|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
استهلال جامع الأباريق(1) ـــ محمد القيسي أ بعد قليل تدقُّ أجراس الرحيل، ويدخل الغريب في الصحراء. أحمل الآن حقائبي مُخلِّفاً بعضي في جنبات المخيم للريح والقطيعة، أتلفت نحو هذا الوراء قليلاً، ولا أملك إِلا أَن أُواصل الرحيل. يختلفُ هذا الرحيلُ عن رحيلي الأول القسري، فهل أَجد نفسي هذه المرَّة، وأَفرض لي وجوداً ما! حين يفقد الإنسان ابتسامة الرضى في الحياة، ويغدو الفرح بعيد المنال، ماذا يتبقّى أمامه من عقبات! أحسُّ بمرارة جديدة، الغربة قدرٌ صلفٌ، وأَسوق الآن نفسي بعيداً إلى المجهول، عبر طريق مغلَّفة بالغموض والرهبة. ألهذا تجيء حزينة أغانيَّ الأخيرة، جريحة وتخترقها آلام شتى، حتى لتكاد تموت حنيناً لدفء الحياة، وما يهدهدُ أو يعانقُ أوجاع عمري.في طريقي إلى منفاي الاختياري، كنت أُقلب صفحات كتاب "ذكريات الصبا والشباب" لباسترناك، قرأت منه قليلاً، كنت أحاول أن أَزيح عني ذباب الأَسئلة والملل المتراكم في نفسي، عبثاً كان استمراري في القراءة. أنهيت القسم الأول المعنون بـ "أَنوار الصباح" وهو الوقت الذي تحركت بنا الحافلة من موقع قريب من سينما الوليد في "رام الله" وقبل أن أصل إلى "رأَد الضحى" أخذت أَنسحب من الكتاب إلى حياتي متأملاً، ذلك أن طفولة باسترناك وصباه، والوسط الاجتماعي الذي يتحرك فيه وينمو، كان نقيض وسطي الاجتماعي تماماً، نقيض طفولتي، وصباي، أنا الذي لم أر أو أعرف، ما رأى باسترناك وعرف حين كان في مثل عمري، عن فن الموسيقى والكتابة، وأعلامهما، الذين يلتقيهم في مجالس عائلته، المكونة من والد، هو رسّام مشهور وأُم تعمل كعازفة بيانو، بينما عائلتي مكونة من أُم وحيدة، هي حمدة. ولم يرسلني أحد في باكورة حياتي لزيارة إيطاليا ومتاحفها الغنية، مثلما لم تفاجئني أُمي في يوم، كما فاجأت أُم باسترناك ابنها بمبلغ مئتي روبل قائلة له إِنها قد ادَّخرتها من أرباح عملها كعازفة على البيانو وإِنها قررت منحه هذا المبلغ لينفقه في رحلة ثقافية إلى خارج روسيا فترة من الزمن، فيرسل نفسه إلى ألمانيا لتعميق إطلاعه على الفلسفة هناك، بينما كنت أُرسل نفسي بنفسي، إلى "رام الله" في العطل الصيفية، وأَعمل كبائع صحف، وعامل فندق أو مقهى أحياناً، مخفّفاً عن أُمي ما أَمكنني من أعباء الحياة الضاغطة، وها أنا من جديد أُرسل نفسي إِلى الصحراء، طلباً لمثل هذه الأَوليات، العيش الذي يوفر إِمكانية المعرفة. فأَين أَنا من باسترناك الذي يرى "المستحيل الوحيد الذي كانت مخيلتي تعجز عن مجرد تصوّر وقوعه، هو إمكان قيام الحياة لحظة واحدة بغير موسيقى.." كما يقول، وهو بعد طفل. أَغلقت الكتاب، ونحيّته جانباً كان بالقرب مني رجل مسن، يجلس إلى ناحية الشباك، يرتدي الكوفية والعقال، قد لفحتْ شمس الصحراء بشرته السمراء، وتغضَّن وجهه، وحينما أَوغلنا في صحراء العراق، راح يغني بصوت هادئ، كما لو كان يغني لنفسه، وتشوب صوته رنّة حزن حارق، كان غناؤه غناءَ أعماق مجرَّحة. بدا لي كما لو أني أراه لأول مرَّة، وقد شدَّ أحاسيسي إليه، أما حافلتنا الكبيرة فكانت تخبُّ في الصحراء، بينما هو يطلّ بنظره إلى البعيد، ويرسل إِلى هذا البعيد مواويله الأَقرب إِلى الصمت، هل كان يندب أَرضاً أَو يبكي فقيداً! لا أعرفُ كيفَ أخذني هذا الحزن بقوة، وراح يفرد أعماقي على امتداد الصحراء. تساءلت: لماذا نتعذَّب ونشقى؟ هل لأننا كما قال "لورانس دارل" في (بالثازار): لأننا نخلق شقاءنا، ومصائبنا التي تحمل بصمات أَصابعنا؟ ومات تساؤلي في امتداد الصحراء التي تعانق الأُفق. ب هذه هي الكويت إذن، منذ شهور أُواصل الرحيل فيها إِليها، في انتظار صبح ما، حالماً بشمس مقبلة، فأَيّ انتظار طويل هذا، ولا من وعد بثمر يغسل قتامةَ هذه الانتظارات. الغربة شجرة عميقة الأَبعاد والجذور، لا أَوراق لها. ومندفعاً في دوامة هذا الألم الممضِّ أسأل نفسي: لماذا نعيش؟ وأراني ببساطة أُجيب: لكي ندرك أَكثر، ونخصب أَكثر.. ولكن ما الذي أدركته أنا في هذه الحياة، وماذا أَعطيت!. كتابات تطلب خبزاً، وقصائد لم ترتفع بعد إلى مستوى الشعر الحقيقي. كيف أنخرط في هذا الدويّ وأحفظ صوتي نظيفاً، القراءات تبعثني إلى مناطق أَبعد مع الذات، حيث نشتبك خصاماً وأسئلة! ج يمتد أمامي شارع فهد السالم مثل بطانية سوداء أو حصيرة كالحة، وهو يذهب في الطول والاتساع كأَنما ليغظني. المناخ خانق هنا، وقدماي تكلاَّن من السير وحيداً. أستدير إلى اليمين قاصداً "مكتبة الآداب"، أَجدها مغلقة، أَنتبه إلى الوقت وقد تجاوز منتصف النهار، إنها فترة الغداء إذن. أُغادرها لأُريح بدني على مقعد خشبيّ، جوار عشب الحديقة العامة القريبة، من بناية جوهرة الخليج، حيث أُقيم، والمطلَّة على ساحة الصفا. أقعد في هذا الروتين اليوميّ الواخز والمملّ، ويزداد توتّر أعصابي. منذ الصباح لم أَتناول غير فنجان من القهوة، عملته لنفسي، تذكرت ذلك، وشعرت فجأَة بالجوع. نهضت باتجاه مطعم عراقي يقدم وجبات رخيصة الثمن. رحت أتناول طعامي، بينما كان صوت ناظم الغزالي يجيء مبلَّلاً بالحزن والصفاء، هذا الصوت يذكرني بالموت، ولا أَعرف لماذا، ربما لأنه مات من عهد قريب، قبل وصولي هذه البلاد، تتابعت عليَّ الخواطر والذكريات المؤلمة، ولم يبق في عينيَّ غير الدماء. فكرت وأنا أُغادر المطعم، ماذا يحدث لو فجأة فرد الموت جناحيه على العالم، لن يكون هناك من يعرف ما حدث، لعلّي قلت ذلك لنفسي، فالموت ليس هو القضية، لأَنه يدقُّ باستمرار بابنا، وينشل دلوه ثقيلاً، هكذا يحدث كلَّ مرة. الحياة هي القضية، أَعني ديمومتها، والاستمرار فيها. ببساطة المسأَلة هي أن نعيش. وحدها اللحظة، هي مِلك الإنسان. أَكَّدتُ لي. د لأيام قليلة مضت، خالية من الإشراق صورة وصوتاً، لا نظرة تأخذني منك، أَو زورق من نغم حزين يتهادى بي مع ريش صوتك الهادئ الغريب، وحيداً أُواصلُ، ومتروياً في السر، وجهك لم يعد يظهر لي على الشاشة، لم تعد بسمتك الحزينة الوضاءة تشعُّ في كهوفي المعتمة هنا. فأَين صرتَ أيها الوجه الذي بات يسكنني، عند كل نشرة أَخبار، وصار تعويذتي هنا، صار يجمّل لي المكان، حتى غدا هذا الرملُ محتملاً، أَتداولك الآن مع نفسي ويدركني الصمت، فأَنت لا تعرف حتى بوجودي على الأَرض لتراني، وأَنا لا أَراك خارج الشاشة، فما الذي أَستطيع فعله أو قوله، في هذه المساررة الموجعة، غير ما قاله نيتشه: -يا إِرادة نفسي التي أَدعوها مصيراً، احتفظي بي، واحفظيني لمصير أَعظم(2). إِن عنف هذا الشلال الذي يهدر فيَّ، شلال الألم، لا يزال يواصلني هنا ذاتاً مفتونة بجلال حالاتها القدسية، هل أَقول ما أَروع أن تجرفنا سيولك إلى القرار البعيد أيها الشلال، إلى النهاية حيث لا نهاية، بينما تملأ آفاق دربنا أُغنيات الرحيل، وجذورنا مغروسة في الأَرض التي نحب. ويا أَيها الإِنسان القابع فيَّ، عليك أَن تخنق الغصَّة، كل من يجيء يجب أن يرحل، فاغرق في الصوت وحده، صوت هذا الغياب. إِنْ كان فيه الخلاص. [من يوميات الكويت 1965-1966] (1)استهلال لمخطوط سردي تحت عنوان: أباريق البلّور- يوميات الصحراء، يصدر قريباً. (2)بعد هذه العتبة الاستهلالية للأباريق، راحت جغرافيا الصحراء، تتسع داخله، ظلَّتْ تتسع وتتسع، تتسع وتصغر، تصغر وتضيق، حتى حدث الانفجار الحزيراني، عبر الزلزال الذي اجتاح ما ظلَّ من مساحة البلاد، ليعود منقبّاً عن موتاه هناك، ويغيب عبر تراجيديا القيامة التي انبثقت، كردّ عفويّ وطبيعي على الهزيمة، يوصله شيئاً فشيئاً على عتبة أيلول الفجائعية، ويكون الشتات الثالث، ومن بيروت التي وصلها في هيئة ومحتوى مختلف، يفكُّ ارتباطه ويذهب ليعلّم الأولاد في صحراء أخرى. وإذ يستيقظ في العتمة، بين أحضان صحرائه الجديدة، يستعير من دفاتر "فلاديمير مايكوفسكي" هذه النفثة: ألا لا يَنسينَّ أَحدٌ هذه الليلةَ، اليومَ سَأَعزفُ على المزمَار مزمارِ عمودي الفقريّ. ويمشي في الطريق إلى لوجه الآخر للمدينة، ناثراً أباريقه في الهاوية. (ملاحظة جامع الأَباريق). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |