جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ريتا.. تعود إلى موتها ـــ سهيل نجيب مشوِّح-الرياض

إلى ريتشل كوري.. تلويحة وداع‏

أَطلقن لزينتهنَّ العنان، وألقينَ بشعورِهنَّ إِلى الوراءِ، وذات اليمينِ، وذات الشمالِ، ولفَفْنه وجَدَلنَهُ،، واقتصدنَ في ملابسِهنَّ إلى حدِّ التقشّفِ، فظهرنَ في الحفلِ كعرائس اللعبِ، ولولا رنينُ ضحكاتهنَّ بين حينٍ وآخرَ، لما حَزَرْتَ بأنهنَّ من بني البشرِ، وأنهنّ من لحمٍ ودم.‏

ضجّتِ الموسيقا، وتمايلت الأجسادُ، وتاهت العقول، وزاغت العيون، واختلط الصحو بالجنون، فتصدّعَ رأسُ ريتا الصغيرِ من الصخبِ، فانسحبتْ –بهدوءٍ- إلى غرفةٍ قصيّةٍ، لتظفر بسكينة تريح روحها المتمردة وتزيحُ عن نفسِها هذه الغمّة الخانقة. ضغطت زرّ التلفازِ، وقلّبتهُ على عجلٍ، وتوقّفتْ على مشهدٍ راعها، وحَبَسَتْ أنفاسَها وهي تتابع تفاصيله قتلٌ.. ونهبٌ.. ودمارٌ.. وحوشٌ لم تُبْقِ، ولم تَذَرْ. يزدادون ضراوة كلّما انسفحتْ الدماءُ بغزارةٍ، أو كلّما تأججّتْ نيرانُ الحرائقِ.‏

بكتْ، ونَشَجتْ، وانتفضتْ مثل طيرٍ ذبيحٍ، وتبرّأَتْ من صَخَبِ جيلها.. تمنّتْ أن يكون ما رأته كابوساً.. خيالاً شرّيراً تسلّل من ضجيج الساهرين.‏

ولكنَّ الأشلاءَ الآدمية المتناثرة هنا.. وهناك، ما زالتْ تنتفضُ، تحنّ إلى أجسادِها، وتخفتُ ارتعاشتها حتى الانطفاء.‏

تقفزُ ريتا مذعورةً، تذرعُ الغرفةَ بخطواتٍ ثقيلةٍ، وتتساءلُ عنْ معنى فرحِهم، وهذا الألمُ المميتُ يحاصرُ بشراً مثلهم في مكانٍ ما؟!، أيرقصون وغيرهم يتلوّى من الألم؟!‏

عَبرتْ سماوات شاسعة، وقطعتْ غيوماً عالية، وخَلّفتْ وراءها بحاراً ومحيطات، واندستْ في زحام غزة، لتقرأ في وجوه أهلها يقيناً لم يُطمسْه غبارُ الدمارِ، ولم يُحجبهْ دخانُ الحرائقِ، فَفَرحتْ كثيراً ريتا.. كيفَ وصلتْ روحُكِ إلى هذه الطمأنينة الباهرة؟!..‏

وكيف هوتْ في مُستقرها دون خوف؟!..‏

كانتْ سماءُ غزّة أقرب مما ينبغي، وشمسها تنثر الدفء الحميم في الشوارع المزدحمة، وأهلها في سعي دؤوب. يبيعون، ويشترون، ويضحكون، ويتخاصمون، فمشت بينهم دون خوف.‏

**‏

هَذه ضالتُك يا ريتا.. هنا يصبحُ لحياتك معنى، وتَشْتعلُ الروحُ برغباتِها الجامحة.. أُدخلي في جنونِ صخبَهم، إِنهمْ يَكيدون كيداً جميلاً.. هم لا يعلّقون أوراق التقويم على جدرانِ غرفهم المسكونة بالموت، فَمنْ يقشعُ الورقةَ التالية إذا ما حانَ قطافها؟.‏

هذا الصباحُ لك يا ريتا.. خُذي قِسطاً من الفرح قبل أن تبدأي مهمتك المؤلمة. تعلّمي –ممن حولك- كيف يختلِط النشيج بالزغاريد؟ وانظري إلى ذاك الصغير الذي يَدعكُ أَنفهُ باكياً، بين هديرِ الجرّافات المتوثّبة لهدم بيت أهله، ها هو ذا يَجُد وقتاً كافياً بين الشهيق والزفير، ليطارد حلماً جميلاً بين جدران غرفته القصيّة.‏

اقتربي يا ريتا.. اقتربي منهم أكثر.. فكّي طلاسم كيدهم، وادخلي في جنون صخبهم، كي لا يطول انتظارك.‏

***‏

شقّتْ ريتا طريقَها وسطَ الجمعِ المتحفّزِ، وهدير الجرّافاتِ يُزيدُ اشتعال الغضب. توجّهت نحو الصبي، وجَثتْ أمامه. ضمّته إلى صدرها بقوّة، نَظَرَ هو في وجهِ الفتاةِ الشقراء القادمة من بعيدٍ، وفي عينيهِ بريقَ اعتذارٍ طفولي. مَسَحَتْ دموعهَ بيديها، وقد رَاعَها أنْ يَمْلُكَ هذا الصغيرُ كلَّ هذا الصبرُ الجميل. قبّلته، وتَمْتَمَتْ: تبّتْ أياديِهم، ليتني أستطيعُ أنْ أفعلَ شيئاً مِنْ أجلِكَ!!.. الجرّافات تَقْتَرِبُ من المنزل، وجسدها يرتعش، والصغير ينشج بمرارة، و.. لكنْ لا بدَّ أَنْ أفعلَ شيئاً، ومَرَقَتْ كالسهمِ بينَ الجنودِ الغزاة، لمْ تُرْهِبْها صرخاتهم المحذّرة، ولا صرير آلتهم الغبية.. دَخَلَتْ إلى منزل الصبي لِتُنْقِذَ بعضَ أشيائهِ الحميمة، ومَرّتْ بضع ثوان قبل أن تهوي الجرّافات على سطح المنزل، لتحيله إلى خراب على جسدِ ريتا!!.‏

*‏

نَهَضَتْ ريتا من موتِها، ونَفَضَتْ غبارَ الدمارِ عن جسدِها اليافع، ومَسَحَتْ الدماء عن رأسها المهشّم، وسارت نحو الصغير لتقدّمَ له غنائم كبيرة تمكّنتْ من إنقاذها. أعطته حقيبة المدرسة، وصور العائلة، وابتسامة بحجم السّماء، وعادت إلى موتها راضية مرضية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244