جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ناديا خوست.. تشيد مملكة الصمت وتدمرها ـــ سامر أنور الشمالي

(مملكة الصمت) "1" ليس مجرد عنوان مجموعة قصصية، بل هو كيان متخيل، مبني بفنية عالية، شيدته الأديبة الدكتورة (ناديا خوست) بجغرافيته المكانية، وأبعاده الزمنية، وأناسه في علاقاتهم الاجتماعية. وعبر هذا العالم تشكلت قصص الكتاب؛ وإن كانت بعض القصص خارج المملكة، سواء كانت على حدودها القريبة أو البعيدة.‏

((حول ملكة الصمت)).‏

على الرغم من أن المؤلفة تصرح بسبب تسميتها للمملكة منذ الصفحات الأولى: (ليس الصمت المطلوب في مملكة الصمت من الخوف، بل من الرغبة في الراحة والهدوء.ص7). فإنني أجد أنه من الممكن أن توجد أسباب أخرى، مثلاً: سميت مملكة الصمت بذلك ـ برغم أن أبطالها ليس لديهم ما يفعلونه غير الكلام ـ لأن صوتهم غير مسموع خارج أسوار مملكتهم؛ أو لأن لغتهم غير فاعلة، بل هي لغة رتيبة في فضاء ثابت. وربما لأن مملكة الصمت موئل الأموات، أي في حال نقيض لمملكة الصخب التي يقيم فيها الأحياء.‏

ومن الجدير بالذكر أن الكاتبة لا تعادي الموت في كتابها، بل تقدمه كزائر لطيف لابد من قدومه: (هادئة كسماء رائقة، دون رعشة في القلب، دون لهفة دون شوق. كان ذلك هو الموت!ص 116). فالانتقال إلى مملكة الصمت ليس طقساً مفجعاً للميت الجديد أو للأموات القدامى، بل هو طقس احتفالي واحتفائي: (جفف جهاد دموعها مسرعاً. وخرج من مكانه الضيق.. فهم أنهم كانوا ينتظرونه من زمان! ص72).‏

وبرغم أن الكاتبة تكاد تكون خصصت الكتاب بمجمله عن الحياة بعد الموت، فإنها لم تشر إلى نعيم الفردوس أو عذاب الجحيم؛ فالحياة بعد الموت لديها على الأرض أيضاً. وربما لهذا السبب ترى أن الإنسان يتعرض لأزمة وجودية في كلتا الحالتين: (توقف برهة عند البوابة. هل يودع الأمس الذي امتد على حياته؟ هل يودع المدينة التي لم تودعه؟ لا مجال للعتب أو الحزن! فالعالم الجديد، أيضاً، لم يرسل موفداً لاستقباله!ص197). وهذا المصير الإنساني الفجائعي تجعل الكتاب يقترب كثيراً من عوالم التراجيديا القديمة.‏

وفي مملكة الصمت، تقدم الكاتبة الموت ضمن زوايا مختلفة: (هل كان موتها نهاية جيل أم نهايتها هي، أم نهاية زمن واحد فقط هو زمنها؟ ص97).‏

((علاقة مملكة الصمت بما يجري خارج أسوارها))‏

سكان مملكة الصمت مخذولون من عالم الأحياء؛ حتى أن الأحياء قد لا يشيعون الميت إلى قبره كواجب أخير تجاهه: (تركوه فكشف الغطاء ونهض، وأكمل طريقه الطويل ماشياً. ص195). وحتى إذا قام الأحياء بالدفن، فقد يقومون به كيفما اتفق لأنهم في عجلة من أمرهم، أو لأنهم لا يريدون أن يظلوا طويلاً في مكان التي لا ينتمون إليها: (تركوها دون شاهدة من حجر تربط عليها غصون الآس! ص129). بل قد يسرع الأحياء في دفن الميت إذا كان هذا الموت ضرورياً لهم: (حاولت أن أدفع غطاء التابوت كي أعلن الحقيقة للسائرين في الموكب، فوجدته مغلقاً بالمسامير والأقفال. ص47). وعادة القبور لا تغلق بغير المسامير، ولكن أضيفت الأقفال كي يضمن الأحياء عدم عودة الميت الذي لم يعد منهم.‏

وكثيراً ما نلمح في قصص أخرى رفض الأحياء التواصل مع الأموات. لهذا لم تكن علاقة الأموات بالأحياء علاقة جيدة، لذلك حدث الانقطاع بين مملكة الصمت وما خارج أسوارها: (لم يكن أهل مملكة الصمت يخرجون من أسوارها. ولم يعرفوا الشوق إلى حياتهم الأولى إلا في بداية أيامهم ص52). بل لم يكونوا يعرفون عما يجري خارج أسوار المملكة إلا عبر أخبار تصلهم من الأموات الذين يصلون للمقبرة تباعاً: (كانت المعلومات تصلهم فيعرفون مصير الأبنية التي شيدوها، والمكتبات التي اشتروها وجمعوها، والبلاد التي حرروها، والأنهار التي اجتازوها، والأشجار التي زرعوها، والأسوار الشاهقة التي رفعوها، والأسواق التي غطوها. ولو لم يجتازوا العتب والحزن، لتردد من المقبرة نواح يوقظ الأحياء!ص9).‏

والعلاقة المباشرة بين عالم الأحياء والأموات كانت تقتصر على أن يأتي الأحياء إلى المقبرة لزيارة قبور من رحلوا عن عالمهم: (تفرج الموتى من خلف ستائرهم الشفافة على تلك الزيارات. وراقبوا الحزن الطري، والحزن الجاف، ولاحظوا غيرة الأحياء من راحة الموتى الذين تركوا الهم لمن بقي في الحياة.ص129). وهنا نجد أن الكاتبة ترى أن الأحياء مثقلون بالحزن بعكس الأموات الذين يرتاحون من عناء الدنيا وهمومها: (لم يكن الموتى يتجولون في مملكتهم في أيام الأعياد إلا بعد أن ينصرف الزوار، وتغلق البوابات. وكانوا يبكرون بجولتهم في المساء في تلك الأيام، كي يتأملوا مملكتهم المزينة بالآس والزهر والريحان. ويوزعون في عدل ما أخطأ في توزيعه الأحياء.ص130).‏

ولكن هذه العلاقة الباردة بين مملكة الأموات وخارجها لا تظل بهذه البرودة دهوراً طويلة؛ فعندما يجد الأموات أن الأحياء لا يبالون بالتاريخ، يقررون التدخل؛ فإلغاء التاريخ من عالم الأحياء هو موت آخر للأموات، فهم الذين صنعوا الماضي بكل مافيه: (قبلوا ما اقترحه العقلاء: الخروج إلى المدينة في هدوء وحزم. ستتجمع أصوات النساء والرجال والأولاد في نداء واحد: "أفيقوا أيها النيام! الذاكرة التي تضيعونها ليست لكم، بل للزمان. ص19). ولكن الأحياء لا يرضون بحكم الأموات لعالمهم، فيقتلون الأموات، ليعيشوا حياتهم كما يشتهون: (انطلق الرصاص. رصاص لم يهطل حتى المطر في مثل غزارته في أيام الخيرات. فتطايرت العظام، وتمزقت الأكفان، ص20). وهكذا تنتهي ثورة الأموات دون تحقيق أي انتصار للأموات الذين يريدون صنع حياة جديدة، بعكس الأحياء الذين يطلبون الموت للمستقبل! وهذه المفارقات أتقنتها الكاتبة ووظفتها في العديد من قصص المجموعة.‏

ويبدو أن الكاتبة فقدت الأمل بالأحياء الذين ليس لهم أي اهتمام بالتاريخ الذي تراه المؤلفة أساساً للحضارة. لهذا انصرفت إلى تأجيج الثورات بين من يمثلون الماضي ـ أي الأموات ـ مستحضرة رموزاً تاريخية لشخصيات تاريخية، فحشدت في مجموعتها نسبة كبيرة من الأعلام. في إدانة ضمنية إنه لم يعد من يوازيهم في الزمن الحاضر المثقل بالخيبة: (كل من دافع عن هذه البلاد، وأعاد القادة المنتصرين كي يكرروا نجاحهم، والقادة المهزومين كي يحاولوا الانتصار، وتناسي الأخطاء الصغرى التي فرقت الأصحاب والأقرباء. جمع من الأزمنة الطويلة كل من استطاع. نادى حتى أسراب الطيارين وطواقم الدبابات. ولم يختلف أحد من شيوخ القسام حتى الجنود الصغار والفدائيين الشباب. وبينهم كانت فتيات بالبنطال ونساء بملابس مطرزة وأغطية بيضاء. وجمع المحكومين بالإعدام. مشى الحشد مهيباً جميلاً.ص35). وإذا كانت نهاية هذه القصة مفتوحة على بعض الأمل، حيث لا تنتهي ثورة الأموات بموتهم. فإنه يظل أمل قادم من مملكة الأموات! وهذا يجعلنا نتساءل: ماذا تستطيع ثورات الأموات أن تقدم لمسيرة الحياة!؟!..‏

((جغرافية مملكة الصمت))‏

يبدو أن (د.ناديا خوست) فقدت الأمل بما يصنعه الأحياء في مدنهم، فانتقلت إلى المقبرة، بعدما شعرت أن مدن الأحياء لم تعد مكاناً للأحياء بعدما فقدت المدن ماضيها البهي. حيث يبرز الماضي دائماً في المجموعة بصفته الزمن السعيد الذي ولى: (المدينة كانت صغيرة، وجميلة، وخضراء، والأرصفة تسع الناس.ص93). ولكن في الزمن المعاصر تحولت المدينة إلى آلة مدمرة: (قلب أهل المدينة كل شيء إذن. احرقوا ذاكرتهم كلها. نبشوا الأرض، هدموا البيوت، بدلوا الطرقات، نزعوا كل ماكان جميلاً ووضعوا في مكانه كل ماهو قبيح.ص60). لهذا بررت الأديبة أن تجعل المملكة ملاذاً آمناً، حتى للأحياء: (رأى الناس يردمون البحر ويقصون الجبال ويدفنون الأنهار ويقطعون الأشجار، ينهشون الحياة قبل أن ينهش أحدهم الآخر. فأمسك بيد الفتاة، واستدار إلى مملكة الصمت.ص84). وهذه الرؤية جعلت عيش الأحياء أشبه بالموت الفعلي، لذلك تبرز مملكة الصمت كرد على مدن الأحياء التي لم تعد تجد أن العيش فيها جديراً بالحياة: (في المملكة التي رتبوها حتى أ صبح حلم الأحياء أن يجعلوا مدنهم مثلها. ص55). وتأكيداً على هذه الرؤية نجد الوصف المبالغ به لمملكة الصمت: (هذه القطعة الصغيرة من الأرض هي مملكة الحكمة ص7). وهذا يجعل مملكة الصمت يوتوبيا، طالما هذه الحكمة مشاعة لجميع قاطنيها: بل و:(يكتسب فيها حتى المجانين العقل، ص8). بل هذه الحكمة تأتي لسكان مملكة الصمت بمجرد أن يتخلص والجها من رواسب الحياة: (ثم شفيت كما يشفى سكان مملكة الصمت!103). عندئذٍ يبدو من الطبيعي أن يعيش هؤلاء الحكماء في مثالية، بعكس ما يحدث خارج أسوارها: (وهنا على تخوم المدينة يستطيعون أن يجتمعوا وأن يتحدثوا في حرية. أن يلوموا وأن يعتبوا على من ضيع الزمان. هنا يستطيعون أن يستمروا في عداواتهم عدوهم، ويستطيعون أن يكرروا ما يمحى من الكتب والخطابات والجرائد والإذاعات.ص72).مع التنويه أن المؤلفة أكدت أن العداء في مملكة الصمت لا وجود له؛ فإذا كانت الأديبة تقصد العدوات السياسية فإنها بذلك تقسم مملكة الصمت إلى تكتلات سياسية لم نجدها في أروقة مملكة الصمت!! وثمة تناقضات أخرى تبرز في تصور الأديبة للمملكة، وسبب ذلك يعود لعدم صياغة رؤية شمولية لمملكة الصمت. وقد يبدو ذلك مبرراً، طالما الكتاب يحتوي على قصص قصيرة، أي لا يضم قصة طويلة واحدة.‏

((زمان.. مملكة الصمت))‏

زمن هذه المملكة هو مجازي أو افتراضي طالما هذا الزمن لا يحدث أي تغيير حالي أو مستقبلي سواء على المستويين القريب أو البعيد: (وصلت إلى زمن تستمتع فيه بسماء الليل، حرة الخطوة تتجه حيث تشاء. غير مربوطة بانتظار الزوج والابن وبمواعيد الطعام وملعقة الدواء.ص6). وإذا وصف هذا الزمن فبعد غياب الشمس، وهذا هو الزمن الشائع في الذهنية العامة عندما يكون الحديث عن الأموات في المقابر: (تنقل المنادي في المقبرة: انهضوا أيها الموتى، انهضوا! فجمعوا أطراف أكفانهم، ونهضوا في أول الليل والقمر يسري في السماء.ص5). ولكن أ وقات الظلام في المقبرة لم تجعلها المؤلفة مخيفة كما هو شائع: (كان المشهد جميلاً فالقمر بدر، وظلال السرو القليلة مرسومة على الأرض، ومثلها ظلال الشواهد، وبين ذلك تتحرك في هدوء ثياب بيضاء فضية، ص10). بل تكثر الأديبة من إضفاء الأوصاف الجميلة على المقبرة: (كانوا يتنزهون أمس منصرفين إلى ضوء القمر في مملكة الصمت، ص100).‏

وإذا أردنا تصنيف زمن مملكة الصمت فسنلحقه بالزمن السابق طوال الوقت؛ فالأموات يقضون وقتهم في دائرة زمنهم الماضي: (يستنتجون في تلك الأمسيات ماكان يجب أن يستنتجوه في الحياة.ص9). فهم بعد خروجهم من حيز زمن الأحياء الفعلي يكتشفون الأبعاد الأخرى لما كان يجري في الزمن السابق الذي عاشوه. وهذا اكتشاف حيادي طالما الأموات لا يقدرون على التغيير أو الفعل: (كان الرجال والنساء يخرجون إلى الليل منذ تبدأ العتمة. ويستمعون بما فاتهم في الحياة، ص 51). وبرغم أن الأموات فقدوا الإحساس بالمتعة حسب تأكيد الأديبة في عدة قصص، فإنها وصفت فعل المتعة للزمن الذي فقده الأموات عندما كانوا يعيشون، وذلك للتعبير عن أن الزمن الضائع هو زمن مقبول للأموات لأنه زمن ميت، مثلهم (فالموتى نجوا مما يهدد به إنسان: الضرب، والعذاب، والمنع من السفر والعمل، ومصادرة الأموال والأملاك. ص7). فهم لم يعد لديهم ما يعيقهم طالما هم خارج الزمن (إن الذين هاجروا أو تغيروا هم الأحياء. أما الميت فما يزال في مكانه، ص 10).‏

وخلال سنوات عديدة تطورت ذهنية الموتى مع أن المؤلفة أشارت في أماكن عدة إلى أنهم لا يتغيرون: (في تلك الأمسيات كان الموتى يزدادن ثقافة ومعرفة، ص 9).‏

((سكان مملكة الصمت وأحوالهم))‏

أغلب الأموات الذين تبرزهم المؤلفة هم الذين ماتوا ميتة غير طبيعية؛ لا سيما الذين ماتوا لأنهم لم يعودا يتحملون هموم الحياة: (مت من القهر‍! ص 57) . أو ماتوا لأن الحياة لم تحقق لهم ما أرادوا فانسحبوا منها: (يوم رأيت ذلك الفاشل وانتبهت أنه يمسك القدر، شعرت بأن ريحاً عاصفة تجرفني. عدت إلى البيت ومت. ص 58). وقد يؤازر هذا النوع من الموت عارض جسدي يدل على تعب الجسد وتداعيه: (كانت الأيام مضطربة، فتساقطنا بالجلطة واحداً إثر آخر. ص 58). كما قد يكون الموت قتلاً، أي أحياء يقتلون أحياء، فاستمرار الحياة في المجموعة قد يكون على حساب موت أحياء آخرين سواء على صعيد الأفراد أو الجماعات: (تتذكر زهرة أن البلد كلها تحدثت عن شاب ذبح أخته في حديقة عامة ص 140). و(كان قصفاً من بوارج غريبة، أم كان قنابل رمتها الطائرات. في لمحة كالبرق لم تعد موجودة، ص 97). كما يبرز موت الانتحار: (اجتمعت حولها النساء. وقلن لها: أحرقت نفسك.. مجنونة! منذ عشرين سنة لم نعد نستعمل هذه الطريقة للخلاص! ص 6). مع التنويه بأن المؤلفة لم تلغِ الموت والانتحار في مملكة الصمت سواء خرج إلى حيز التنفيذ أو لم ينفذ: (لو كان حياً لانتحر! ص 61). (حاولت أمك الانتحار. لكنها لم تستطع الموت مرة ثانية ص 47).‏

وبعد الانتقال من عالم الأحياء تتبدل الشخصية الإنسانية، فالأموات لا يحملون الأحقاد التي يبدو أنها مقصورة على الأحياء: (أعاد الموتى الرؤوس التي علقت على أسوار دمشق وعلى أبواب دمشق، إلى الأجسام التي دفنت وحيدة.‏

وحرر المصلوبون. ترك الموتى الأحقاد في الدنيا، تركوا الأملاك والبيوت والأثاث، وكل ما سفكوا فيه الحياة، وما قتلوا لأجله الأعزاء، واغتالوا لأجله الاخوة، وغدروا لأجله بالمستجير. في مملكة الصمت لا ملك ولا سيد ولا عبد. ص 18).‏

لهذا ليس عجيباً أن تربط الأموات علاقات إنسانية متينة، حيث: (وحدة المجموعة التي لا تفرقها أحقاد أو أملاك. هنا كثيراً ما يجتمع الرجال والنساء من عدة أجيال، ويلتقي من عاش قبل خمسمئة عام بمن عاش قبل خمسين سنة. وتجمع من ذكرياتهم أمسيات تمتع المتنزهين والمستمعين. ويحكي الرواة في رشاقة وسلاسة، كأنهم يروون حكاية حدثت لآخرين وليسو هم أبطالها. ويصفون البلاد والأشجار التي كانت موجودة، والطرقات والخانات. وبعد تلك الأمسيات لم يكن أحد الحاضرين يتمنى العودة إلى المدينة الموجودة الآن خارج الأسوار. ص8). ففي مملكة الصمت عالم مثالي من الروابط الإنسانية السامية التي تقصرها المؤلفة على أمواتها: (أنساب الكلام في هدوء. كان الاجتماع يليق بأولئك الرجال والنساء. رصينا دون تصفيق، دون مقدمات، دون رغبة في رضا من يتحدثون إليه. فبدت اللغة نقية كأنها الماء النظيف. وسمعت كل كلمة تقال من أقصى المقبرة إلى أطرافها المقابلة. ص 11). ونلحظ في مملكة الصمت مساواة حقيقية بين الرجل والمرأة أو الصغير والكبير: (لم توجد هناك حواجز بين النساء والرجال. ففي اللقاء يتجاورون لا فرق في السن والجنس. ص9).‏

وهذا المكان الذي يسوده العدل والمساواة يكاد يصبح يوتوبيا: (لو استعملت مصطلحات الأحياء لقيل إن الجنسية الجديدة ما كانت تمنح لهم بالموت فقط والعبور من مملكة إلى أخرى، بل بالعبور الآخر من عالم الصغائر المنهكة إلى عالم الحكمة، ص 52). ففي مملكة الصمت تسقط الأقنعة وتبدو الحقيقة بجلاء دونما زيف: (في مملكة الصمت عرفت أنصاف الحقائق الأخرى، ص 149). حيث يلتقي كل الناس من مختلف العصور ويتحاورون فيعرف الأموات الحقائق التي قد زورها الأحياء لغايات آنية شخصية محدودة بزمنهم: (في مملكة الصمت عرفت الصفحات الضائعة! ص 153).‏

وبرغم أن المؤلفة أكدت كثيراً أنه لا يوجد ثمة تفاوت في المملكة فأننا نلحظ إشارة تبرز الفارق الطبقي في المملكة: (الأغنياء الذين خطفوا منه يومه الأخير، والفقراء المحتفين بهم! ص 197). ومثل هذه الهنات موزعة في المجموعة ولا تكاد تبين لولا تقصيها. وأيضاً توجد إشارة لتفاوت ولو محدود في القدرات العقلية. وهذا جعل ثمة نوع من النخبيوية وإن كان متواضعاً: (قدم الضيوف إلى الصف الأول يقف العقلاء والحكماء. لكن الجميع كانوا متساوين في الكلام. بينوا في دقة واختصار ما تعاني منه مملكة الصمت. ووصلوا مشكلة الفرد بالجمع، فظهرت جمهورية عظيمة أهلها حكماء. ص 12.‏

وبرغم أن الكاتبة أشارت أكثر من مرة أن الأموات يعيشون دون أعباء المشاعر والأحاسيس التي يعاني منها الأحياء، فإنها أبقت على شيء منها؛ لا سيما تعلق الميت بوطنه الذي يحزن على مآسيه ويغضب لتراجعه. والعلاقة التي تربط الرجل بالمرأة، (رفعت غطاء التابوت وأطللت منه وقت سمعت صوتاً يشبه صوتك! ص 126). ولكن علاقة الرجل بالمرأة داخل أسوار المملكة تكون مختلفة كثيراً عما هي خارجها فلا مجال في المملكة للحب، وذلك لأن الحب له جانب جنسي، وهذا الجانب يولد الحياة وهذا ما يناقض طبيعة مملكة الصمت: (ها نحن التقينا أخيراً! يكاد يشعر بالحزن وهو يردد: هنا؟! ضيعنا هناك، لنكسب هنا؟! ابتسمت. الحزن ممنوع هنا، وكذلك الندم! ص 128). وهذا يجعل علاقة الحب في مملكة الصمت علاقة غير ساخنة، بل باردة ومنطفئة: (وتبعها صامتاً. تذكرت أنه في مملكة الصمت، مثلها، برداء أبيض، مثلها. ص 140). أي أنهما لا يستطيعان تبادل الحب كما ينبغي، فالأجساد ميتة، وإن بقيت –النفس أو الروح –كظل للجسد في المملكة. وربما فقدان الحب بكل ما يتعلق به من فضاءات هو أحد الأسباب التي جعلت الأموات يضيقون بموتهم: (مشى معها تحت السرو، وعبرا أشخاصاً بملابس بيضاء ناصعة. ثم توقف. لا توجد أمكنة في مملكة الصمت تجمعهما! لا نهر يجلسان على ضفته، ولا سكة قطار تمشي أمامها وهو يتبعها! ولا صخور يخيل إليها أنه نزل من كهوفها! آه كانت الحياة التي تفرقهما هي التي تجمعهما! خسراها ولن يكسبا هذه! من يستطيع أن يكسب الموت!‏

أغمض عينيه. لو تعود تلك الأيام.. لو تعود المدن المفقودة! ص167). فالأموات ظلوا يشبهون الأحياء، بل ويتوقون إلى الحياة: (لا يعرف بعد أن ما حرما منه في الحياة لا يستعاد! لا يستعاد شيء أبداً في مملكة الصمت! رفعت عينيها لتبتلعا الدموع، وعندئذ فهم أنه في سجن واسع، لا مخرج منه.. ص 176).‏

((نهاية مملكة الصمت))‏

الدكتورة (ناديا خوست) تعرف جيداً أن ممالك الأحياء تنهار لهذا جعلت مملكة الموت تنهار أيضاً، أي جعلت لهذه الكلمة عمراً برغم أنها أكدت أنها خارج الزمن: (أن مملكة الصمت لم تعد تشفي القادمين إليها. ألم يسمعا مرات بكاء رجال ونساء على البيوت التي تركوها، والأموال التي خبئوها؟ ألم ير أنهم حتى بعد أن اجتازوا العتبة إلى مملكة الصمت لم يأسوا على الحياة التي ضيعوها، بل على الأشياء التي جمعوها، والمتع التي قطفوها، والأحقاد التي لم يطلقوها؟ ص 49). وعزت المؤلفة السبب الرئيسي للانهيار إلى الموتى الجدد؛ وهذا يؤكد طروحات المؤلفة في أنها تجد الزمن الجديد هو زمن الخيبة، بعكس الزمن الماضي: (يجهرون بالرغبة في أن يجعلوا مملكة الصمت الشفافة كالدنيا المعتمة خارجها. ص 50).‏

وعندما يشعر الموتى بأن مملكتهم لم تعد عالمهم يفكرون في الهروب والخروج خارج أسوارها التي جمعتهم بينها لدهور عديدة، وهذا يؤدي في البدء إلى أول انقسام في مملكة الصمت: (الأيام الجديدة استقدمت الأشواق القديمة، عرفت مملكة الصمت الصراع الأول يوم انقسم سكانها إلى راغبين في الخروج منها وإلى من ينبه إلى قوانينها الرصينة. ص 53).‏

وهذه العوامل انعكست على الهيكلية القانونية للمملكة: (عجز مجلس مملكة الصمت عن حماية ما يميز المملكة التي كانت في أيامها الماضية هادئة، يحترم فيها ما تجرفه الحياة خارجها. كأن ريحاً استقدمت إلى المملكة نمطاً جديداً من الموتى. 49). بل قد يكون المجلس أهم أسباب انهيار المملكة: (كان أول من أظهر الرغبة في الخروج وحرض عليه مجلس المملكة! ص 53.‏

وهكذا خسر الأموات مملكتهم الخاصة: (لم تعد مملكة الصمت التي رتبوها بلادهم. أصبحت بلادهم المدينة التي لا يحكمونها! 53). ولكن الأحياء يرفضون أن يقاسمهم الأموات بلدانهم: (وحدث مرات عديدة أن عاد الأحياء أولئك الموتى بالقوة ورموهم خلف البوابة. ص 56). مع العلم أن الأموات الذين خرجوا فقدوا كل شيء: (خسرتم مملكة الصمت ولم تربحوا الدنيا ص 61).‏

وأخيراً تموت مملكة الصمت لتتحول إلى أطلال يفتقدها الأموات: (يا لتلك السنوات الشفافة التي عبرها في مملكة الصمت! قبل أن تتبدد تلك المملكة ويفقد آخر أصدقائها. ص 49). أما موت الأموات فيها فيبدو نهائياً: (كأنهم ماتوا موتاً لا عودة منه، ص 58).‏

ولم تفلح الأمنيات في إعادة المملكة التي لم تخل من مصلح حقيقي: (مع من سيحلم باستعادة مملكة الصمت؟ ص58) وحتى هذا المصلح يخسر المملكة عندما غادرها لمدة وجيزة ليكشف حقيقة الخراب عله يقدر على إنقاذ مملكة الصمت من موتها الوشيك. ولكن حارس المقبرة الحي منعه من العودة: (سيريحكم ويريحنا أن تبقوا أفراداً موتى! ص 62) وبذلك تبلغ التراجيديا ذروتها في الكتاب.‏

بل ما حدث في مملكة الصمت لم يكن غير انعكاس لمملكة الأحياء؛ بل هذه الكلمات كانت قراءة لممالك الأحياء من وجهة نظر (د. ناديا خوست) التي حملت مجموعتها رموزاً أخرى قابلة للبحث والتحليل: (أغلقت مملكة الصمت وطويت من الذاكرة كما تطوى مدن الشرق! ص 60).‏

المرجع: ناديا خوست –مملكة الصمت –منشورات اتحاد الكتاب العرب 1997.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244