جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

محمود الريماوي: عمر من القصص... ـــ رشاد أبو شاور

" لقد كنت على الدوام، ككاتب وقاص، أسير انشغالات ذات طابع إنساني، على قدر من التجريد والإطلاق، وهو مالا أملك له دفعاً، رغم أنني كنت وما زلت مولعاً بقراءة آثار واقعية ذات طابع محلي خالص".‏

محمود الريماوي (ضمير المتكلم.. الإنساني النزعة) ص518 مجلد المجموعات القصصية السبع.‏

اهتديت إلى هذه الفقرة، التي أراحتني، ومكنتني من الإمساك بنقطة البداية للحديث عن واحد من كتّاب الستينات البارزين، أقصد كتّاب القصة القصيرة، محمود الريماوي، بمناسبة صدور المجموعات القصصية السبع التي أنجزها حتى الآن. ولد محمود في (بيت ريما) قضاء رام الله في العام 48، أي عام النكبة، عندما كان أهلنا نحن الذين ولدنا قبله بخمس سنوات يجروننا بأيديهم المرتعشة وهم يفرّون بنا بعيداً عن ميادين الحرب، تلك التي كانت نهايتها كارثة على الشعب الفلسطيني، وهزيمة لنظم الحكم التي كانت ما تزال تابعة للاستعمارين البريطاني، والفرنسي، ولا تملك من زمام أمرها شيئاً...عرفت محمود الريماوي في أريحا، ولعلّ شقيقه عصام زميلي في بنك الأردن آنذاك هو الذي عرّفنا ببعض، وكنت قد نشرت قصتين قصيرتين في صحيفة (الجهاد)، ومقالة عن جائزة نوبل التي منحت عام 66 لكاتبين يهوديين، أحدهما يعيش في (الكيان الصهيوني) هو شامئيل عاغنون، والثانية تحمل جنسية أوربية، لعلّها سويدية، وقيل إنها تكتب الشعر، واسمها كما أذكر (نيللي زاكس)، وسبب منحهما الجائزة معاً، بحسب نوبل، إنهما يمثّلان الروح (اليهودية)...‏

بيت محمود في أريحا قرب طريق القدس، وحين يمشي بضعة أمتار فإنه يواجه سجن أريحا الذي دشّنه الإنكليز، ويرى بيوت مخيم (عقبة جبر) الطينية التي تشي بفقر الحال...‏

زارني محمود في مخيم (النويعمة)، ومنذ ذلك الوقت بدأت علاقة ودودة، قائمة على الاحترام، والدفء، فمحمود بطبيعته لطيف الحضور، بعيد عن فرض رأيه على الآخرين، وهو لا يتعصب لأمر، ولا يأخذ موقفاً عدائياً ممن يخالفه الرأي، إن في الكتابة، أو في السياسية... يمكن القول أننا ننتمي إلى جيل أدبي واحد، رغم أنني أكبره بخمس سنوات، فقد بدأنا النشر الجدّي بعد حزيران، وعلى صفحات مجلة (الآداب) البيروتية، وكان ذلك في العام 68...‏

نشر محمود أول قصة له في (الآداب) وكانت بعنوان (بعيداً عن أريحا)، وهي قصة (حزيرانية) حزينة، تجسّد معاناة فتى اضطرته الحرب للرحيل عن أريحا، وهذه القصة حذفها محمود من أعماله القصصية، ويبدو أنه حذف غيرها أيضاً، ربّما لأنه وجدها لا تحظى برضاه الفني، مع أن نشرها وغيرها يمكن أن يساعد الدارس، والقارئ المهتم على مدى التطور الذي بلغه محمود بعد خمسة وثلاثين عاماً من الكتابة القصصية، والإخلاص للقصة القصيرة، والتي أضاف إليها فيما بعد العمل الصحفي الاحترافي.‏

بعد حزيران 67 توجّه محمود للدراسة الجامعية في مصر، وهناك تعرّف على المخاض الأدبي الذي تفجّر بعد الهزيمة المرّة، وهذا ما زوّده بمعرفة أدبية، وسياسية، وفكرية، تعمّقت بعد تجربته اللبنانية، حيث أكمل دراسته الجامعية، وعمل كمحرّر أدبي في مجلة (الهدف) التي كان يرأس تحريرها الكاتب الكبير غسان كنفاني.‏

عمل محمود في (الهدف) لم يقيده، ولم يضعه ضمن إطار ضيّق، فقد نسج علاقات مع مثقفي، وكتّاب صحيفة (النهار)، ومجلة (شعر)، وهو ما منحه الجرأة على كتابة قصص بعيدة عن التقليد، والمباشرة الفجّة، والواقعية الساذجة...‏

حين زرت بيروت للمرة الأولى اصطحبني محمود لزيارة الشاعر الكبير (أدونيس) وكان المحرّر الثقافي لمجلة (الأحد) التي كان رئيس تحريرها الصحفي اللبناني اللامع رياض طه...‏

أحد انطباعاتي عن محمود أنه معني بالتعرّف على الآخرين، بدون فضول، وبغرض الحوار،‏

وهذا ما تأكد لي في رحلة علاقتنا التي لم تنقطع رغم افتراقنا مكاناً، وسياسة، ورؤية فنية...‏

محمود القاص، المثقف صادق مع نفسه، وهو لا ينتحل التجارب، ولذا تراه لا يكتب إلاّ ما هو معني به، ومجرّب له، وما يؤرّقه، ولذا لم ينخرط في الكتابة عن (الفدائي) بعد بروز ظاهرة المقاومة، لأنه لم يعش التجربة مباشرة، مع أنه عايشها، ولمسها، ورآها، وكان على مقربة منها، وإن كتب قصصاً جميلة، ما زالت تحتفظ بقيمتها، وحيويتها كقصة (وجهاً لوجه) مثلاً...‏

لقد كتب غيره عن بعد قصصاً عن (الفدائي)، تماماً كما كتب كثيرون عن (الحجر)، ولكن الحماسة، والعاطفة الجيّاشة لا تصنع أدباً قابلاً للحياة...‏

محمود يميل للمغامرة في الكتابة، لأنها تناسب (جوّانيته) ـ فهو متأمل، وهذا واضح في كثير من قصصه ـ ولكنها مغامرة محسوبة، وليست مجّانية، فالأقواس، والفراغات، والنقاط، ومساحات البياض كلّها محاولات جادة، وأصيلة.. للتعبير عن دواخل النفس البشرية... محمود عازف آلة واحدة، مكتف بها، وهي بفضل (الدربة)، وغنى النفس تستجيب (لروحه)، ولا أقول لأصابعه، ولذا فهو كاتب قصة قصيرة مخلص، ووفي لهذا الفن، وهو يعرف أن القصة القصيرة ليست مجرد عدد محدود من الكلمات، أو بضع صفحات، ولكنها استخلاص للحظة إنسانية، و(جوهرة) لها، بحيث أن قيمتها تفوق حجمها، لأن الفن لا يقاس بعدد الصفحات، وكثرة الكلام أو قلّته، ولكنه التركيزـ والعمق، والتقاط الجوهري...‏

ثمّة بعض المبدعين العرب الذين اكتفوا بالقصة القصيرة، وأعطوها كل خبراتهم، وجوّدوا في عطائهم، وطوّروا أساليبهم، فالآلة الواحدة تمكّن العازف الفرد من تقديم عوالم أغنى من أن تكون (فردية)، ولذا نسرّ من عازف العود، أو الكمان، أو القانون، أو البيانو، ويوّحدنا ونحن كثرة شعور يدفعنا للإعراب عن ابتهاجنا، أو حزننا، أو نشوتنا.. وهو ما نتوجه بالتصفيق، وعبارات الثناء...‏

محمود الريماوي عازف الآلة الواحدة، قل القصة القصيرة، ليس حالة استثنائية، فهناك مثلاً زكريا تامر أحد مطوري فن القصة، والذي لم يكتب غيرها، اللهم سوى (زوايا) وقصص للأطفال، أي بقي في عالمه، وأغناه، وهو ما نراه عند محمود الريماوي، الذي أخذت منه الصحافة الكثير من الوقت، والجهد، وهذه مأساة المبدع العربي الذي لا يستطيع العيش من مردود إبداعه.‏

كتب محمود الريماوي القصة القصيرة جداً، والتي لم يخل بها أنها شديدة القصر، لأنها كالبني آدم الملموم القامة، ولكن الكامل الملامح، والحضور، والذي لا يمكن الحكم عليه بأنه مشوّه، أو ناقص لمجرد أن هناك من هو أطول منه!...‏

كم أود لو أن بعض من يكتبون القصة القصيرة جداً، يجشّمون أنفسهم شيئاًَ من العناء في قراءة ما أبدعه من سبقوهم، ومنهم صديقنا وزميل الرحلة محمود الريماوي...‏

من يعد للفقرة التي استهللت بها كلمتي هذه عن (عالم) محمود الريماوي القصصي، سيكتشف بعد قراءة هذا الكتاب الضخم، والذي يضم كل ما كتبه، ورضي عنه مبدعه، أن محموداً قاص مشغول بالهموم الإنسانية غير المجرّدة، فهو مشغول بالإنسان العربي، بفلسطين، بالحرية كقيمة إنسانية رفيعة، بالحب، بأشواق جيل معذب هو جيل الستينات، ذلك الذي ولد بدنياً ونفسياً في أتون نكبة 48، وإبداعياً في جحيم كارثة حزيران 67.. ناهيك عن مرارة التجربة التي توالت عليه، وعلى الأمة كلّها، طاحنة عدّة أجيال...‏

كان بودّي لو أن الغلاف الأخير حمل تعريفاً برحلة محمود الريماوي، وكم أتمنى لو أن هذا العمل الهام يصل إلى القارئ العربي، ولا يبقى حبيس المستودعات، أو يكتفى بتوزيعه محلياً...‏

ختاماً لابدّ من التنويه أنه من العسير علي أن أكتب دراسة وافية لقاص كبير، تليق برحلة عطائه، ولذا فما هذه الكلمة سوى تحيّة، وآمل أن تكون محرّضة للنقّاد المحترفين، والقرّاء الجادين، والمعنيين.. ليقرأوا، و.. يكتبوا باستفاضة...‏

(1) المجموعات القصصية السبع: صدرت في كتاب واحد عن وزارة الثقافة الأردنية عام 2002.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244