|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
هاينريش بول حامل نوبل للآداب ـــ ت.عدنان حبّال هو روائي وقاص ألماني يتمتع بشهرة عالمية ولد عام 1917 في مدينة كولونيا، الواقعة على نهر الراين والمعروفة بكاتدرائيتها الضخمة، بعد أن أنهى تعليمه الثانوي سيق إلى الخدمة العسكرية، وشارك من 1939 ـ 1945 في الحرب العالمية الثانية، حيث خدم في عدة جبهات، وجرح أكثر من مرة، بعد أن انتهت الحرب عاد إلى مدينة كولن المدمرة، فاستقر فيها، وبدأ نشاطه الأدبي في عام 1946، وأخذت بواكير قصصه تصدر في الصحف والمجلات بين 1946 و1948 وفي عام 1949 صدر كتابه الأول وهو قصة "كان القطار نظامياً" تلتها في عام 1950 مجموعته القصصية الأولى: "أيها الجوّال، هل تأتي إلى أسبا؟." وفي عام 1951 صدرت روايته الأولى: "أين كنت يا آدم"، ومنح أول جائزة أدبية هي جائزة "المجموعة 47"، ثم تتالت الإصدارات الروائية والقصصية، فصدرت رواية "ولم ينبس ببنت شفة" عام 1953، ورواية "بيت بلا راع" عام 1954، ورواية "بليارد في التاسعة والنصف" عام 1959، ورواية "وجهات نظر مهرج" عام 1963، ورواية "صورة جماعية مع سيدة" عام 1971، ورواية "شرف كاترينا بلوم الضائع" عام 1974، ورواية "الحصار من قبيل الرعاية" عام 1979، وكان آخر أعماله الروائية "نساء أمام منظر طبيعي لنهر" وقد صدرت عام 1985، وهو العام الذي توفي فيه هاينريش بول. إضافة لهذه الروايات كتب هاينريش بول عدداً كبيراً من القصص والتمثيليات الإذاعية والمقالات وله عدد كبير من الخطب والمقابلات الصحفية التي اتخذ فيها مواقف من أحداث عصره. منح هاينريش بول كثيراً من الجوائز الأدبية، الألمانية والأوروبية والعالمية، ومنها "جائزة نوبل للآداب" التي نالها عام 1972، وانتخب رئيساً لنادي القلم ـ الألماني والعالمي من 1971 ـ 1974 عاصر هاينريش بول الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية والثقافية في بلاده في العالم مشاركاً ومنتقداً ومتخذاً المواقف الجريئة، ومن أشهرها موقفه من "قوانين الطوارئ" الألمانية في عام 1968، وموقفه من حملة المطاردة البوليسية الموجهة ضد من اتهموا بالتعاطف مع جماعة "بادر ماينهوف" اليسارية الإرهابية في مطلع السبعينات ومشاركته في محاصرة "قاعدة موتلاجن" العسكرية الأمريكية التي خزّنت فيها الصواريخ المزوّدة برؤوس نووية. لم يترجم من أعماله إلى العربية إلا رواية "شرف كاترينا بلوم الضائع" التي صدرت ترجمتها إلى العربية عام 1990 ضمن منشورات وزارة الثقافة بدمشق، وقصص قصيرة متفرّقة، نشرت في المجلات الأدبية وكتب المختارات القصصيّة، وقد اخترنا منها: على الجسر رمموا لي ساقي ودبروا لي وظيفة أبقى فيها قاعداً على كرسي أعد الناس الذين يعبرون الجسر الجديد، فهم يحسون بالسرور عندما يرون اجتهادهم يتحول إلى إحصائية، بل وتغمرهم النشوة وهم يستعرضون الأوراق التي لا تحتوي إلا على بعض الأرقام. صرت أقعد طوال النهار، طوال النهار ولا يلهج فمي الأخرس إلا بذكر رقم بعد رقم، مثل عداد آلي. حتى يتجمع لدي في المساء إنجاز إحصائي أقدمه هدية لهم فتشرق وجوههم وأنا أتلو عليهم نتائج عملي لكل وردية. وكلما ارتفع الرقم الأخير الذي أحضرته طفحت سحناتهم بمزيد من البشر، وصار من حقهم الخلود إلى نوم هادئ بعد أن علموا أن الآلاف من الناس يعبرون يومياً جسرهم الجديد... لكن إحصاءهم غير دقيق، وآسف لقولي إنه إحصاء مغلوط كما اعترف بأنني لست أهلاً لثقتهم رغم كل ما أتقنه من إعطائهم انطباع الطاعة والولاء. والحقيقة أنني أستمتع عموماً بإغفال عدّ أحد المارة عمداً، لكني أعوضهم عنه بعد قليل متعاطفاً معهم، فأهديهم بضعة أرقام إضافية بالمجان... إن سعادتهم ملك يدي، فإذا كنت حانقاً لسبب ما أو مجرداً من السكائر، توقفت عن العد وسجلت الرقم الوسطي المعتاد وأحياناً رقماً أقل منه، أما إذا كنت راضياً ويخفق قلبي مسروراً منحتهم بكرم ودون مقابل رقماً خماسياً دسماً، يدخل السعادة إلى قلوبهم، فيختطفوا كل مرة النتيجة من يدي وتلمع عيونهم وتضرب أيديهم برفق على كتفي دون أن يساورهم أدنى شك في صحتها، ثم يبدؤون يجرون حساباتهم ضرباً وتقسيماً واستخراج نسب مئوية لا أدري ماذا تعني، لكنهم يحسبون عدد المارة الذين يعبرون الجسر الجديد كل دقيقة ثم يحسبون ما سيكون عليه هذا العدد كل ساعة وكل سنة وبعد عشر سنوات، يعشقون الحسابات المستقبلية بعيدة المدى. أنا آسف لأن نتائجهم كلها غير صحيحة بالأصل، فعندما تمر محبوبتي الصغيرة فوق الجسر، وهي تفعل هذا مرتين يومياً، يتوقف قلبي في صدري ويختفي صوت ضرباته التي لا تكل عادة ولا تمل ثم يعلو بعد أن تختفي المحبوبة خلف زاوية الشارع العريض، وخلال هذه الفترة يختفي من قائمتي عدد المارة الذين عبروا الجسر. إن هذه الدقائق ملكي الخاص، إنها لي وحدي ولا أسمح لأحد أن يأخذها مني، وفي المساء أيضاً عندما تعود محبوبتي من محل البوظة الذي تعمل فيه وتمشي على الرصيف في مواجهة فمي الأخرس الذي لا يستطيع إلا أن يعد ويعد، يتوقف قلبي ولا يستأنف ضرباته إلا بعد غيابها تماماً عن ناظري والناس كلهم الذين حالفهم الحظ فعبروا الجسر تلك الدقائق أمام عينيّ المعميّتين عنهم نجوا بأعجوبة من الخلود في عالم الإحصاء، وبقوا رجالاً ونساءً وكيانات بشرية تعيش في الظل ولا تدخل التاريخ أو تشارك في استعراضاته المنتظمة... واضح تماماً أنني أحبها، ولكنها لا تعلم، وأنا لا أريدها أن تعلم ولا أن تدرك أنها ترمي بالحسابات والأرقام كلها إلى المزبلة، أريدها أن تستمر تمشي أمامي إلى محل البوظة ببراءتها اللذيذة وبشعرها البني الطويل وبقدميها الناعمتين وأن تتلقى المزيد من إكراميات الزبائن.. أنا أحبها. واضح تماماً أنني أحبها.. المهم أنهم أخيراً راقبوني، فأسرع الزميل القاعد على الطرف الآخر من الجسر، والمكلّف بعد السيارات العابرة، يحذرني في الوقت المناسب، وصرت أعمل طبعاً بيقظة شيطانية وأعد الناس وأعدهم بجنون، بحيث أن عداد الكيلو مترات الآلي نفسه انتحى جانباً وراح يقارن أرقام المراقبة بأرقامي ساعة بساعة في برنامج التعداد، لم يكن الفرق بين النتيجتين سوى رقم واحد لا غير. ذلك أن محبوبتي الصغيرة عبرت الجسر في إحدى تلك الساعات، وأنا لن أسمح لهم ما دمت حياً بأن يدخلوها في عملية إحصاء مستقبلية، إن محبوبتي الصغيرة ليست رقماً يستخدمونه في الضرب والجمع أو التقسيم واستخراج نسب مئوية تتحول مع الزمن إلى لا شيء، لقد حز في قلبي أنني صرت أعد الناس يومها دون أن أستطيع متابعة الحبيبة بعيني وهي تمر أمامي حتى تغيب، ومع ذلك شكرت زميلي عداد السيارات هناك، فالقضية كانت تتعلق وقبل كل شيء بلقمة العيش وبقائي على قيد الحياة، وهكذا ربت رئيس مكتب الإحصاء على كتفي وقال أنني جيد ومخلص في عملي وأمين.. قال لي: ـ "لقد أخطأت برقم واحد في ساعة كاملة، وهذا لا يؤثر كثيراً في عملنا، لأننا نكتفي بالنسب المئوية مع هامش مرونة محدد.. إنني أقترح نقلك إلى قسم تعداد عربات الجياد مكافأة لك على دقتك في العد...". وتعداد عربات الخيول عمل يحلم به الجميع.. إنه المتعة والازدهار بعد قحط، إذ لا يمر على الجسر يومياً أكثر من خمس وعشرين عربة حصان، ولا يطلب من الموظف إلا أن يسجل في قائمته رقماً واحداً كل نصف ساعة.. إنها وظيفة العز والسخاء والرفاهية، أضف إلى ذلك أنه ممنوع مرور العربات بالخيول فوق الجسر بين الساعة الرابعة والثامنة يومياً وهكذا أستطيع أن أتمشى على كيفي وأدخل محل البوظة وأقعد طويلاً أراها وربما أرافقها مسافة ما على الطريق إلى بيتها، تلك المحبوبة الصغيرة... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |