جريدة الاسبوع الادبي العدد 879 تاريخ 18/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مهرجان بصرى... والدلالات الحضارية ـــ ندا حبيب علي

نحن في وطنٍ تُزرعُ في أجوائه كلّ يومٍ عاصفة هوجاء.. حتّى غدت أجواؤنا مرتعاً لِتَصَارُعِ كلِّ رياحِ الدنيا الظّالمة..‏

نحن في وطنٍ كثُرتْ في جسده الجّراح، والقروح..‏

نحن في وطنٍ يُخَطَّطُ له كي يتحوّل فيه شعبنا إلى أقنان، وتوابع، وأدوات.. لكنّنا، ورغم هذه الظروف الصّعبة، فإننا عملنا، وما زلنا نعمل على بناء نفوسنا، وأجسادنا، وعقولنا.. حيث تمكنّا من أن نحافظ على وجودنا، وهويّتنا، فبقي لدينا الطالب، والمعلم، والفلاّح، والجنديّ، والرسّام، والطبيب، والشاعر، والأديب..، وغيرهم من الشرائح الفاعلة التي أثبتت قدرتها، وفاعليتها في كلّ ميادين الحياة..‏

كيف لا.؟، وقصّتنا مع الثقافة قديمة العهد..، وحضارتنا المعاصرة قويّة الانتماء إلى الجذور الأصلية الضاربة في أعماق التاريخ.. بدءاً من المعجزة السومريّة.. إلى المعجزة الإغريقية المشهورة في العالم كلّه.. إلى المعجزة البابلية.. إلى المعجزة الإسلاميّة.. إلى كثير غيرها من المعجزات الحضارية التي ما تزال معالمها الأثرية، والإنسانية خالدة حتى اليوم..‏

إنّنا نعمل كمواطنين، ومسؤولين على الارتباط بها..، وعلى إبرازها كَمَعْلَمٍ سياحيٍّ، وحضاري للعالم قاطبة..، وخير دليل على ذلك ارتباط المهرجان الفنيّ الكبير لمدينة بصرى، ومدرّجها الشّهير..‏

مهرجان بصرى الدّولي.. ذلك الملتقى الذي تؤمه الفعاليات الفنيّة من مختلف دول العالم. ناهيك عن المهرجانات الأخرى كمهرجانات تدمر وحلب واللاذقية..‏

ففي الأوّل من أيلول لهذا العام 2003م تمّ الافتتاح الكبير لمهرجان بصرى الدولي بحضور الدكتورة نجوة قصاب حسن، ومحافظ درعا، والفنّان زهير رمضان، الذي تحدّث عن عراقة هذا المهرجان..، وعن الآفاق الّتي يطرقها..، وعن أهميّة المشاركة فيه من قبل الدول الشقيقة، والصديقة.. تلك الدول التي حاولت من خلال وفودها، وفرقها الفنيّة أن تقدّم أفضل العروض، وأكثرها تعبيراً عن أصالة تلك الشعوب.. متمنّياً للجميع تألّقاً في مشاركاتهم..، مقدّماً الشكر كلّ الشكر للسيّد الرئيس بشار الأسد الذي أولى، ويولي الحركة الفنيّة، والثقافية، والعلمية، والتنموية كثيراً من الرعاية والاهتمام، والمتابعة..‏

هذا، وقد أعرب الممثل الياباني السفير هيا شي عن شعوره، وسعادته شاكراً المسؤولين على دعوته إلى مدينة بصرى العريقة للمشاركة في مهرجان بصرى الدولي مؤكّداً على وجود الرّوابط الجيدة بين سورية واليابان، وعلى التعاون بينهما من خلال المؤسسات الثقافية التي يقدّمون لها كافة التجهيزات العلمية، والثقافية.. متمنّياً السّعي المستمر لتطوير هذه العلاقات..‏

كما تحدّث السيد نبيل عمران محافظ درعا عن أصالة بصرى، وعراقتها وامتدادها التاريخي وأكّد على تنوّع الحياة الثقافية في سورية، والّتي اغتنت من قيم الرئيس الخالد حافظ الأسد..، وتعاظمت حركتها برعاية الدكتور بشار الأسد..‏

وإنّ هذا الملتقى الحضاري هو بمثابة رسالة للعالم أجمع تؤكّد بأنّنا كنّا، وسنبقى نتطلّع إلى حياةٍ مليئةٍ بالخير، والمحبّة، وتاريخنا يشهد بين جنباته ما يؤكّد تمسّكنا برسالة الفن، والفكر، والعلم، والمحبّة، والسلام..، وبكلّ ما من شأنه مواجهة العنصرية، والاستغلال، والاستبداد، ومحاولات سحق حضارات الشعوب.‏

كما تحدثت الدكتورة نجوة قصاب حسن عن هذا البهاء الفائق.. هذا الموقع الذي ينبض بالحياة، وبالحضارات العريقة التي تستطيع أن ترى فيها النقوش، والزّخرفة على صخور المدينة، وعلى أزقّتها، وأعمدتها، وأروقتها وعلى التماثيل العريقة التي تستوقفنا لنشعر بعراقة التاريخ الذي مرّ على هذه المدينة..‏

هذه المشاهد التي يتردّد في أصدائها تاريخ مجيد، وعراقة تعود إلى أجداد كان لهم الفضل الأكبر في صنع أرضيّة صلبة من العلم، والثقافة بمختلف وجوهها.. وأنّ هذا المسرح الشهير حافظ على معالمه العمرانية من أجل أن يعلِّم هو، إضافة إلى المعالم التاريخية، الأجيال كيف يكون التفاعل الحضاري لما فيه خير للإنسان، وتَقَدُّمِهِ..‏

ومن هنا، ومن هذا المكان نعيد مجد اللّقاء، ومدّ الجُّسُور، وإيجاد التكامل المبني على احترام الذّات الإنسانية..‏

هذا المكان الذي يربط بين وسط سورية، وأصقاع الشرق، والغرب وهكذا توالت فقرات هذا المهرجان الذي حقّق المزيد من النجاح، ومن القفزات النّوعيّة التي أمتعت المشاهد، وتركت لديه انطباعاً فنيّاً، وعمقاً معرفيّاً تتضامن فيه المعرفة الفنيّة، والحضارية، والثقافيّة، والتاريخيّة آملين من هيئاتنا الرسميّة، والشعبيّة تقديم الدعم بكافة أشكاله لمثل هذه المهرجانات التي ترفع رأس سورية عالياً بين الأمم..، إذ أنّنا نشمخ بماضينا، ونفخر بالانتماء إلى بلد ينعم برؤيةٍ، وقيادةٍ حكيمة..‏

كما ندعو الدول العربية، والصديقة التي لم تتح لها فرصة المشاركة هذا العام أن تبادر للمشاركة في المهرجانات القادمة، وأن تأخذ دورها بغية تعزيز الروابط، وترسيخ التّلاحم فوق أرض الحضارة، والتاريخ.. أرض سورية مهد الحضارات، والإنسان، والأديان..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244