جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المرأة: تحرير تاريخها المشفوه! ـــ حسن حميد

الكتابة عن المرأة هي كتابة عن الذات المأمولة، والحيوات المرتجاة، وهي في حدودها الدنيا كتابة عن النصف الآخر من المرأة التي ترينا أنفسنا، وأنماط سلوكنا.‏

وقد درجت الكتابة عن المرأة تترى استشعاراً لصور الظلم والحيف اللذين وقعا عليها اجتماعياً عبر تتالي العصور والعهود، ولم يكن من سبيل أمام المرأة لترى صورتها كاملة واضحة في مرآة المجتمع إلا المواجهة مع الأعراف والتقاليد والمواضعات الاجتماعية التي أوجدها المجتمع بالتراكم الزمني من أجل إحاطة المرأة بدوائر أخلاقية، واقتصادية تحول دون أن تعيش حياتها كفرد كامل الحقوق في المساواة مع الرجل. وقد تجلّى كفاح المرأة للذكورة المريضة في المجتمع من خلال نسف مواضعتين اجتماعيتين ترشح المظلمة منهما رشح الماء من أوراق الشجر، وهما..‏

الأولى: إحكام سيطرة الرجل على شمولية المجتمع بحيث باتت الأبوة المطلقة للرجل سيِّداً منذ الولادة وحتى الممات (فولادة الذكر أفراح ومباهج، وموت الذكر فقد وأحزان ومندبة)، وهذا ما تعارف عليه تحت توصيف النظم الاجتماعية بالأبوية العائلية، أو الأبوية البطريركية حيث الهيمنةُ المطلقةُ للرجل.‏

والثانية: وضع المرأة في دائرة الأنثوية وحقل مواضعاتها البيولوجية (بيت المتعة، والخصوبة، والأم الخادمة..) بحيث تدور المرأة منذ ولادتها في دوائر ثلاث رئيسة تلخص حياتها تلخيصاً موجعاً مؤلماً، فهي في طفولتها المبكرة خادمة للأشقاء في الأسرة وإن كان هؤلاء الأشقاء أصغر منها قيمة وسناً، وهذه هي الدائرة الأولى، أما الثانية، فهي التي تشمل الطفولة الثانية والثالثة، والتي تصبح فيها الأنثى قطعة إسفنج عليها أن تمتصّ كل تلقينات الأم الهادفة إلى إعدادها من أجل أن تكون زوجة.. (للزوج القادم، للزوج الحلم) إعداداً يليق بالسمعة الاجتماعية المهدوفة، فعليها أن تكون طبّاخة ماهرة، ومسلية من طراز رفيع، ونبع خصوبة (للذكور فقط)، وإلا ستسقط من عين الزوج، وعين المجتمع كما تسقط أوراق التين في الخريف، أما الدائرة الثالثة، فهي مرحلة العنوسة التي تتلخص في العناية بالأبوين عناية تليق بشيخوختهما بحيث تكون على غاية من اللطف فلا تبدي تبرماً أو ضيقاً من حياتها التي اختصرت داخل دائرة البيت الضيقة!‏

أدفع بهذا الكلام لأقول إنني أشير إلى أهم ما جاء في كتاب الباحث المرموق عبد اللطيف ياسين الذي عنونه بـ (المرأة عبر التاريخ)، فهو بعد هذه الإشارات الهامة التي تشخص عياناً أحوال المرأة، يذهب في طروحاته ليدحض الأسوار التي شكلتها تلك الدوائر الثلاث باعتبارها – كما قرَ وهماً- هي سيرورة المرأة، وهي دورانها الطبيعي في دورة الحياة الاجتماعية. إنه يقف عند عطاءات المرأة عبر العصور البشرية ليؤكد على دورها المعطاء الذي لا يقل عن دور الرجل إن لم يناجزه في بعض الأحيان، ذلك العطاء الذي لا يتم من دون التحرر من سطوة الدوائر الثلاث السالفة الذكر.‏

إن تحرر المرأة، والاعتراف بمكانتها كفرد (لا كأنثى قاصرة في كل شيء) هو الذي يوجد أحياز ذلك العطاء الموازي لعطاء الرجل.‏

ويقف الباحث الياسين محللاً شخصية المرأة اجتماعياً ونفسياً، فيتعمق في شرح الانفعالات التي تشكل مساحة واسعة من الحياة النفسية عند المرأة تبعاً لروح الرهافة، والحساسية، واللطف التي اختصها الله بها. ثم يقف عند الأدوار الوطنية التي لعبتها المرأة والتي كانت حكراً على الرجل في مراحل تاريخية عديدة، وتكاد تكون وقفته الرئيسة في هذا المجال عند عطاء المرأة الفلسطينية، وهي تقوم بأدوار البطولة وإعداد الأبناء من أجل الفداء والاستشهاد دفعاً للشرور الصهيونية التي طالت الزرع، والضرع، والناس، والبيوت، والتاريخ، والذاكرة.‏

كتاب (المرأة عبر التاريخ) للباحث عبد اللطيف ياسين كتابة تعي ما كُتب عن المرأة سابقاً وتتمثله، ثم تبني عليه أفكاراً جديدة وتوجهات جديدة كفيلة بإعادة النظر في المسار الذي حفرته الأيام ظلماً للمرأة، فجعلتها في الصفوف الخلفية مع أن المرأة هي مرآة المجتمع وجماله، وليست هدف الرجل ومرآته وحسب.‏

كتاب مهم لباحث مهموم بقضايانا الرئيسة الموجعة للعقول والقلوب معاً، هدفه الأول والجوهري تحرير تاريخنا من معوقاته، وإزاحة التقولات التي علقت به وإبعادها، ولعل جولان المرأة الذي صار تاريخاً لها حري بهذه المراجعة من باحث همام.. نذر نفسه للدفاع عن حياض الوطنية والقومية والإنسانية.. بعامة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244