جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قوة السؤال في اللوحة التشكيلية المعاصرة ـــ عبد النور الهنداوي

لا جديد في الفن..‏

إن الحياة عندما تكون عملية، فإن الحاضر فيها يخدم المستقبل، وبالتالي يتطلع المرء، إلى الأمام، ليحيا، كل يوم فيها، وفي ذهنه ما قد يسفر عنه ذلك اليوم فيما بعد، في السعي المتواصل وراء ما ينتظر حدوثه.‏

وإذا كانت اللوحة الفنية في هذه الأيام، هي التعبير الحاد عن تفسير العماء الذي يخالط الذهن، نتيجة انهماك الإنسان، في أشياء قد تبدو سطحية، ومغفلة.. فإن هذا الوهن إنما يخترق الأدوات الخاصة في الفناء أولاً، وفي عمله الفني، ثانياً. ثمة موقف إشرافي، يصخب في جوانب الفنان، وفقاً لرؤية مختزنة، بعيدة عن الواقع المرئي، مؤطرة في مواقف نظرية، تتبلور في مواجهة الفنان نفسه أمام لوحته الموجودة، على –حامل الرسم- فالقدرة على المحاكاة، يعني الاهتمام الأكيد، الحريص للنتائج البعيدة المدى.. وهذا ما يؤكد الخوف من المستقبل الساحق؟ إن تأكيد الفنان على الاستشهاد بالإيضاحات التي يخلقها في بلورة العمل.. يجعل المتلقي، دائماً –برؤية غافية منه، لئلا ينكشف السرّ الخلاّق الذي تبناه في إخراج عمله.‏

ولأننا اليوم، نحتاج كثيراً إلى ضبط الأعصاب من أجل هذا النوع من التساؤل، فذلك، لأننا نحجب الرؤيا الأخلاقية، تجاه عشرات الأسئلة، بل إلى ما لا نهاية من الأسئلة، التي قد تغيض الفنان في تقويمه للموضوع الفني وشروعه في خلق أفكار مستقبلية، تشغله إلى ما ينبغي إليه، في المستقبل.‏

إذاً.. التفكير في نقد العمل الفني من قبل المشاهد بهذه السرعة، يجعل نسبة الحكم، قابلة للإعدام، وبالتالي، فإن الحكم جمالياً على العمل، إنما يريد أن يعرف بأنه سلطة نقدية، يتكلم فيها هذا الفنان ولهذا المعيار الفني البحت؟ عندها تسقط أكثر الآراء الفنيّة، في صميم الجدل، أو ذاتية العمل الفنيّ إن كان نقاشاً موضوعياً واعياً أو رؤية حقيقية، لماهية العمل الإبداعي، شكلاً ومضموناً؛ وهذا ما يؤكد نضوج اللوحة التشكيلية، نضوجاً جنينياً، أي بتكوين مسبق –إلى أن يصل إلى المعنى الحرفيّ بما يتضمن هذا العمل (بالطريقة التشكيلية)، ثمة تساؤل آخر، حول بنية الذوق الفني لدى المتلقي؟ وهل هذا المتلقي ممن دفع ثمن الرؤية الأولى لنقاشه، والاعتقاد أن هذا العمل، هو السلطة –الذهنية- الذي يمارس فيه الفنان، فكرته الأولى بهذا، حتماً سيسقط النقاش في جدلية البدء والتمييز؟ البدء في فهمه السليم للعمل التشكيلي، بين النقائض، التي يعيشها العمل مع المتلقي، والتمييز الحرّ إذ لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال، أن يستطيع الفنان، جلب المتعة الفنية، والفكرية لأي شخص كان، مهما كانت درجة الوعي البصري، والذهني لدى –الاثنين- الفنان والملتقي، بهذا السياق، هناك أشياء تتمحور في ذهن كل منهما، وتلتقي فكرة المتلقي مع المصالحة الضمنية والغفران النسبيّ، لنظرية فنية خاصة به، والحكم على بديل حقيقي لما رآه، هنا أستطيع الحكم على العمل الفني، وبقراءة سريعة واعية، إلى التعايش مع العمل بالزمن الآتي، أي باللحظة المركبة مسبقاً لديه. هنا تتمفصل الآراء التي نتجت، لتصل إلى تقاطع منطقي سببه رؤية خاصة بهذا العمل، للخروج بنتيجة مرضية، حتى لو كانت خاطئة وغير صافية، أو بشكل أدقّ، غير مقنعة، لأن الاستجابة في الحب لهذا العمل، قد يخلق حالة من الصراع الأولي، بين الجمال الذي يختزنه المتلقي، وبين الجمال الذي يشاهد في اللوحة، هذا إذا كنّا فعلاً (نستطيع الترجمة، الحرفية لطعم التفاحة).‏

من هنا أيضاً يبدأ الطرح الوجودي لردم الهوة الخيالية المطبوعة في ذاكرة التاريخ، بأن الفن، هو التدمير الأمثل للزمن، أما بالنسبة للتفوق الفكري على اللوحة فإن السؤال قد يبدو بسيطاً، نسبياً، ممّا يجعل التخبط في نقد العمل التشكيليّ المعاصر، سهلاً، وبلا مكان وبإمكان الحديث عنه من كل شخص.‏

-الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا، هذه صراحة سوريالية واضحة، لكنها ممكنة لتحليل الخطأ؟ من الملاحظ هنا، أن المعركة بين الفنان، ولوحته هي معركة تفسيرية، لأنه من غير الممكن أن يحدث هذا، بأن يموت أحدهما (اللوحة –أو-الفنان) مما يشير القسوة في تبيين الفكرة، من حيث البنى الأخلاقية أو من حيث الموضوع، سيما وأن هذه المعارك، هي أساسية في تكوين الأسباب المؤدية إلى الغضب وهكذا، فإن ما نحدده، في تأطير القراءة الأولى للعمل، قد خلق حالة التواصل الأولى، والجدلية اللامتناهية لماهية الخلق، عندئذ نكون جديرين بالاستمرار في الرسم والتفكير.‏

لذلك. وعندما نكون على أهبة الاستعداد في فرز الأماكن التي قد تحتضن العمل الفني (وتسييجه) فإنه ينتهي الإشكال، حول هذه الجدلية، وتحتل المعاصرة المادية، مكان المخيلة، ونسكّر الأبواب على مجموعة أساسات بطريقة غير شرعية، هذا العالم الذي نعيشه، ليس تجريداً أولياً للأشياء، إنما هناك الروافد الصعبة التي يتكون منها هذا العالم، قد تختلف قليلاً مع الفنان الذي كرّس تبريرات غير جيدة لعمل جيد، فمن خلال التجربة الحسيّة أولاً، والإنتاجية ثانياً؟ فإن هناك تقديرات خاصة في نجاح أو فشل العمل، الفني.‏

فهنري مور يقول: التبرير لعمل سيء هناك بعض الأعمال الجيدة لا تريد التبرير، وهنا تكون العقدة الاجتماعية قد برزت بكل مقوماتها، فتظهر الديكتاتورية المتطرفة لشرخ الإحساس، وتغليف المعاناة بشيء من السخرية، تؤدي بذلك إلى موت المستقبل الذي ننظر إليه. ثمة فكرة أخرى برزت في الآونة الأخيرة لدى ماهية العمل الفني التشكيلي المعاصر، وهي أين الفعل الحقيقي في اللوحة؟ وهل هناك استطرادات أخرى تدخّلت في تكوين اللوحة؟ هل يجب أن نلتقي مع اللوحة، أم نجعلها معلقة في المراسم؟ هل لدينا ما يبرر قتل الذوق؟ أم أننا نجعل من أعمالنا مناجم (لدفن الأفكار؟) كثيرة هي التساؤلات حول ما ستتخذه للمستقبل.‏

لتفادي هذه التفاصيل الأولى للحالة الاستقرائية واستشراف اللحظات المكونة للأفق. إنّ القراءات التشكيلية المعاصرة، هي نفس القراءات الأولى التي سمعناها أو (رأيناها) في تكوين الطبيعة، وقد أكون صادقاً في هذا التأويل لأنني وحسبما يقول فرنسيس بيكون: عليّ أن أكون مرتبطاً باللامرئي.. لأني سأنظم الجمال الذي أراه هناك جامداً، وهذا ما يدل على أننا، لسنا على قدر كاف من التأويل الحقيقي، للأبعاد الجمالية الصحيحة، التي فيها كل المقومات الأساسية المثلى للعنصر الجمالي؟ علينا إذاً أن نكون بمعزل عن الحساسية التي تشوه الذوق وتستفرد بالمعايير. لتخريب المستقبل..‏

إنه الإحكام الصعب، لأن اللوحة التشكيلية الآن، تمرّ بمرحلة حاسمة، مما يجعلها، إلى حد مرعبة، قد لا أكون معنياً في تفسير هذا الكلام؟ سيما وأن هذا الرعب، قد انسحب على كل الأجناس الإبداعية، وخلق حالة من التوجس والوقوف برهة غير قصيرة، في امتلاك ما يراه أو يقرأه، إذ ليس من الممكن أن تستخدم ما نعرفه كلياً في نقد العمل.. لوحة فنية أم قصيدة، لأن هذا الاستخدام قد يرتكز على تجربة واحدة في الأعمال وقد تكون القراءة التشكيلية في حالة أولية تعتقد أنه لا يوجد أمامك أي شيء، لأنك قد تحدد مفهوم الانفصام الأخلاقي، الذي قد تتبناه فوراً، وهذا لا يستند، إلى دقة حقيقية في إعادتك إلى الحالة الأولى التي رسمتَ لنفسك فيها موقفاً واضحاً من رأيك التاريخي، الذي تعلمُه أنت بأنه موقف صدامي لا أكثر..‏

إن لوحة –الكرسي الأصفر- لفان كوخ- إنما هي الفراغ اللانهائي للفنان نفسه، وهذا ما يجعلنا أن نقول: إن القلق أهم ما تحتفظ فيه الذات الفنية، وما هذا الفراغ، سوى الكون، أما (أنا) أي الذات (الفنية، إنما هي الحالة الفضلى لامتلاء هذا الفراغ، قد يكون فان كوخ، قد أرّخ لحظة التصادم بينه وبين الواقع، لكن هل استطاع أن يفلت منه؟ أي هل، كان فان كوخ نفسه، هو الوحيد الذي يعرف كنه الفراغ، فإذا كان الرد على هذين السؤالين. قد وجد نظرية اللاموضوعية، واستفاد كثيراً وبسرعة خارقة، من حالة التوحد مع لوحته الفنية، أي مع ذاته، ولم يستطع القدرة على تمييز، بين البرتقالة والقطار؟ إلى هنا، قد ينتهي الإشكال بين الفنان، واللوحة، والمشاهد، إلاَّ أن ثمة أناس بلا ثقافة فنية أو فكرية ما؟. فكيف لنا التعامل معهم؟ وكيف هم على هذا القدر، من التحكم بآرائهم.. إننا نتعامل مع معطيات عصرية مختلفة تماماً عن المعطيات السلفية، (أقصد النقد الفني المسطح، إذ كيف نقول لهم أن هذا العمل هو عمل فني له رؤيته الفنية وله كذا.. وكذا.. وكذا).‏

قد نتحاور قليلاً للخروج من هذه الشائكة، أو بالأحرى، من هذه الدوامة، لأن التعليل، ليس سبباً كافياً في اختزان ما قد نتحاور من أجله.. بيكاسو يقول: إنني أستطيع تحويل أي شيء إلى حصان. هل هذا صحيح؟ قد أميل إلى الاقتناع بهذا النمط، لكن من هو الذي يضمن إلغاء الواقعية من الذهن. هنا تكمن قوة الجذب والنبذ لدى الجمهور، وبالتالي نستطيع أن نؤسس الحد الأدنى من هذه الشريحة المتلقية، لتظهر القوانين بين ما هو أساس الفن أو (الفني) وبين ما هو إشكالي!.‏

قد يضطر الفنان بالنهاية إلى وأد الحالة الجدلية التي تُخلق من ولادة عمله الفني، ولعل مما قد نسيت أن أذكر من خلفيات الانعكاس الشرطي، لدى المواطن فإننا نبيح مرة أخرى لنقول: من هو المسؤول عن هذا النهوض في فهم الحركة التشكيلية المعاصرة، بدءاً من شد اللوحة ووضعها على الحامل، وانتهاء بما قد يسفر عنه الموضوع المخلوق سواء على صعيد الاستسلام القاتل للفكرة، أو الخروج إلى ما قد يؤدي إلى –تذهين- أو التفكير بما سينتج؟ أو الخروج برؤية حقيقية مفادها..‏

إن الاعتقاد بأن اللوحة التشكيلية، أخذت أبعاداً فكرية، ترتكز على مقومات سابقة في الذهن؟ وإن شيوع الاعتقاد بأن اللوحة الفنية، هي مجرد –شاسيه- وقماش وإطار ومن ثمة توقيع –اللوحة- معلناً بذلك الخلاص الأولي في الحال، مع أن الحداثة الآن قد دخلت في مرحلة الصراع الكلي بين الاعتبار الأمني، الذي يعيشه الفنان، وبين التحولات الإيديولوجية، التي قد تُسقط الأشياء كلها، من يد الفنان وهو يمسك بريشته، ليضع لمسة قد تحقق النضالية الأولى لتجربته المعاشة، إن السقوط في الإشكالية، قد يكون سهلاً وفظيعاً بآن، المشكلة ليست في وضع الأهداف المسبقة في الذاكرة، وإنما في مرموزية الأحداث التي شكلّت هذه القضية حين خرج العمل واستمدّ وحدته التشكيلية لبيان الواقع. الفنان، إذاً –لا- ولن يستطيع قراءة عمله دون الرجوع إلى المكونات المفتوحة في تكوينه البنيوي، للدلالة الأولى، والمرحلة الأولى، والضربة الأولى، واللوحة الأولى.‏

هكذا وبوضوح جليّ، قد نغفر للفنان تبلّده من ناحية، وقد ينتج له منافسة مع لوحته ومزاجيته من ناحية ثانية. أمّا ما يحدث بعدئذ، فسيكون هناك بعض المصطلحات التي قد تدغدغ أصابعه، في انكساره أمام لوحته وتجديد –الحيوية- الذاتية، التاريخية، أمام موضوعه المعلن، ودون تحديد هوية العمل والصعود به إلى حدود المسؤولية، إن لوحة الفنان حين تكتمل، قد لا تدافع عن نفسها، بل قد نضع حدوداً قوية لفشله وإحباطه، لعدم قدرته على الرد على تلك الأسئلة التي قد تعطره بها –أي اللوحة- ومهما يكن من بدّ. فإن الفشل، هو المحصلة الوحيدة، أمام الفنان (للوحة). لقد كان هناك صلة وثيقة بالثقافة الداخلية في عمق الفنان حتى أخذ باستطراداته اللولبية، التي قد تأخذ أيضاً روح التداعي من بلورة المهمة الصعبة. للدخول في القراءة الأولى للوحة؟ لكن هناك بعض الصناعات الاستعمارية، كما يقول الفنان التي تدخلت بشكل قسري إلى إطار اللوحة. هناكَ، يكون التطوير الذي بناه لنفسه، قد شاع وانطلق في الفراغ، وبسمت قوي، ليحقق المعادلة المغلوطة، أنا أقوى من كل شيء.. حتى من الفكرة، طبعاً أنا لا أريد التخلص من أشياء قد تعطي الفنان دفعاً قوياً في فهم ما قد ينتج..‏

ولكن هناك بعض المؤثرات الطفيفة، التي قد تساعد على فكّ الرموز، والانتهاء من كنه الورقة الرابحة، التي أخذت قسطاً كبيراً، بل حيزاً لا بأس به في معالجة هذه المشكلة الصعبة، أما من الناحية الجدلية التي تواجه أيَّاً كان، فإن التحرر المسبق، من أي فكرة مضمره ومسبقة في فتح حوار مع اللوحة أو الفنان، إن الوسيلة الوحيدة التي يواجه بها (كل منا) السقطة الأولى في النظر إلى اللوحة؟ الفنان هنا، لا يستعيد دور السلطة السياسية، في تعميمه (للمحورة الكلية) لفكرة اللوحة، ولا يستعيد أيضاً مجموعة (الكل) الاقتصاد –المجتمع- عامل القهر الاجتماعي، وأشياء أخرى اكتسبها بالغريزة كل هذه الأقانيم، هي من صنع ستار سميك في أن (لا يعود الفنان إلى هذه اللوحة وفتح حوار مع الخالق) لأن الفنان ليس لديه، الوسائل القوية الرادعة في نفي المبدأ الذي كان سابقاً، ومهما يكن الموضوع، فإن المحاورة، قد تخلق نوعاً من الإساءة إلى ذات الفنان، وليس إلى اللوحة، اللوحة هنا كمون شاسع، ومعلق على الجدار، أما الفنان، فإن استنطاقه، قد يؤدي بالنهاية، التخلص تماماً من اللوحة –وبالمعنى الضمني- التخلص من هويته الفنية، لأن، هنا –وفي هذا الموقف بالذات.‏

تتقدم الديمقراطية، ويظهر الدور السلطوي، الخفي، (الكولونيالي) في بسط نفوذه تجاه ما نسميه الآن، الدور المشترك بين اللوحة والفنان، أما عن الدور الأبويّ وعلاقته في خلق الكيان القوي، للوحة، فإنني سأعطي رأياً فقط لأنني لا أستطيع الحكم على الأبوة الفنية، وأقصد هنا الدور الأرستقراطي في تعميم (الأذوقة) الفنية، واستقطاب اللوحات المعبرة عن المراحل الكلية) من الناحية الفكرية، هذا الهامش البسيط والمؤلم؟ قد ينفذ في أي وقت، ويستعمله، سلاحاً، قوياً، لأنه القادر على توحيد الصيغ المعبرة عن أيديولوجيته وتبديده للأطر السلفية، التي كان يعيش بها، وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نذكر الفشل الذريع الذي منيت به (كومونه باريس) ولسبب بسيط جداً، عدم وجود برجوازية صغيرة، مثقفة ومتعلمة، كان لها لو كانت. بعض الدور الريادي في تثقيف الذين قاموا بهذه الثورة التي باءت بما نعرفه عنها، دون الرجوع إلى الصراخ والثوابت التاريخية؛ التجربة من خلال معايشتنا لهذا الحدث –نظرياً- على الأقل؛ يعني أن الفنان سيلاقي صعوبة خطيرة في قراءة لوحته أو محادثتها حين لا يريد أن يقول شيئاً؛ لأن الخصائص الفنية المشكّلة لهذه الغاية، قد تجد صعوبة مضنية من نوع ما، في بيان ما تعطيه التجربة الفنية الاجتماعية من خصائصٍ، هي في الأصل محاولة لترسيخ التنوع الفكري في القراءة الأولى لهذه اللوحة. طبعاً هنا، لا أريد أن أخلط بين الفن النموذجي، وبين الفن الديالكتيكي..‏

أي أن نرسم دجاجة بالمعنى الواقعي ونراها وكأنّ الحالة الأولى لهذا الحدث، وللوهلة الأولى، أن الدجاجة قد باضت، أو أننا نريد من الدجاجة أن تبيض، لكنّ الديالكتيك، هو من نطلبه من الدجاجة، ونريد تنفيذ أن تخبرنا كيف تصنع البيضة، هنا؟ تكمن المصيبة وهذا ما جعلني أن أذكر فان كوخ، وكيف تخلّص من عبودية الحقيقية التي نراها نحن، حتى يومنا هذا هنا، بوسعي أن أجهّز أكثر الأفكار انقضاضاً على صدر اللوحة، وهذا ما لا يؤكد أن اللوحة الفنية هي مجموعة ألوان وأفكار فقط؟ بل هي مجموعة من العوامل النفسية/ المادة، التي وحدّت العيوب الدفينة، لتلك الشخصية التي قد تبدو معتدلة. هنا يكمن سرّ الخطر؟ فالذين (أمضوا).‏

هذا الحيز من الحياة في (التشكيل؟) هم الذين يبحثون دائماً وأبداً، عن معنى لحياتهم، ولا يريد الواحد منهم من الفراغ، سوى بعض الحلول النسبية وهذا أيضاً شرط آخر من شروط المكافأة الحقيقية، لمعنى الوجود لحياة الفنان، من خلال ما قد رضي عنه من خلقٍ وما تدّمر أيضاً من محاولات، هنا؟ أبتعد كثيراً عن التذرع بالقيمة القرائية للوحة الفنية، حتى لا نسقط في جب التنظير والتلويح بكل الأشكال المرادفة للتنظير، من تحديد نوعية الفن، وما يدور حوله الفنان في بث شجونه وأساه، من خلال التمرد الأوليّ، كما قلت حين شرحنا الأسباب التي تدعي.. النظر في اللوحة واستبيان المؤثرات الممطوطة في تكوين العمل وإنهائه، على أنه يوجد الكثير الكَثير ممن أسسوا لأنفسهم مكانة طيبة في فك الرموز الفنية وسقطوا في الجهود الحبية. لمعلوماتهم.‏

إنهم لم يدركوا ما قد يكون قد أحضره الفنان من أفكار، وما القراءات الفنية سوى نفخ في الهواء حين لا يبدأ (المشاهد) بأخذ بعض الراحة المصطنعة لكي يعتاد على اكتساب السيطرة الذاتية والتلاقي مع اللوحة والفنان، ليخرج بقراءة ذات صلة حقيقية بما يراه المشاهد؟ أيضاً، هنا أختلف مع الطبقة البرجوازية في عملية الاقتناء الكيفية، والأفكار التي يحملونها، الموازية، لفائضهم النقديّ لتصبح بعد ذلك –أي اللوحة- هي زينة جدار أصم أو غطاء لكوةٍ، فيه من السقوط الفني أو بالأحرى لفراغ حياتهم الخاصة والعامة.‏

وإلى أن ننقذ الفنان، من إعدام لوحته، عليه امتلاك الحد الأدنى من الواقع المادي، ولكي يتجنب هذا المزلق الخطير، قد لا نستطيع، السيطرة على الوقت الكافي لخاتمة سيئة جداً، هي أولاً وأخيراً، في غير صالح الفنان الذي سيكتشف ذلك بعد فوات الأوان، وليصير حازماً في توريد هذا الندم من جديد، صحيح أن الفكر حلّ محل التجريب بالمنطق التاريخي، إلا أن المساومة، حصلت من التجريب (أحياناً) على دور ريادي.‏

وفيه مباشرة، وصدامية من (إخفاء اللوحة بأي طريقة كانت). للاحتفاظ بما قد تفيده في المستقبل القريب/ البعيد؟ اللوحة التشكيلية الآن، هي جسد بلا قدمين، تمشي بأفكاره، وتقتفي ميزات الحركة النقدية؟‏

قد يصعب على المشاهد الوقوف طويلاً أمام اللوحة، وقد ينهار أيضاً، ولكن طالما نحن بأمس الحاجة إلى فك الرموز من خلال السيطرة الكاملة على مساحة اللوحة، قد يعترضنا، ما قد يشبه الهذيان، ونحن نناقش هذه اللوحة بشيء من الحب. وبأشياء من المجاملة. إن الاستجابة ليست الأسلوب الإنساني الدقيق، إنما هي الأسلوب الحيواني الدقيق.‏

إنها مأساة الإنسان بل المجتمع المعاصر، حين تصل إلينا، تلك المقادير الكبيرة من لغة الدافع والمحرك، والاستجابة، بعد هذا الانتصار السحيق لفكرة الفنان والمعادِلة، للتجربة المادية للذات، يكمن في داخل الممكن من اللوحة مدة زمنية هي كبيرة، جداً وشاسعة، طبعاً بالاستناد إلى ثقافة الفنان وبلورة الفكرة التي ستكون بعدئذ مؤهلة للاستجابة الأولى التي تحدثنا عنها في البداية وقلنا بما معناه، إن اتضاح الرؤيا البعيدة في تفسير طعم التفاحة؟‏

إنما هو الحقيقي والطبيعي، في تجسيد هذه التفاحة عملياً، كقراءة أولى أو كاستجابة من ذلك الإطار الذي نسميه نحن –اللوحة- هنا، لا بد من ذكر الاستجابة الخفية لوقوف الفنان أمام لوحته وهو يعيد الصياغة الفكرية الجديدة للوحته، والضمير الفني، الذي يحمله قبل أن يضع اللمسة الأولى في البياض ولا بد أيضاً من التعريج على الجدلية المركبة بين اللوحة، والفنان، بمعنى، هل صياغة اللوحة، بشكل مسبق هي نفس صياغة اللوحة بعد الانتهاء منها؟.‏

قد أشك في إجابة الفنان، بنعم –وقد يظل هذه الشكوك هي المحصلة لاستمرارية اللوحة وأفكارها، فالفنان حينما يستخدم الضمير الغائب في اللوحة فلأن هذا التفسير المستقبلي لماهية اللوحة والفن، فيه بعض القسوة أو الحقيقة التي يراها الفنان، من أين إذاً ندرك هذا النبض وهذه القوة في عنصر اللوحة؟ يقول أوجين يونسكو: سيأتي اليوم الذي لن تجد فيه للفن أي معنى. هنا نقف عند الممكن، لنوجه النداء تلو الآخر لهذه الديكتاتورية النقدية، وقذف اللوحة بمعايير اعتباطية، نستخدمها دائماً، حتى ليخيل إلينا، أن الألفاظ قد سرق بريقها، وبقيت اللوحة جامدة، والنقد يتطور، من غير أن يكون له ظلال، وكلمة أخيرة: إن من الصعب الآن أن يكون للحواس، خواص سلبية، تجاه اللوحة لأن الفنان قد يحتضن الرموز كلها: ويستطيع الفنان أن يلقيها تماماً، أو بشكل أعم –يستطيع أن يبعثرها على القماش، وكل رمز يأخذ مكانة المناسبة، معنى ذلك، هل يستطيع أن يبعثر الرموز بشكل دقيق ليخرج العمل ناضج الفكرة –بل- الأفكار، التي تحدثنا عنها سابقاً؟ للحالة هذه، لا بدّ من المكاشفة، وتهريب الرموز لدى الفنان ليخضع العمل الفني وبشكل مسبق إن التخطيط والمقاييس، أو للنقاش الموجود بشكل مسبق، لدى كل من يشتغل بالفن.. ويخضع الفنان نفسه بالنهاية، للتشريح والمراجعة –فالحياة هي مجموعة من الأفراح اللامتناهية، وعلى الفنان أن يدرك هذا تماماً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244