|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
العالم الجليل الدكتور مازن المبارك 1 كما عرفته ـــ محمود الأرناؤوط التقيت أستاذنا الجليل الدكتور مازن المبارك عن قرب سنة (1405ه =1985م) وكنت آنذاك في خضم العمل بتحقيق كتاب "شذرات الذهب في أخبار الذهب" لابن العماد الحنبلي وفي الجزء الثاني منه على وجه التحديد، وقد قصدته في حينها سائلاً عن وجه الصواب في بعض ما أشكل عليَّ أمره مما دوَّنه ابن العماد في كتابه المذكور، الذي أقدمت على تحقيقه وليس فيًّ من شروط المحقق وأدواته سوى قدر ضئيل مما لم يكن يحسب له في نظر أهل العلم أي حساب، وقبل ذلك كله خبرة أبٍ سلخ معظم سنوات حياته في خدمة السُنَّة النبوية المطهرة وما يتصل بها، معولاً على ما أخذته عنه وعن زميله الشيخ شعيب الأرناؤوط من العلم وأساليب التحقيق، في السير على الطريق الوعرة التي وجدت نفسي أسير عليها، متشرفاً بإشراف الأول منهما على عملي في الكتاب، وساعياً إلى تقليد الثاني منهما ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وحين دخلت دار أستاذنا الجليل أول مرة استقبلني استقبالاً كريماً لا أنساه، وشعرت من خلاله بتقصيري العظيم لعدم معرفته قبل ذلك التاريخ، ودارت بيني وبينه أحاديث طويلة في شؤون العلم والحياة، وأطال السؤال عن والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وعن زميله الشيخ شعيب الأرناؤوط، ظناً منه أنه عمِّيَ 2 فأعلمته أن الذي يربط بينه وبين والدي إنما هو رباط الأخوة في الله، والزمالة في طلب العلم، والعمل في تحقيق كتب التراث، والانتساب إلى نسبة واحدة ألحقت بكل من كان ألباني الأصل في سورية وسواها ليس إلا 3. وانعقدت مودة أكيدة وصادقة، بعيدة عن المصلحة، فيما بيني وبين أستاذنا المبارك منذ ذلك اليوم. ومرَّت السنوات على ذلك اللقاء؛ ومحبة الرجل تكبر في نفسي والصِّلة فيما بيني وبينه تتوثق شيئاً فشيئاً، ودخل كل منا إلى أعماق الآخر وعلم منه ما لم يكن يعلمه، فتعارفت المشاعر التي تتبع الأرواح –والأرواح جنود مجندة –ورأيتني أحرص على صلتي بهذا الأستاذ الكبير لما رأيت فيه من العلم والفضل والألمعية، فهو –والحق يقال –شاهد عيان موثوق عن حقبة تاريخية هامة بما يتصل بالجانبين العلمي والأدبي من تاريخ سورية في النصف الأخير من القرن العشرين، وعلى الخصوص فيما يتصل بجامعة دمشق وما عرَفته من العلماء الأعلام الذين عاصرهم وعلم عنهم ما لا يعلمه غيره، يستوي في ذلك من كان على وفاق معه كأستاذه العلاَّمة سعيد الأفغاني، ومن كان على تنافس معه كالعلاَّمة أحمد راتب النَّفَّاخ، وكم سمعت منه من الكلام عنهما ما لا مزيد عليه، ولا أذكر بأنني سمعت منه أي قدر من التجني بحق العلاَّمة النَّفَّاخ على الرغم مما شاع بين أهل العلم وطلبته من الخصومة بينهما. وكل الذي أذكره مما قاله لي بشأن الخصومة المصطنعة بينهما من قبل الآخرين: "والله لا أدري على وجه الصواب سبب الحملة التي يشنها الأستاذ النَّفَّاخ عليَّ، ولعل كلام بعض المغرضين هو من وراء ذلك". ثم قدَّر الله لي زيارة القاهرة سنة (1407ه =1987م) والجلوس إلى العلاَّمة الأستاذ محمود محمد شاكر شيخ المحققين المصريين في عصرنا، فكان من أوائل ما سألني عنه من أهل العلم بدمشق أستاذنا الجليل الدكتور مازن المبارك، مشيداً بعلمه وفضله وطيب خلقه ومعشره، فدهشت لذلك في حينه، لما كنت أعلمه من أمر الخلاف بين أستاذنا المبارك والعلاَّمة النَّفَّاخ، والصلة الحميمية بين العلاَّمة محمود محمد شاكر والعلاَّمة أحمد راتب النَّفَّاخ. وحين عدت إلى دمشق زرت أستاذنا المبارك وحدثته عن زيارتي للقاهرة وجلوسي إلى العلاَّمة محمود محمد شاكر وسؤاله لي عنه وطيب كلامه فيه، وعن الدهشة التي انتابتني عند سماع كلامه على الخلفية التي كانت في ذهني عما بين أستاذنا المبارك والعلاَّمة النَّفَّاخ من خلاف مشهور، فأطرق أستاذنا المبارك واستغرق في ضحك طويل ثم رفع رأسه وقال لي: "لعلي لم أحدثك يا محمود من قبل بأنني استقبلت الأستاذ النَّفَّاخ في منزلي بالقاهرة حين قدم إليها لمتابعة الدراسات العليا، وبأنني أنا الذي عَرَّفته على أستاذنا محمود محمد شاكر وكنت السبب في الصلة التي نشأت بينهما". وكنت أزور أستاذنا المبارك في بيته ومكتبه، وشرفني بزيارته لبيتي ومكتبي عدة مرات على مدى السنوات التي سبقت سفره إلى دبي، فأغتنم فرصة جلوسي إليه بالسؤال عن أمور مختلفات، فيجيبني بوضوح وإبانة لا يخالطهما الشك. وكم أفدت من مجالسته وصحبته في أمور العلم والحياة، فالرجل يمثل مدرسة من مدارس العلم القليلة الشهيرة التي أدركناها مغتبطين وأفدنا منها فوائد جمَّة. ولو رحت أتحدث عن الصفات الأخرى لأستاذنا المبارك مما يتصل بالذكاء، والفطنة، وبعد النظر، وحسن المظهر، ولطف المعشر، والتواضع المدروس، لطال بي الأمر. وأشهد بأنني لم أسمع منه يوماً مذَّمة أحد من أهل العلم، فالرجل أكبر من أن يسجل على نفسه مثل ذلك، وقد أُوتي من الدماثة والحصافة ما يعجز عنه الوصف. وإن أنسى لا أنسى اليوم الذي حضرت فيه حفل استقبال الدكتور مختار هاشم عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية خلفاً لشقيقه الأستاذ محمد المبارك، فقد التف حوله عقب الحفل جمع من الأساتذة المهتمين بالبحث والتحقيق وما يتصل بهما ومعظمهم من تلامذته، مستغربين اختيار مختار هاشم خلفاً لشقيقه، على الرغم من بعده عن العربية وشؤونها، ومعبرّين عن دهشتهم لعدم اختياره هو ليحل محلّه، فما زاد أستاذنا المبارك على التبسم. ولا زالت في ذاكرتي تلك الزيارة التي قمت بها إلى داره بصحبة صديقي الأستاذ الدكتور خالد عبد الكريم جمعة في إحدى زياراته لدمشق سنة (1408ه = 1988م) فقد استقبلنا الرجل استقبالاً كريماً، ودارت بيننا وبينه أحاديث كثيرة في شؤون مختلفات تلامس العلم والعلماء، وعلى الخصوص من ذلك ما كان متصلاً بالعلاَّمة سعيد الأفغاني والعلاَّمة محمود محمد شاكر، وعند خروجي بصحبة الدكتور خالد من داره، عقب وداعه الحارّ لنا، التفت إليَّ صاحبي ونحن ننزل على درجات السُّلَّم وقال لي: "لا أنسى لك هذه الزيارة يا محمود، فقد سعدت بلقاء الرجل سعادة لا أنساها". وكم التقيت – أثناء زياراتي لبلدان عربية وأجنبية مختلفة –عدداً غير قليل من العلماء والأدباء والباحثين في المكتبات والجامعات والمؤتمرات والندوات، وسمعت منهم الثناء العطر على أستاذنا المبارك والإشادة بعلمه وفضله. وكم سمعت الإشادة به من فم والدي وأستاذي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، ومن فم صاحبه وأستاذي الشيخ شعيب الأرناؤوط. ولقد عرفت لأستاذنا المبارك علمه وفضله، حين شرَّفني بقراءاته لكتاب "إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين" لابن طولون، في طبعته الثانية، عقب فراغي من تحقيقه، فقد أوقفني على عدد غير قليل من التصحيحات والملاحظات التي كان لها أكبر الأثر في بلوغه ما بلغه من الإتقان وحُسن الإخراج، وتوَّج فضله بالتقديم له، الأمر الذي حملني على أن أردد في نفسي عن محبة وقناعة ووفاء: حفظك الله يا أستاذنا الجليل ورفع مقامك في علّيين في الدنيا والآخرة، ونفعنا وطلبة العلم من عرب ومسلمين بعلمك وفضلك، وزادك الله بسطةً في العلم والجاه والأريحية، ولولا خوفي من الإفاضة لأكملت ولكن فيما تقدم من الكلام كفاية في مثل هذا الأمر الذي لا يتسع المقام فيه إلا لما قلَّ ودلَّ من الكلام. 1 -كتب هذا البحث أساساً لكتاب تكريم أستاذنا الجليل الدكتور مازن المبارك الذي أصدرته دار الفكر بدمشق بمناسبة بلوغه السبعين من عمره، وشارك فيه عدد كبير من زملائه وأصدقائه وتلامذته ومن هم في حكمهم، ولكن البحث وصل متأخراً والكتاب تحت الطبع، فتعذّر إلحاقه بالأبحاث الأخرى المنشورة فيه، فرأيت أن يمثل الحلقة الثانية من حلقات هذه الزاوية الجديدة. 2 -وهو فوق ذلك عندي. 3 -حول أصل نسبة الأرناؤوط، تنظر دراستنا المنشورة بخصوصها في كتابنا "زهرات الياسمين" طبع مكتبة دار العروبة والتوزيع في الكويت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |