جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الديمقراطية والاستبداد أرسطو ـــ ت.محمود منقذ الهاشمي

مقدمة المترجم:‏

لا يزال المفكرون الأقدمون أمثال سقراط وشاكيموني وأفلاطون ولاوتزو وأرسطو يعيشون معنا في الكثير من أفكارهم، ويلهموننا الكثير. إنهم معاصرون لنا أكثر من كثيرين ذهبوا منذ عهد قريب وذهب معهم كل ألقهم. وإذا كان دانتي قد أطلق على أرسطو لقب "أستاذ العارفين" في عصر النهضة، فهو لا يزال "أستاذ العارفين" في هذا العصر. إذ يحرص الباحثون الآن في شتى فروع المعرفة على البدء منه، وتقديم تعريفاته وتحليلاته وآرائه ومناقشتها في كل موضوع تعرّضوا له بالبحث. وقد كان هدفي من كتابة المقالة البانورامية عن "أرسطو: المعلم الأول" إثارة الاهتمام بما قدّمه من أفكار مهمة رائدة في مختلف المجالات، وأشعر الآن بأنه لكي يتحقق هذا الهدف لابد من تقديم نص من نصوص أرسطو كذلك.‏

ويُجمع الباحثون الأوروبيون على أنه قد كان لفكر أرسطو الدور الأكبر في تكوين الفكر الغربي منذ أن تُرجمت أعماله إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر. ولكن مؤلفات أرسطو لم تُترجم إلى اللاتينية من الأصول اليونانية بل من الترجمات العربية. فقد تُرجمت إلى السريانية بين القرنين الرابع والثامن للميلاد، ثم تُرجمت إلى العربية في القرن التاسع لتوفّر الأساس الفكري لازدهار الثقافة العربية.‏

ويرى الدارسون المحدثون، وفيهم فرنر ييغر، أن نظرة القدماء إلى فلسفة أرسطو نظرة خاطئة، كانت المصدر لكثير من التخبط. وكانت من العوامل التي أدت إلى ذلك التصور الخاطئ تلك الصورة النمطية للفلسفة بوصفها حقائق أزلية أبدية منظمة تنظيماً منطقياً، وخاضعة لطبيعة الأشياء من دون أن تكون متأثرة بواضعها. ووصل أرسطو إلى العرب في العصور الوسطى، فنظروا إليه نظرة القدماء. وساعد على تثبيت هذه النظرة ما اتّسم به فكر العصور الوسطى من طابع منطقي يقوم على المعاني المجردة قبل قيامه على الوقائع الطبيعية. وإذا أضفنا إلى هذا أن العرب ـ والسريان قبلهم ـ قد ابتدؤوا الفلسفة حيث انتهى منها آخر فلاسفة اليونان، أي أنهم بدؤوا في تعلّمها عندما بدأ الأفلاطونيون الجدد يشرحون فلسفة أرسطو، فزادهم ذلك تشويشاً. ثم لم يكن تحقيق النصوص في ذلك الحين قائماً فنسبوا إلى أرسطو كتباً كثيرة كتبها اليونانيون بعده، وفيها مذهب أفلاطون ممزوجاً بمذهب فيثاغورس أو فيها المذهب الأفلاطوني الجديد أو فيها مذاهب جديبة ملفقة من مختلف المذاهب تلفيقاً ظاهراً. ومن الكتب المنحولة هذه كتاب "في العالم" و"كتاب التفاحة" و"كتاب الربوبية لأرسطو". وحتى الكتب ذات النسب الصحيح إلى أرسطو، كانت ترجمة العرب لها ناقصة مرتبكة متعثّرة وذات أخطاء فادحة. فلم تكن الترجمة في العصور الوسطى قد بلغت ما بلغته الآن، في أمثلتها الجيدة، من الجودة والدقة. ونحن العرب اليوم نعتمد في فهم أرسطو على الأوروبيين المعاصرين في ترجماتهم له وشروحهم وتحقيقاته. وهكذا ردّ الأوربيون الدين الذي كان عليهم للعرب في بداية تعلّمهم لفكر أرسطو.‏

وبالنظر إلى الاهتمام الحالي الشديد بموضوع "الديمقراطية والاستبداد" فقد اخترت أن أترجم لقارئ "الأسبوع الأدبي" هذا النص، وهو من الباب الرابع من كتاب أرسطو "علم السياسة". وفي هذا الكتاب يبرز أرسطو بوصفه علاماً لا منظّراً متخيلاً، فهو يصنّف أنظمة الحكم القائمة لكي يحللها ويبين أنواعها، ليستخرج بعد ذلك نظريته في الدولة على أساس هذه الأنظمة لا على أساس التفكير الرغبي والتمنيات. ومن الأمور التي تستوقف النظر في هذا النص أن الديمقراطية ليست في جوهرها "حكم الأكثرية" بل "حكم الأحرار"، "لأنه في الأنظمة الأوليغاركية، وفعلاً في كل حكم، تحكم الأكثرية". ولدى تأمّل هذه الفكرة نتذكر الكثير من أنظمة الحكم، ومنها، مثلاً، نظام الحكم النازي في ألمانيا: لقد كانت أكثرية الشعب الألماني هي التي تحكم البلد ولكن الناس لم يكونوا أحراراً بل عبيداً لهتلر. وكذلك ليس الجوهر في النظام الديمقراطي هو أنه يقوم على الانتخاب، وكما يقول أرسطو فقد "كان بين البرابرة ملوك منتخبون يمارسون سلطة استبدادية؛ وكان الحكام الطغاة يُنتخَبون قديماً في اليونان التي كانت تسمى هِلاّس ويُطلق عليهم الأيسمنتيين أي الدكتاتوريين". وإذا عدنا إلى مثال هتلر، فقد كان زعيماً وصل إلى الحكم بالانتخاب، ولكنه لم يكن ديمقراطياً. وعندما يحلل أرسطو أنواع الديمقراطية يصل إلى النتيجة التي مفادها أن الديمقراطية التي تستحق اسمها هي الديمقراطية التي تقوم على سيادة القانون، والتي يخضع لسلطة القانون فيها الكبار والصغار، العوام والخواص.‏

[الديمقراطية والأوليغاركية]‏

إن السبب في وجود أشكال كثيرة من الحكم هو أن كل دولة تشتمل على عناصر كثيرة. نجد أولاً أن كل الدول تتشكل من الأُسر، ولابد في العدد الغفير من المواطنين من أن يكون بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، وأن يكون بعضهم متوسطي الحال؛ والأغنياء مدجّجون بالأسلحة الثقيلة، وليس كذلك الفقراء. وبعض الناس العاديين مزارعون، وبعضهم تجار، وبعضهم أصحاب صنعات. ويوجد كذلك بين المرموقين اختلافات في الثروة والممتلكات ـ مثلاً، في عدد الخيول التي يحتفظون بها، لأنه لا يمكن أن يتاح لهم الاحتفاظ بها ما لم يكونوا أغنياء. ولذلك ففي الأزمات القديمة كانت المدن التي تكمن قوتها في فرسانها تقوم على "الأوليغاركية" oligarchy (وتعني حرفياً: حكم القلة)، وكانت تستخدم فرسانها في حروبها مع جاراتها؛ كما كان دأب الإريتيريين والخلقيدونيين، وكذلك دأب المغنيسيين على نهر مياندر، ودأب الشعوب الأخرى في آسيا. وإلى جانب فوارق الثراء توجد فوارق في المرتبة والمزيّة، وهناك بعض العناصر الأخرى كما قد ذكرناها عندما عدّدنا في معالجتنا للأرستقراطية مقوّمات الدولة. ولبعض هذه العناصر، وأحياناً لكلها، وأحياناً للعدد الأقل وأحياناً للعدد الأكبر منها حصة من الحكم. وواضح إذن أنه لابد من وجود أشكال حكم كثيرة، تختلف نوعياً، ما دامت الأجزاء التي تتألف منها يختلف بعضها عن بعض نوعياً. لأن الدستور نظام مهمات، يتقاسمها كل المواطنين، وفقاً للقوة التي تمتلكها الطبقات المختلفة، كالأغنياء أو الفقراء مثلاً، أو وفقاً لمبدأ من مبادئ المساواة يتضمنها كلها. ومن ثم فلابد من وجود أشكال كثيرة للحكم كثرةً طرق ترتيب المهمات، وفقاً لأفضليات أجزاء الدواة وفوارقها.‏

ويُعتقد عموماً أنه يوجد شكلان رئيسيان؛ وكما يقول الناس إنه لا توجد إلا ريحان ـ ريحُ الشمال وريح الجنوب، وإن بقية الرياح ما هي إلا تنوّعات لهما، كذلك يقال في الحكم إنه لا يوجد إلا شكلان ـ هما الديمقراطية والأوليغاركية. لأن الأرستقراطية تُعدّ نوعاً من الأوليغاركية، بما أنها حكم قلة، وما يُسمى الحكم الدستوري هو في الحقيقة ديمقراطية، كما أننا بالنسبة إلى الريح نجعل الغربية تنوّعاً للريح الشمالية، والريح الشرقية تنوّعاً للريح الجنوبية. وكذلك يقال في الموسيقى إنه يوجد أسلوبان موسيقيان هما أسلوب الشعب الدوري Dorian وأسلوب الشعب الفريجي Phrygian والتعديلات الأخرى للسلّم الموسيقي تندرج تحت هذا النوع أو ذلك من هذين النوعين. وهذه الفكرة عن أشكال الحكم مستحبة كثيراً. ولكن أفضل طريقة في أية حال هي أن نميّز، كما ميزتُ، الشكل الحقيقي أو الشكلين الحقيقيين، وأن نعدّ الأشكال الأخرى تحريفات، سواء للنموذج المعدّل أتمّ التعديل أم للشكل الأفضل للحكم: فيمكن أن نشبه أقسى النماذج وأشدّها قهراً بالأشكال الأوليغاركية، وآمَنَ النماذج وألطفها بالديمقراطيات.‏

[أربعة أنواع للديمقراطية]‏

يجب ألا يُفترض، كما يُغرم بعضهم بأن يقولوا، إن الديمقراطية ليست إلا الشكل من الحكم الذي يكون فيه للعدد الأكبر السيادة، لأنه في الأنظمة الأوليغاركية، وفعلاً في كل حكم، تحكم الأكثرية؛ وليست الأوليغاركية هي الشكل من الحكم الذي تكون لقلة فيه السيادة. وافترضْ أن العدد الكلي لمدينة من المدن /1300/ نسمة، وأن الألف من هؤلاء أغنياء، ولا يسمحون للبقية البالغ عددها /300/ نسمة، وهي من الفقراء، ولكن الأحرار، والمتساوين معهم في كل النواحي الأخرى، أن يشاركوا في الحكم ـ فلا أحد سيقول إن هذا الحكم ديمقراطي. وعلى نحو شبيه بذلك، فإذا كان الفقراء هم القليلون وسادة الأغنياء الذين يفوقونهم عدداً، فلن يقول أحد إن هذا الحكم، الذي ليس فيه للأكثرية الغنية نصيب من الحكم هو حكم أوليغاركي. ولذلك علينا حقاً أن نقول إن الديمقراطية هي شكل الحكم الذي يكون فيه الأحرار هم الحكام، والأوليغاركية هي التي يكون فيها الأغنياء هم الحكام، وإنها لمجرد مصادفة أن يكون الأحرار كثيرين وأن يكون الأغنياء قليلين. وإلا فإن الحكم الذي تُعطى فيه المناصب تَبَعاً للقامة، كما هي الحال على ما يقال في أثيوبيا، أو تَبَعاً للجمال، من شأنه أن يكون حكماً أوليغاركياً: لأن عدد الرجال الطويلين أو جميلي المرأى قليل. ومع ذلك فالأوليغاركية والديمقراطية لا يكفي لتمييزهما مجرد صفتي الغنى والحرية. فكلا النظامين يشتمل على عناصر أخرى، ولذلك علينا أن نقوم بالمزيد من التحليل، ونقول إن الحكم لا يكون ديمقراطياً حين يحكم القليلون عدداً الكثيرين الذين ليسوا بأحرار، كما في "أبو لينا" على الخليج الإيوني، وفي "تيرا" (لأنه في كل دولة من هاتين الدولتين كان النبلاء، الذين كانوا أقدم المستوطنين، يحظون بأعلى التكريم، برغم أنهم لم يكونوا غير قلة من كثرة).‏

ولا يكون الحكم ديمقراطياً حين يحصل الأغنياء على الحكم لتفوقهم العددي؛ كما كانت الحالة فيما مضى في "كولوفون"، حيث كان جلّ السكان يمتلكون الممتلكات الكبيرة قبل الحرب الليدية. ولكن شكل الحكم يكون ديمقراطياً حين يحكم الأحرار، الذين هم كذلك فقراء وأكثرية، ويكون أوليغاركياً حين يحكم الأغنياء والنبلاء، الذين يكونون في الوقت نفسه قليلي العدد.‏

قلت إن ثمت أشكالاً كثيرة للديمقراطية، وشرحت الأسباب التي ينشأ عنها التعدّد. فلماذا توجد أشكال أكثر مما ذكرنا، وما هي، ومن أين تنشأ، سوف أشرع الآن في دراستها، منطلقاً من المبدأ الذي أدخلناه منذ قليل، وهو أن الدولة ليست أحادية الجانب بل تتألف من أجزاء كثيرة. وإذا كنا سنتحدث عن مختلف أنواع الحيوانات، علينا في بادئ الأمر أن نحدّد الأعضاء التي لا غنى عنها بالنسبة إلى كل حيوان، كبعض الأعضاء الحسية ووسائل تلقّي الطعام وهضمه كالفم والمعدة، بالإضافة إلى أعضاء التنقّل. وبافتراضي الآن أنه لا توجد إلا أنواع كثيرة من الأعضاء، ولكن قد توجد اختلافات فيها ـ أعني أنواعاً مختلفة من الأفواه والمعدات والأعضاء الحسية وأعضاء التنقّل ـ والاتحاد الممكنة بين هذه الاختلافات سوف توفّر بالضرورة أنواعاً مختلفة من الحيوانات. (لأن الحيوانات لا يمكن أن تكون نفسها وهي تمتلك الأنواع المختلفة من الأفواه والآذان). وعندما تُستنفذ كل الاتحادات، ستوجد أنواع كثيرة من الحيوانات كثرة اتحادات الأعضاء الضرورية. وإذن، يصح الأمر نفسه بالنسبة إلى أشكال الحكم الموصوفة؛ والدول، كما قلت مراراً، لا تتألف من عنصر واحد بل من عناصر كثيرة. أحد هذه العناصر هو الفئة التي تنتج الغذاء، وهي فئة المزارعين؛ والثاني هو فئة الميكانيكيين الذين يمارسون الصناعات التي لا يمكن أن توجد مدينة من دونها؛ وبعض هذه الصناعات ضروري وبعضها الآخر يُسهم في ترف الحياة أو نعيمها. والفئة الثالثة هي فئة التجار، وأعني بالتجار المنخرطين في البيع والشراء، سواء بالجملة أم بالمفرق. والفئة الرابعة هي فئة الفلاحين المملوكين والعمال. ويشكل المحاربون الفئة الخامسة، وهم ضروريون ضرورة الفئات الأخرى، إذا لم يكن من شأن البلد أن يكون عبداً لكل غازٍ. لأنه كيف يمكن لأية دولة حق في اسمها أن تكون ذات طبيعة تقبل العبودية؟ فالدولة مستقلة ومكتفية بذاتها، ولكن العبد على النقيض من الاستقلال. ومن ثم نرى أن هذا الموضوع على أهميته لم يعالَج معالجة وافية في كتاب "الجمهورية" لأفلاطون. ويقول سقراط إن الدولة تتشكل من أربعة أنواع من الناس الذين لهم ضرورة مطلقة؛ وهؤلاء هم الحائك والمزارع وصانع الأحذية والبنّاء؛ وبعد ذلك، وحين يجد أنهم غير كافين، يضيف الحدّاد ثم الراعي، ليرعى الحيوانات الضرورية، ثم التاجر بالجملة، ثم التاجر بالمفرّق. وكل هؤلاء يشكّلون معاً تتمة الدولة الأولى، وكأن الدولة لا تتأسس إلا للإمداد بضروريات الحياة، بدلاً من أن تكون من أجل الخير وتتساوى حاجتها إلى صانعي الأحذية والمزارعين. ولكنه لم يعترف بفئة العسكريين في الدولة حتى ازدياد حجم البلد، وبدئه العدوان على أرض البلد المجاور، وفي إثر ذلك يذهبون إلى الحرب. ومع ذلك وحتى بين مواطنيه الأربعة الأصليين، أو مهما كان عدد الذين يربطهم بالدولة، فلابد من وجود من يطبّق العدل ويقرر ما هو عادل. وكما يمكن أن يقال من أن الروح هي الجانب الأكثر حقيقية في الإنسان من الجسم، فإن الأجزاء العلوية من الدول، أي الفئة المحاربة، الفئة المشغولة بإدارة العدل، والمنهمكة هي التمعّن، الذي هو الشاغل الخاص للفهم السياسي المشترك ـ هذه الأجزاء هي أشد ضرورية للدولة من الفئات التي تقوم برعاية ضروريات الحياة. ولا أهمية في هذه الحجة لمسألة هل وظائفها المتعددة هي وظائف مواطنين مختلفين، أم هي وظيفة المواطن نفسه، لأنه يصادف كثيراً أن يكون الأشخاص محاربين ومزارعين على السواء. إن العناصر العليا والعناصر الدنيا تعدّ أجزاء من الدولة، وإذا كان الأمر كذلك، فلابد للدولة من أن تشتمل على العنصر العسكري في كل الأحوال. ويوجد كذلك الأثرياء الذين يخدمون الدولة بممتلكاتهم؛ ويشكل هؤلاء الفئة السابعة. والفئة الثامنة هي فئة القضاة والموظفين؛ لأن الدولة لا يمكن أن توجد من دون حكام. ولذلك يجب أن يكون بعضهم قادرين على نيل المناصب وخدمة الدولة، سواء بصورة دائمة أم بالتناوب. ولا تلبث في هذه المناصب إلا فئة الذين يفكرون ملياً والذين يحكمون بين المتنازعين؛ ونحن الآن نميز بينها. وإذا كان وجود هذه العناصر ونظامها المنصف والعادل ضرورياً للدول، فلابد كذلك من وجود الأشخاص الذين لديهم حِذْق رجال الدولة. ويبدو أن الوظائف المختلفة كثيراً ما تكون مجتمعة في الفرد نفسه؛ وعلى سبيل المثال، فإن المحارب قد يكون كذلك مزارعاً أو صاحب صنعة؛ أو قد يكون المستشار قاضياً. ويزعم الناس كافة أنهم يمتلكون الموهبة السياسية، ويعتقدون أنهم أكفاء لشَغْل المناصب تماماً. ولكن الأشخاص أنفسهم لا يمكن أن يكونوا أغنياء وفقراء في الوقت نفسه. ولهذا السبب يُعدّ الأغنياء والفقراء أجزاء من الدولة بمعنى خاص. ومرة أخرى، لأن الأثرياء هم عموماً قليلو العدد، والفقراء كثيرون، فإنهم يظهرون متضادين، وحين يسود هذا الطرف أو ذلك تتشكل الحكومة. ومن هنا ينشأ الرأي الشائع بوجود نوعين من الحكم ـ هما الديمقراطية والأوليغاركية.‏

لقد شرحت آنفاً أنه توجد للدستور أنواع كثيرة، وشرحت الأسباب التي ينجم عنها التنوّع. ودعوني الآن أُظهر أن هناك أشكالاً مختلفة للديمقراطية والأوليغاركية، كما سيتضّح بالفعل مما تقدم. لأن الناس العاديين والوجهاء على السواء تضمهم فئات مختلفة؛ وإحدى فئات الناس العاديين المزارعون وأصحاب المهن؛ والأخرى التجار المشتغلون بالبيع والشراء؛ والأخرى فئة السفر البحري، سواء أكان أفرادها منهمكين في الحرب أم في التجارة، بوصفهم يعملون على العبّارات أو صائدي أسماك. (وفي أماكن كثيرة تشكل أية فئة من هذه الفئات عدداً كبيراً من السكان؛ كصائدي السمك، مثلاً، في "تارنتة" و"بيزنطة"، وملاحي السفن الطويلة التي تصطف على كل جانب من جانبي كل منها ثلاثة صفوف من المجاذيف في أثينا، والتجار البحريين في أيجينا وخيوس، ورجال العبّارة في تينيدوس).‏

ويمكن أن يضاف إلى الفئات المذكورة الآن العمال النهاريون، وأولئك الذين ليس لديهم وقت فراغ نتيجة ظروفهم المعدمة، والذين هم ليسوا من منشأ حر من كلا الوالدين؛ وقد تكون ثمت فئات أخرى كذلك. ويمكن تقسيم الوجهاء كذلك وفقاً لثرائهم ونَسبهم وفضيلتهم وتربيتهم وما شابه ذلك من الفوارق.‏

ويأتي في مقدمة أشكال الديمقراطية الشكل الذي يقال إنه تأسس على المساواة بالضبط. وفي ديمقراطية كهذه يقول القانون إنه من العدل ألا يكون لدى الفقراء منفعة أكثر من الأغنياء؛ وأنه لن يكون أحد الجانبين يمثّل السادة، بل كلاهما متساويان. لأنه إذا كانت الحرية والمساواة، كما يعتقد بعضهم، توجدان في الديمقراطية على الخصوص، فإنهما ستتحققان على خير وجه عندما يشترك كل الأشخاص على السواء في الحكم إلى أقصى حد. وبما أن الشعب هو الأكثرية، ورأي الأكثرية حاسم، فإن مثل هذا الحكم هو الديمقراطية بالضرورة. وهذا الحكم هو أحد أنواع الديمقراطية. وثمت نوع آخر، يُنتخب فيه أصحاب السلطة التنفيذية وفقاً لمؤهّل معين من الممتلكات، ولكنه مؤهّل منخفض؛ فمن يملك القدر المطلوب من الأملاك له نصيب من الحكم، ولكن الذي يخسر ممتلكاته يخسر حقوقه. والنوع الآخر هو الذي لا تسقط عن كل المواطنين أهلية المشاركة في الحكم، ولكن القانون فيه هو الأعلى كما هو في النوع السابق. والشكل الخامس للديمقراطية، وهو لا يختلف عن الأشكال الأخرى إلا في أن السلطة العليا فيه ليست للقانون، بل لعامة الناس، وهي التي تنسخ القانون بمراسيمها. وهذه الحالة يسبّبها الديماغوجيون؛ ولكن حيث لا تكون السيادة العليا للقانون يبرز الديماغوجيون. لأن الناس يصبحون العاهل، ويكون الكثيرون وحدة؛ وفي أيدي الكثيرين السلطة، لا فردياً بل جماعياً.‏

ويقول هوميروس، "إنه لا خير في حكم الكثيرين"، ولكننا لسنا على يقين هل يعني هذا الحكم الاندماجي أم حكم الأفراد الكثيرين. وفي كل الأحوال فإن هذا النوع من الديمقراطية، الذي هو الآن العاهل، ولم يعد تحت سيطرة القانون، ينشد ممارسة الحكم الملكي، ويتحول إلى طاغية؛ ويُكرَّم المداهنون؛ وهذا النوع من الديمقراطية هو بالنسبة إلى الديمقراطيات الأخرى كالحكم الاستبدادي بالنسبة إلى الأشكال الأخرى من الملكية. وروح كليهما واحدة، وكلاهما على السواء يمارس الحكم الطغياني بحق أفضل المواطنين. ومراسيم العوام تنسجم مع مراسيم الطاغية؛ والديماغوجي بالنسبة إلى أحد الطرفين هو ما يكون عليه المتملق بالنسبة إلى الطرف الآخر. ولكليهما سلطة كبيرة؛ المداهن مع الطاغية، والديماغوجي مع الديمقراطيات من النوع الذي نصفه. والديماغوجيون يجعلون أحكام الشعب تُبطل القوانين، بإرجاعهم كل الأمور إلى المجلس الشعبي. ولذلك يزداد الديماغوجيون كثيراً، لأن الناس يملكون في أيديهم كل الأشياء، وهم يمسكون بأيديهم أصوات الناس، المستعدين جداً للإصغاء إليهم. وعلاوةً، فالذين لديهم شكوى يقدّمونها ضد القضاة يقولون، "ليكن الناس هم الحكام"؛ والناس شديدو السعادة لقبول الدعوة؛ ولذلك تتعوّض سلطة كل دائرة. وإن ديمقراطية هذا شأنها فإنها عرضة للاعتراض عليها بحق بأنها ليست دستورية على الإطلاق؛ لأنه حيث لا تكون للقوانين سلطة، لا يكون ثمت دستور. وينبغي أن يكون القانون أعلى من كل شيء، وينبغي أن يخضع الخواص كذلك لحكم القضاة، ولا يجوز إلا لهذا أن يُعدّ دستوراً. وهكذا فإن كان من شأن الديمقراطية أن تكون شكلاً حقيقياً من الحكم فمن الواضح أن نوع النظام الذي تنظم فيه المراسيم كل الأمور ليس حتى ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة لأن المراسيم لا ترتبط إلا بالخواص.‏

[ثلاثة أنواع من الاستبداد]‏

ولكن عليَّ أن أتحدث عن طبيعة الاستبداد، لتحتل مكانها في بحثنا (ما دمنا نَعدّ حتى الاستبداد شكلاً من أشكال الحكم)، على الرغم من أنه ليس ثمة شيء، كثير يقال حولها. وكنت في القسم السابق من هذه الرسالة قد درست الملكية وفقاً لأكثر معاني المصطلح شيوعاً، ونظرت في مسألة هل هي مفيدة للدول أم لا، وأي نوع من الملكيات يجب أن يتأسس، ومن أي مصدر، وكيف.‏

ولدى التحدث عن الملكية تحدثنا كذلك عن شكلين للاستبداد، كلاهما موافق للقانون، ومن ثم يسهل تحوّله إلى ملكية. وكان بين البرابرة ملوك منتخَبون يمارسون سلطة استبدادية؛ وكان الحكام الطغاة يُنتخبون قديماً في اليونان التي كانت تسمى "هِلاّس"، ويطلق عليهم "الأيسمنتيين" Aesymnetes أي الدكتاتوريين. وحين يقارَن هذان النظامان الملكيان بعضهما ببعض تنكشف بعض الاختلافات. فهما، كما قلت من قبل، يكونان نظامين ملكيين حين يحكم العاهل وفق القانون رعية راغبة في ذلك؛ ولكنهما استبداديان حيث يكون طاغية ويحكم وفقاً لميله. ويوجد كذلك نوع ثالث من الاستبداد، وهو الشكل المعهود أكثر من غيره، وهو نظير الملكية الكاملة. وهذا الاستبداد هو السلطة التحكمية لفرد غير مسؤول أمام أي أحد، السلطة التي تحكم الناس كافة على السواء، وسواء أكانوا مساوين لها أم أفضل منها، بالنظر إلى مصلحتها لا مصلحة أتباعها، فهي لذلك ضد مشيئتهم. وما من حر سوف يتحمل حكماً كهذا، إذا كانت في مُكنته النجاة منه.‏

وهكذا فأنواع الاستبداد كثيرة جداً، للأسباب التي قدّمناها.‏

أرسطو‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244