جريدة الاسبوع الادبي العدد 880 تاريخ 25/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

هل يرتقي أداء العرب إلى مستوى التحديات؟! ـــ أحمد الحسين

في الوقت الذي بات من الواضح فيه أن العرب في مقدمة الشعوب المستهدفة في وجودها وسيادتها، وأن عملية الاستهداف هذه تجري وفق مخطط مرسوم بدقة، وأنها في المحصلة لا تستثني بلداً دون آخر، لأن الكل مرشح على قائمة الطلب، ولكن بانتظار الدور الذي تحدده الظروف والمعطيات، نتساءل هل بدأ العرب يدركون ما يحاك ضدهم، ويعون ما يخطط لبلدانهم بعد أن أخذت مؤشرات ذلك الاستهداف تتكشف لتبلغ ذروتها في الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق.‏

نقول: وهل استخلص العرب من ذلك أنهم وقعوا ضحية مؤامرات تم إعدادها وتسويقها وفق سيناريوهات متعددة، وأن مما سهل عملية تنفيذها إخفاق العرب أنفسهم في توحيد مواقفهم وعجزهم عن معالجة أزماتهم وانغماسهم في الخلافات الثانوية، حتى إذا ما وقعت الفأس بالرأس، كما يقال بدا الكل مذهولاً وصامتاً إلى درجة العجز والإحباط.‏

وهكذا يبدو أن ما حصل يقع جزء كبير منه على عاتق السياسات العربية التي لم ترتق إلى مستوى إدراك المخاطر، والتي انشغلت بخصوصياتها الصغيرة، ومصالحها الخاصة التي غذتها دسائس خارجية كانت بحد ذاتها جزءاً من المخطط المرسوم لتنفيذ الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها الولايات المتحدة عبر انتهاج سياسة التفرد، وابتكار وسائل صناعة الأعداء واختلاقهم وبذلك ضللت كثيراً من العرب، ودفعت بهم إلى هذه المرحلة التي يكتوي الجميع بنارها دون استثناء.‏

وإذا كان ما تم حتى الآن، بالرغم من قسوته يشكل البداية في مخطط واسع وعميق، إلا أنه من ناحية أخرى يفترض أن يكون جرس إنذار ينبه العرب إلى ضرورة الصحوة من ذهولاتهم والخروج من دائرة الصدمة، وجدل الاتهامات وتحميل المسؤوليات إلى مرحلة جديدة بعد أن تبين لهم أن الولايات المتحدة لم تقد الحرب دفاعاً عن أحد منهم، وإنما قادتها دفاعاً عن مصالحها الاستراتيجية، وتحقيق أهدافها في المنطقة بما يتوافق ومصالح "إسرائيل"، وما يتطلبه ذلك من إعادة تفصيل الواقع العربي وتجزئته وتقسيمه لتسهيل تهميشه وتفتيت كياناته والسيطرة على موارده وثرواته، وليس لتعزيز فرص التنمية الموهومة والوعود الزائفة بالحرية والديمقراطية فيه.‏

الكل يدرك الآن أنه في دائرة الاستهداف، وفي حلقات هذه الدائرة لا يوجد أصدقاء أو حلفاء للولايات المتحدة سوى "إسرائيل"، وفي ضوء هذه المعادلة التي بدا العرب خاسرين فيها بات على الأمة أن تعي ما يخطط لها من مكائد ودسائس، وأن تمتلك الشجاعة لمبادرة ترتقي إلى مستوى التحديات باتخاذها من الخطوات والإجراءات، ما يوقف مسلسل نزيف الانهيارات العربية، وتداعيات المخاطر المحدقة، والنكبات المرتقبة.‏

ذلك أن حالة الانسحاب والصمت التي تسود الشارع السياسي العربي، والإيحاء بالعجز أو عدم القدرة على التصرف هي صفات لا تتناسب ومتطلبات المرحلة، ولا تعبر عن طاقات الأمة وقدرتها وحيويتها على النهوض وتجاوز العثرات التي مرت بها في تاريخها البعيد أو القريب، وإن الواقع الحالي الذي تعيشه البلدان العربية يفرض عليها بالتأكيد امتلاك الشجاعة والقدرة على تجاوز الماضي خاصة بعد أن اكتشف الجميع أنهم كانوا ضحايا التضليل وحملات الترهيب والترغيب، وفي هذا الجانب فإن دروس المحنة حملت الكثير من الحقائق والاستنتاجات، التي تفرض ترتيب العلاقات العربية، ووضع الأسس القانونية والأخلاقية، التي تسد على الأجنبي التسلل إلى حظيرة البيت العربي من نوافذ وبوابات الصراعات العربية ـ العربية.‏

أشياء كثيرة يمكن أن يقوم بها العرب الآن، وفي هذه المرحلة بالتحديد، وتلك مسؤولية جماعية تقع على عاتق الأنظمة والأحزاب السياسية والهيئات والمؤسسات الثقافية والإعلامية وفي مقدمتها جامعة الدول العربية بصفتها الرابطة القومية التي تجمع بين العرب على اختلاف أقطارهم وأمصارهم.‏

ويتطلب ذلك في أولى خطواته مبادرة عربية تكسر حالة العجز والتردد، وتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات تقوم على الثقة والتضامن والتعاون، واحترام كل بلد سيادة البلد الآخر، وعدم التدخل في شؤونه، التي يجب أن تظل شأناً داخلياً يحدده أبناؤه، وبذلك تنتفي إرهاصات التوجس والخوف، وتترسخ علاقة من التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والسياسي تقوم على مبدأ تكامل المصالح وتوازن المكاسب والمنافع.‏

وفي سياق ذلك ثمة مهمات كثيرة بات من الضروري العمل على إنجازها وفي طليعتها: تعزيز دور الجامعة العربية بما يعطيها فاعلية حقيقية، للتدخل وحل النزاعات العربية والقدرة على فرض الحلول والقرارات التي تنظم العلاقات ضمن الأسرة الواحدة وإرساء الظروف الموائمة لنشر مناخ من التضامن والتواصل والتكامل يعيد للإنسان العربي ثقته ويشعره أنه ينتمي إلى فضاء أوسع وأشمل من حدود الدولة القطرية الضيقة، وذلك بالعمل على ما يعزز قيم الانتماء المشترك بين أبناء الأمة الواحدة، من خلال برلمان عربي، وجواز سفر موحد، وعملة موحدة، وسوق عربية واسعة، وجامعات مشتركة، وهذه التصورات مطالب ضرورية، ليس هنالك ما يحول دون تحقيقها، إذا ما توفرت الإرادة الصادقة، والرغبة المخلصة، وإذا ما وعى العرب خطورة ما يستهدفهم واستفادوا من تجاربهم، واعتبروا بما حدث لهم أو ما سيحدث في قادم الأيام، ومستقبلها القريب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244