جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أنا ... ودلال العقارات ـــ أحمد زياد محبك

رفعت سماعة الهاتف، واتصلت بصالح، وبعد المقدمات الطويلة التي لا بد منها، والسؤال عن الصحة والأحوال، قلت له:‏

-غداً كما تعرف الاجتماع السنوي لمجلس الإدارة، فما رأيك؟‏

غمغم وتردد، ثم قال:‏

-إذا كان عندك طموح فرشح نفسك.‏

أجبته على الفور:‏

-لا، أنا ليس عندي أي طموح، وأنا لا أستطيع أن أخدمكم في شيء، ولكن هناك من هو أولى.‏

قاطعني على الفور:‏

-والله، نحن نحترمه، ولا نريد أن نخسره.‏

شكرته وقدرت مشاعره وبكلمات ناعمة أنهيت الاتصال الهاتفي.‏

واتصلت بإحسان، وبعد لف ودوران، أجاب:‏

-اعتدنا ألا نناقشه في أمر ترشيحه لرئاسة مجلس الإدارة.‏

واتصلت بسمير، وكنت أفكر في ترشيحه، فهو الأكثر نفعاً في المجلس، فأجاب:‏

-أنت تعرف، أنا أصغركم، ولم يمض سوى أربع سنوات على انضمامي إلى المجلس، وإذا كنت ترغب أنت في ترشيح نفسك فأنا على استعداد لدعمك.‏

واتصلت بسناء، فقالت:‏

-لن نخسر شيئاً إذا بقي رئيساً لمجلس الإدارة، وهو كما تعرف مريض ونخشى أن يصاب بانتكاسة، فليبق هو رئيساً لمجلس الإدارة إلى أن يوافيه الأجل.‏

بمن سأتصل بعد ذلك، لم يبق أحد، هل أتصل به؟‏

رفعت سماعة الهاتف، فأخذ يشكو لي:‏

-ارتفاع الضغط والربو والديسك والسكري والروماتيزم، آلاف العلل اجتمعت كلها على بدني، وغداً الاجتماع السنوي لمجلس الإدارة، ما رأيك في ترشيح نفسك؟! خذ هذه الأمانة عني وأرحني، الثمانون أحوجت سمعي إلى ترجمان، كما قال الشاعر، وأنت أيضاً أستاذ وشاعر وقاص، وتجيد الحديث أكثر مني، هل أحمِّلها لسمير بائع الدهان؟ هل تريد أن يصبغ الدنيا كلها باللون الذي يريده هو؟! أم أحملها لإحسان؟ أنا أعرف أنه يجري وراء مصلحته الخاصة، إذا أصبح رئيساً لمجلس الإدارة فإن أول ما سيقترحه هو تغيير أسلاك الكهرباء في العالم كله، لأنه تاجر أسلاك الكهرباء، هل أحملها لصالح؟! لا أصلحه الله، صدقني إذا أصبح رئيس الإدارة فإنه سيقترح تغيير البلاط في أرصفة العالم كله، لأنه مبلط، وعنده ورشة عمال بلاط عاطلة عن العمل، هل أحمِّلها لسناء؟ ماذا ستفعل؟ لتملأ الدنيا برائحة البصل؟ لا أعرف لماذا تكثر من استهلاك البصل؟ أنتم جميعاً أولادي، أنا في الحقيقة تخليت عن أولادي لأبقى معكم، أنا كنت رئيس مجلس إدارة المصارف كلها، رشحوني مرة معاوناً لمدير البنك الدولي فرفضت، أنا ليس عندي أي طموح، وليس لي أي مصلحة في الأمر كله، راتبي التقاعدي يكفيني بقية حياتي، على كل حال انتخبوا من تشاؤون، لكم الحرية المطلقة، أنا تعبت، سأقدم في أول الاجتماع استقالتي، وأدعوكم لتشكيل مجلس إدارة جديد، لذلك أنا مصر على دعوتكم غداً إلى اجتماع مجلس الإدارة، ويسرني أن تكون الدعوة في بيتي كالعادة مثل كل سنة، وأنا أدعوك بإلحاح لترشح نفسك، اتصل بالأعضاء، ونسِّق معهم كما تشاء.‏

نمت، وأنا أشتمه، لا أعرف ماذا رأيت في الليل من أحلام أو كوابيس.‏

خرجت في الصباح إلى عملي.‏

للمرة الألف أتعثر على الدرجة الرابعة في مدخل البناء، مع أنني في كل مرة أقول لنفسي: هذه المرة لن أتعثر، عشر سنوات مرت وأنا في هذا البناء، ولم نتمكن من إصلاح هذه الدرجة، هي في مدخل البناء، وليست أمام باب أحد الجيران، لذلك فلا أحد يفكر في إصلاحها.‏

رائحة العفونة تخنقني، الجدار يرشح ماء، منذ أن سكنت في البناء والجدار يرشح ماء، عشر سنوات والجدار يرشح ماء، ولا أحد يعرف من أين، ولا أحد يفكر في الإصلاح.‏

ولدي منير على الرصيف ينتظر سيارة الروضة، أسأله:‏

-أين أحمد ابن الجيران؟‏

يرد:‏

-يقف على الرصيف هناك، قبلي بمئة متر.‏

-ولماذا لا يقف معك؟‏

-لا يكلمني، ولا يريد أن يقعد في سيارة الروضة إلى جواري، يريد أن يركب في السيارة قبلي، ليحتل مقعده إلى جوار النافذة.‏

-قلت لك بادر أنت إلى السلام عليه، صافحه، أقعد إلى جواره.‏

-والله يا أبي فعلت، ولكن لا فائدة.‏

ألتفت، فأرى إلى جواره شريطاً ينزل من عامود كهربائي إلى الأرض.‏

عشر مرات قلت لجارنا إحسان: أنت في الأصل مهندس كهربائي، والآن تعمل في تجارة الأسلاك الكهربائية، أرجوك افحص هذا الشريط المتدلي من عامود الكهرباء، قصه، خلصنا منه، وفي كل مرة يقول لي: حق وحق الجيران كلهم علي، ولكن والله نسيت، غداً أرسل أحد عمال الورشة ليفحصه.‏

أقول لولدي:‏

-ابتعد عن هذا الشريط، ولا تلمسه.‏

أتركه وأمضي إلى محل شريف، أمد إليه يدي بعشرين ليرة، وأنا أقول له:‏

-هات علبة دوائي اليومي.‏

يناولني علبة تبغي المعهودة، وهو يقول:‏

-سمعت أن لديكم اليوم اجتماع مجلس إدارة‏

أجيبه:‏

-نعم‏

-أظن أنكم مثل كل سنة، لن تنتخبوا غيره، هذا صاحب الكرش الكبير.‏

-نعم‏

يناولني علبة التبغ وهو يقول:‏

-تلفت حواليك، انظر، كل الناس تطورت، عمارتكم أسوأ عمارة في الدنيا كلها.‏

وأرد:‏

-أعرف، ولكن ماذا أفعل؟‏

أشعل سيكارتي وأمضي على الرصيف.‏

يلتقيني أبو هلال دلال العقارات، أستوقفه سائلاً:‏

-هل لديك دار متواضعة في عمارة جديدة ونظيفة؟‏

يطرق قليلاً ثم يجيب:‏

-عندي كل شيء، ولكن هل تريد الشراء نقداً أو المبادلة مع دارك؟‏

أرد:‏

-بل المبادلة مع داري.‏

يتكلم:‏

-دارك لا تساوي شيئاً، ولا يمكنك أن تبادل بها، لأن بناءكم قديم مهترئ، عمره خمسون عاماً، وطوال هذه المدة لم تدخلوا عليه أي تحسين، بعض الحجارة في واجهة البناء متداعية، والمدخل يرشح ماء، والعامود الجنوبي في البناء فيه شقوق، والشرفة الغربية تحتاج إلى دعم.‏

أعلق:‏

-أنت دللتني على البناء نفسه قبل عشر سنوات ونصحت لي بالشراء.‏

ويرد:‏

-لم يكن البناء قبل عشر سنوات على مثل هذه الحال، وأنت والجيران تتحملون المسؤولية، أنتم ستة جيران فقط في بناء جميل، ولكن لم تصلحوا أي شيء طوال خمسين سنة في البناء.‏

وأرد:‏

-ليس ذنبنا، هو ذنب مختار بك.‏

يضحك وهو يقول:‏

-وأنتم إلى اليوم لا تتخلون عنه، في كل سنة يدعوكم إلى مأدبة عشاء في داره، وأظن اليوم مساء أنتم مدعوون إلى مائدته.‏

-نعم‏

-نعم، كل شيء نعم، أنا أعرف، وستنتخبونه من غير شك رئيساً لمجلس إدارة العمارة.‏

وأرد:‏

-المشكلة أن لديه طموحاً لكي يموت وهو رئيس مجلس إدارة.‏

فيضيف:‏

-إذن، ستبقى طول عمرك في العمارة نفسها، ولا يمكنك المبادلة مع شقتك، بل لن يمكنك بيعها، حتى بعد وفاته، إذ لا أحد يرغب في مثل هذا البناء.‏

أسأله:‏

-ما الحل؟‏

يضحك، يضحك كثيراً ثم يقول:‏

-أنا عندي ألف حل، لا لشقتك، فقط، بل للعمارة كلها، وإذا أردت للشارع كله، ولكن الغريب في الأمر أن تسألني أنا عن حل، أنا مجرد دلال عقارات، أنا سمسار، أنا وسيط بين البائع والمشتري، كان المتوقع أن يكون الحل عندك، أنت الأستاذ، أنت معلم مدرسة ومثقف، الحل يجب أن يكون عندك، لا عندي أنا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244