جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مقدمة كتاب (بهجة الاكتشاف) رسائل نزار القباني وعبد الوهاب البياتي وهاني الراهب إلى بسام فرنجية ـــ نويل عبد الأحد

كان أول ما داهم نظري وأنا أفض غلاف المظروف الذي بعث به إلي الصديق الدكتور بسّام فرنجية، شعاعات تتوهج في تراقصها بداكن السواد، أو هكذا خُيِّل إليّ...‏

فالعين التي امتصت هذا الوهج المتناثرة شظاياه، قد دغدغ ما كان نائماً فيها.. وفي دغدغتها تلك متعة لا أبهى ولا أجمل..‏

إن للعين رادارها الخاص الذي يعمل بشكل آلي.. في رصد كل ما هو جميل، كما هي الحال بالنسبة للأذن التي يلتقط رادارها حُسن الأصوات وجميل الغناء واللحن.. وهو رادار يختلف عن رادار اللمس أو الذوق..‏

من هذا المنطلق، شعرت للتو أن بسّام كان محقاً في أن تظهر رسائل كاتبيها إليه، بالحروف التي خطّتها أناملهم بها، خروجاً عن المألوف.. لا سيما وأن عين القارئ قد سئمت أحرف المطابع والكومبيوترات المتشابهة أشكالها.. وأنّ ظهور كتاب بخطوط يدوية، له نكهته وطزاجته، كما الخضار والفاكهة المقطوفة على التو...‏

وصحيح أن أجمل خطوط هذه الرسائل، هي خطوط نزار قباني، فذلك أن نزار قد احترف مهنة التخطيط في مرحلة شبابه الأولى.. ولكن خطوط كل من الراحلين البياتي والراهب لهما، جمالية خاصة ومميزة، تُمتّع العين المدرّبة على اجتذاب كل ما هو جميل وحسن وغير عادي...‏

يقول نزار في رسالته 15 /10/ 1991‏

"أنا ممتنّ لك جداً.. جداً... لأنك حوّلتني من شاعر إلى خطّاط.‏

ففجّرت بذلك بداياتي الطفولية في الرسم والخطّ.. ولعلك لا تعرف أنني كنتُ بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة خطاطاً.. أدرس الخطّ العربي على أصوله.. ولذلك فإنّ أقرب ديوان إلى قلبي هو (قصائد متوحشة) الذي كتبته كله بخط يدي.. فاعتبر كل قارئ أنني كتبتُ الديوان له وحده.. وكنتُ سعيداً بهذا الشعور الحميمي".‏

والخط هو فن كباقي الفنون الأخرى.. وللفن بقاء وخلود.. والفنون جميع الفنون، تتحدّى "الموت" بديمومتها.. وفي هذا الشأن، أنشد محمود درويش في جداريته، مخاطباً الموت:‏

"هزمتك يا موت الفنون جميعها‏

هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين،‏

مسلّة المصري، مقبرة الفراعنة،‏

النقوش على حجارة معبدٍ هزمتْك‏

وانتصرتْ،‏

وأفلت من كمائنك الخلود"‏

لكن الكلمة.. والكلمة وحدها، سيدة الفنون الأخرى، لا سيما ما ينطق به الشاعر الأصيل.. والمفكر التأمّلي، والمصلح الاجتماعي الحقيقي..‏

وكان للكلمة المبدعة، ولا يزال، سحرها الجاذب، وفعلها الخلاّق في التحوّل..‏

أفلم يكن كلّ تغيير جذري في التاريخ، بفعل الكلمة..‏

أفلم تُرهب ولا تزال خفافيش الليل: المتسلّطين، والبطّاشين والأفّاكين؟؟ أفلم تقضّ مضاجع قامعي الفكر والحرية؟؟‏

لقد لاحظ بسّام، عبر متابعته الجادة الطويلة، في الساحة الثقافية، افتقار المكتبة الغربية، وبصورة خاصة المكتبة الأميركية، إلى أعمال، أو، على الأقل، بعض أعمال شاعرين من أهم شعراء القرن المنصرم، واللّذين، أثّرت أشعارهما، لا في الحركة الشعرية المعاصرة فقط، بل وفي بُنى الحياة الاجتماعية..‏

قد يكون سبب إهمال المترجمين، ترجمة بعض أعمالهما، أو التهرب من الإقدام على ترجمتها، إلى صعوبة ترجمة الشعر السهل، السلس، المكتوب بلغة يفهمها عامة الناس –لا الأقلية المثقفة –فمن المؤكد أن مثل هذه الترجمة، لن تستطيع أن تحافظ على النبر الشعري، وموسيقاه، أو على الذائقة الفنية التي يتمتع بها قارئ أشعار هذين الراحلين الكبيرين..‏

وقد فطن نزار إلى هذه الناحية، وجهر بها، في رسالته لبسّام تاريخ 24/6/ 93.. ومما جاء فيها:‏

"فالشعر، حالة ممتازة، لا يمكن نقلها إلى أية لغة أخرى، بغير تقديم تنازلات مخيفة.‏

وبالنسبة لي، أصبحت على يقين من أن شعري غير قابل للترجمة.. لأنه شعر بسيط وفيه كثيرٌ من الطفولة. والطفولة لا تُترجم.."‏

ويلتقي عبد الوهاب، إلى حد ما مع نزار، في هذه النقطة.. وقد دفعته حساسيته الشعرية، أن يطلب من بسّام "إحلال كلمات" لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، محل سابقاتها، ومع ذلك فإنه أقرّ بترجمة بسّام لشعره وأُعجب بها وأثنى عليها.. وهذا ما جاء في رسالته لبسّام تاريخ 2 /10/ 89:‏

"إن عملك هذا لهو عمل رائع يستحق التهنئة والثناء والإعجاب".‏

والحق يقال أن "بسّام" لم يجازف بانحيازه إلى اقتحام مصاعب ووعورة ترجمة "الشعر السهل الممتنع" لو أنه لم يكن واثقاً من مقدرته في الترجمة الإبداعية، وقد خبرت أنا، شخصياً مدى صعوبة ترجمة السهل الممتنع..‏

وقد تحقّق لبسّام ما أراد: وهو إطلاق بعض أعمال هذين الشاعرين في كتابين، ضمّا مختارات مترجمة إلى الإنكليزية من إبداعات الراحلين عبد الوهاب ونزار، بالإضافة إلى ترجمته الرائعة إلى الإنكليزية لرواية: "الوباء" للراحل الكبير هاني الراهب..‏

وقد شهد له بترجماته الفذة كبار الأساتذة الجامعيين والضالعين في فنون الترجمة، نذكر منهم على سبيل المثال: البروفسور عرفان شهيد، والبروفسور هشام شرابي، والبروفسور إبراهيم إبراهيم، والبروفسور سليمان ساره وأخيراً وليس أخراً الناشر الشهير دونالد إيه هيردك Donald E. Herdeck.‏

ورغم تمحور هذه الرسائل، كما ذكرت، حول هدف واحد وهو أن يرى أصحابها بعض إبداعاتهم وقد ترجمتْ ونُشرت بالإنكليزية، فإنها لم تنكفئ ضمن تلك الحلقة الضيقة، بل تعدّتها إلى آفاق أخرى... لا سيما أن فضاء المبدع لا حدود له.. وفنه يغلب كل شيء.. وأن ما ينهمر من قلمه من الكلمات، يستطيع مهما كانت هذه الكلمات بسيطة، أن يخلق نوعاً من العلاقة الودية مع قارئها..‏

وحده الفنان من يستطيع أن يؤالف بين المتناقضات، ويحيلها إلى عالم متّسق في انسجامه...‏

أما رسائل الروائي الراحل هاني الراهب، فهي أيضاً قد حُصرت في موضوع واحد... وقد حملت أسطرها، على قلة هذه الرسائل، من المرارة والأسى، ما تنوء عنه راسيات الجبال...‏

وتُشير هذه الرسائل أيضاً إلى تحسّره على فقدان أمته "لحرية الكلمة"... ومن أراد الخروج عن القاعدة، فمصيره الملاحقة والاضطهاد والتشرد.. ولكن الأديب الحر –وما أقل الأحرار –يضحّي بكل شيء، وفاءً منه لحرية الكلمة، والجهر بها، على حساب كل الأمور الأخرى..‏

ويحضرني في هذا الصدد مقطع من إحدى قصائد الصديق الكبير الشاعر كمال فوزي الشرابي، يتحسّر هو الآخر على "حرية الكلمة".. ويخاطبها منشداً بأعلى صوته:‏

يا حريّة‍!‏

وجهُ العُرب أمامك أسودْ‏

وجهي أسودْ‏

وطني أسودْ‏

خبزي أسودْ‏

حرفي أسود‏

حتى الدمع بعيني أسودْ..‏

لم تُغر الراهب أية وظيفة مهما علا شأنها، كما لم تُغره كتابة البحوث والدارسات الأكاديمية، ولا الوظائف التدريسية، لأنه أراد خدمة "الفن" عبر موقعه، كروائي، يقدم لهم ولائم من أفكاره النابضة، ولكن ملاحقته من أعداء الكلمة، وتهديده بلقمة عيشه ولقمة أبنائه، حالت دون تحقيق ما أراد... وقد جاء في رسالته تاريخ 24 /12/ 88 ما يلي: -‏

"إن اضطراري للعمل في جامعة الكويت سيجبرني على ترك الكتابة الروائية لألهث وراء كتابة البحوث ونشرها. وهاهو ذا العام الثاني يمضي وأنا لم أخطّ سطراً واحداً في الجزء الثاني من (التلال).‏

ربما كان هذا برداً وسلاماً للقارئ العربي: لكني حزين حتى العظم ويائس حقاً، وأحياناً شقي بسبب ذلك".‏

إن رسائل الفنانين سواء أكانوا شعراء أم رسامين أم نحاتين أم موسيقيين أم روائيين، أم غير ذلك، تكشف بصورة عامة، وبعفوية، جوانب من حياتهم وكذلك جوانب هامة من شخصياتهم وطباعهم.. ولا يجب أن تؤثر أقنعتهم، أي عطاءاتهم الإبداعية التي يجودون بها على المعجبين بفنهم، على تلك الجوانب الأخرى من حيواتهم الخاصة أو شخصياتهم...‏

وقد يلحظ دارسو أعمال هؤلاء الثلاثة الراحلين، أن في رسائلهم لبسّام بعض هذه الدقائق التي تنم عن شخصياتهم، والتي قد تكون عاملاً مساعداً لهم وإنصافهم في التعريف عن بعض تلك الجوانب، في دراساتهم أو بحوثهم لاعتقادي أنّ من حق القارئ أن يحظى ولو بالشيء اليسير عن حياة الفنان الخاصة.. وفي رأيي المتواضع فهذه الرسائل، رغم تمحورها في الأساس حول موضوع واحد.. فإنها رسائل هامة..‏

وفي الختام لا يسعني إلا أن أثني على جهد الصديق الدكتور بسّام فرنجية، في تحدّيه الصعاب، وتصميمه على إطلاع القارئ الأمريكي بترجماته الرائعة لإبداعات الراحلين هاني الراهب ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي.. وأن عمله هذا جدير بالثناء الحار...‏

كما لا يسعني إلا أن أشكره أيضاً لتكرمه بالإفراج، أخيراً، عن هذه الرسائل، وقد عرفتُ عنها مصادفة، عبر محادثاتنا الهاتفية، نتبادلها معاً من وقت إلى آخر؛ وبعد أن أقنعته أن إبداعات الفنانين، لا سيما رسائلهم الخاصة، لا يجب أن تظل مطوية في عباب النسيان، وأنه من حق القارئ والدارس معاً، الإطلاع عليها بعد أن رحلوا عن دنيانا –وقد تزامن رحيلهم في أوقات متقاربة إلى حد ما....‏

فشكراً له ثانية وتهنئاتي الحارة على جهوده الخيّرة وخدماته في حقول المعرفة والأدب والشعر...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244