|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
السفينة! ـــ د.أسامة معمر كان يساوره ذلك الحلم منذ أمدٍ بعيد، منذ كان طفلاً صغيراً يرى المراكب والسفن في التلفاز تمخر عباب البحر لتنقل الركّاب والبضائع في زرقة يطغى جبروتها على زرقة السماء وكبريائها، فكم تمنى أن يحالفه الحظ ويسوقه قدره فيبحر على متن باخرة بهذه الضخامة والأناقة ولو لبضع دقائق أو ساعات، فيطفئ ظمأ لوعته وأمنياته. وفي صباح يومٍ صيفي وبينما هو جالس في إحدى مقاهي المدينة القديمة يرتشف فنجان القهوة ويقلّب جريدته الصباحية كعادته التي اكتسبها من أبيه، فإذا به فجأة ينتصب واقفاً وكأن تياراً كهربائياً سرى في كيانه فتصلّبت كل أعضاء جسده دفعة واحدة، فاشرأبت عيناه وتحجرت نظراته، لكنه ما لبث أن رسم ابتسامة خاطفة وعاد للجلوس بعد أن أدرك أن الجميع كانوا يرمقونه بنظرات دهشة واستغراب، تبعتها تمتمات خافته، استدرك أنها محاولة لتفسير ما حلّ به في ثوانٍ قصيرة. والحقيقة أنه رأى إعلاناً كان له وقع الصاعقه عليه، فقد أعلنت إحدى شركات النقل البحري في واحدة من المدن الساحلية عن رحلة مجانية إلى جزيرة تبعد مسافة يومين أو أكثر بقليل، لكن شرط الفوز بهذه الرحله هو تخطي مسابقة في السباحة ستحدد معالمها الشركة في الأيام القادمة وسيتم إعطاء المتقدمين كل التفاصيل والإرشادات عند تسجيلهم في لائحة المتسابقين. فما كاد يدرك أن حلمه قد يصبح حقيقة حتى اصفر وجهه وقطب جبينه واغرورقت عيناه بالدموع فقد تلاشت أحلامه وتبخرت في ثوان كما لو أنها سراب كاذب لا أثر له، فهو لا يعرف السباحة أو العوم ولم يزر قط مسبحاً أو بحراً ولا حتى بركة أو مستنقعاً، فقد أمضى عمره يساعد والده في المتجر الصغير الذي يملكونه لسدّ حاجات عائلتهم الكبيرة، فلم تسنح لهم الظروف بزيارة الساحل والاستمتاع بشاطئ بلادهم الجميل وتعلّم السباحة أو حتى الذهاب إلى المسبح فقد كان سليل عائلة محافظة تعتبر السباحة مخالفة للأخلاق الحميدة والعادات الأسرية الموروثة أباً عن جد. فعاد ليصفن في حظه الأحمق، وكيف أن حلمهُ الوحيد الجميل ضاع في ثوان لأن العادات والتقاليد لا تعترف بالأحلام أو الطموحات، وأقسم في أعماق نفسه الجريحة أنه سيعلم أولاده جميعاً السباحة، الإناث منهم قبل الذكور، وسيأخذهم لزيارة الشاطئ عند أول فرصة سانحة بل وسيركبهم معهم باخرة أو سفينة إذا استطاع دفع أجرتها فهو لا يريد لهم أن يعيشوا خيبة أملٍ كهذه أبداً! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |