المواجهة إذا لزم الأمر".(9)‏

ففي إحدى الدراسات التي أ جريناها حول صورة الإنسان الذي يجب على التربية العربية أن تعمل على بنائه في عصر العولمة، تضمنت الدراسة سؤالاً مفتوحاً وجهناه إلى عينة بلغت 370 من أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة الكويت ومؤسساتها العلمية. والسؤال هو: ماهي الخصائص والسمات التي يجب على التربية العربية أن تؤكدها وتعززها في بناء الإنسان في عصر العولمة والحداثة؟‏

وفي معرض استجابة أساتذة الجامعة لهذا السؤال المفتوح فإنهم يؤكدون على منظومة من السمات والخصائص التي يجب أن توفرها التربية العربية في الإنسان لمواجهة التحديات المستقبلية للعولمة. وفي الجدول التالي نستعرض إجابات السادة أفراد العينة حول هذه القضية.‏

صورة الإنسان العربي التي يجب أن يكون عليها في عصر العولمة آراء عينة من أساتذة جامعة الكويت.‏

الرقم ـ خصائص الصورة المعلنة ـ تكرارات ـ %.‏

1 ـ الإنسان المؤمن بالإسلام والعقيدة الإسلامية ـ 150 ـ 26.74%.‏

2 ـ الإنسان الذي يمتلك الروح النقدية ـ 55 ـ 9.80%.‏

3 ـ الإنسان المتسامح ـ 51ـ 9.09%..‏

4 ـ الإنسان الذي يتميز بالإبداع والابتكار ـ47ـ 8.38%.‏

5 ـ إنسان يمتلك روحاً علمية ومؤمن بالعلم ـ 47 ـ 8.38%.‏

6 ـ الإنسان القادر على التكيف ومواكبة العصر ـ 46 ـ 8.20%.‏

7 ـ قادر على اتخاذ القرار والمسؤولية والمبادرة ـ 43 ـ 7.66%..‏

8 ـ الإنسان المتعلم المثقف الواعي ـ 40 ـ 7.13%.‏

9 ـ يمتلك القدرة على استخدام التكنولوجيا وتوظيفها ـ 38ـ6.77%.‏

10 ـ الإنسان المؤمن بعروبته وقوميته العربية ـ 27ـ4.81%.‏

11 ـ متكامل روحاً وجسداً وعقلاً ـ 17 ـ 3.03%.‏

المجموع ـ 561 ـ 100%..‏

ويتضح من الجدول السابق أن أساتذة الجامعة يؤكدون على عدد من السمات والملامح الأساسية لصورة الإنسان في عصر العولمة وهي في نسق أولوياتها وعلى التوالي تؤكد على بناء الإنسان العربي المؤمن بدينه، الإنسان الناقد، المتسامح، المبدع، المؤمن بالعلم، القادر على التكيف ومواكبة روح العصر، الذي يمتلك على اتخاذ القرار، الإنسان المتكامل عقلاً وروحاً وجسداً. ويبدو لنا أن السادة أعضاء الهيئة التدريسية قد قدموا خلاصة موضوعية لصورة الإنسان العربي تربوياً في عصر العولمة.‏

وتأسيساً على رؤية السادة أعضاء الهيئة التدريسية أفراد العينة يمكن التأكيد على النقاط التالية في عملية بناء الإنسان وتحديد صورته. فالإنسان الذي نريده في النهاية القادر على التجاوب بحرية ومسؤولية مع هذه المرحلة مع المستقبل والعولمة وما بعدها هو الإنسان الذي يمتلك السمات التالية:‏

ـ مؤمن بالإسلام ورسالته الحضارية إيماناً راسخاً (الإنسان المؤمن بدينه).‏

ـ يمتلك قدرة فائقة على بناء المعرفة ومعالجة المعلومات والوصول إليها في الوقت المناسب.(عالم).‏

ـ يتميز بقدرة كبيرة على تمثل معطيات التكنولوجيا الحديثة ومواكبة تطورها.(تكنولوجي).‏

ـ إنسان متفرد بخصوصياته وبعيد عن الروح النمطية.(فردي).‏

ـ قادر على ممارسة النقد والتفكير النقدي.(نقدي).‏

ـ مشبع بإمكانيات التعليم الذاتي ومهارته.. (ذاتي التعليم).‏

ـ يتميز بروح الإبداع والابتكار والتجديد.(مبدع).‏

ـ يمتلك في شخصيته أبعاد إيمان كبير بالديمقراطية والتسامح واحترام الآخرين.(ديمقراطي).‏

ـ يمتلك فلسفة شمولية متكاملة حول ماهية الوجود وغايته وطبيعة الأشياء.(فيلسوف).‏

ـ يؤمن بلا حدود بالقيمة المطلقة للحرية الشخصية وحرية التفكير(10). (حر).‏

هذه هي بعض السمات الأساسية لإنسان المستقبل وهذه بالتالي هي السمات التي يجب أن ننطلق لنؤكدها فيه. وفي الخلاصة إذا كنا نريد أن نلحق بركب الحضارة يجب أن يركز التعليم على بناء الإنسان العالم المفكر القادر على إنتاج التكنولوجيا المتقدمة بالدرجة الأولى. فإنتاج التكنولوجيا والمعرفة هما اليوم معيار قدرة شعب ما في التواصل مع الحضارة والحضور فيها. تلك هي صورة الإنسان التي تسعى المجتمعات الإنسانية المتقدمة إلى بنائها وتشكيلها في قلب الأنظمة التربوية المعاصرة. ومع أهمية التأكيد على أهمية المعرفة والمعرفة العلمية تكون هذه الصورة الإنسانية متقاربة مع هذه الصورة التي كان أفلاطون ينحتها في فلسفته التربوية، منذ ألفين وأربعمائة سنة تقريباً، إذ كان يريد بناء جمهورية يحكمها الفلاسفة والعلماء والمفكرين وجمهورية لا يكون فيه المكان الرفيع للقاصرين والضعفاء.‏

(1) ـ علي ماضي، فلسفة في التربية والحرية، دار المسيرة، بيروت، 1979، ص: 150.‏

(2) ـ انظر: علي ماضي، فلسفة في التربية والحرية، دار المسيرة، بيروت، 1979، ص : 150.‏

(3) ـ تركي علي الربيعو، من بيان ضد العولمة إلى بيان من أجل فهم العولمة، ا لكلمة، العدد 28، السنة 7، صيف 2000، ص ص 129 ـ 135، ص 132.‏

(4)ـ انظر: مجدي عزيز إبراهيم، المنهج التربوي العالمي، أسس تصميم منهج تربوي في ضوء التنوع الثقافي، مكتبة الأنجلو مصرية القاهرة 2001. ص 192.‏

(5)ـ آلفين توفلر، صدمة المستقبل أو المتغيرات في عالم الغد، ترجمة: محمد علي ناصيف، نهضة مصر، القاهرة 1990، ص 423.‏

(6)ـ آلفين توفلر، صدمة المستقبل أو المتغيرات في عالم الغد، المرجع السابق، ص 424.‏

(7)ـ هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية، دار الطليعة، بيروت، (1990)، (ص120).‏

(8)ـ علي ماضي، فلسفة في التربية والحرية، دار المسيرة، بيروت، 1979، ص: 150.‏

(9)ـ مصري عبد الحميد حنورة، الإبداع في عصر العولمة، التقدم العلمي، عدد 28، أكتوبر/ ديسمبر، 1999، ص ص 56 ـ 61، ص 59.‏

(10)ـ علي عبد الله المناعي، من يعلق الجرس؟ التربية التي نريد تربية مستقبلية، قطر، الدوحة، 1996.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244