|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ابن عربي ترجمان رسالة الوحدة الإنسانية لا وحدة الوجود ـــ محمد عرب إن محاولة الاقتراب من فكر الشيخ محي الدين بن عربي وفهمه لا يمكن أن تثمر إلا بالفهم العميق للإسلام، والإطلاع على مصادر المعرفة الرئيسية فيه وخاصة، القرآن والحديث، لكي نحيط بالأسس والمبادئ التي استمد منها ابن عربي علومه، وبنى عليها نظرياته، حيث سيبدو عندها ابن عربي الشارح الأكبر للإسلام، والمسلم الأصيل الذي تميز بامتلاكه اللغة الملائمة في عصره للتعبير عن الحقائق الجوهرية في الإسلام وشرحها، مع أن عشرات العارفين قد سبقوه إلى هذه المعرفة وإن اختفوا تحت أزياء الدراويش، ولغة الرموز، وقصائد الحب الإلهي. وظلوا ينقلون علومهم إلى تلاميذهم مباشرة عبر الطرق "الصوفية" التي أقامها أصحاب الرسول (e)، والشيوخ من بعدهم. ومع ذلك فإن الكنز المعرفي الذي كشف عنه الشيخ ابن عربي قد لا يضاهيه أي كنز آخر. وهو كنز قد يكون ممتنعاً ومغلقاً على غير الواصل إلى مستوى معين من المعرفة الإيمانية، وإن كان من أساطين الأساتذة والعلماء في اللغة العربية. وهذه مشكلة واجهها الدكتور أبو العلا عفيفي حين بدأ بدراسة كتاب "فصوص الحكم" لنيل شهادة الدكتوراه، كما أوضح في مقدمة شروحه بتواضع يدعو إلى الإعجاب فقال "أقبلت على قراءة كتب ابن عربي مبتدئاً بالفصوص فقرأته مع شرح القاشاني عليه عدة مرات، ولكن الله لم يفتح علي بشيء! فالكتاب عربي مبين، وكل لفظ فيه إذا أخذته بمفرده مفهوم المعنى، ولكن المعنى الإجمالي لكل جملة، أو لكثير من الجمل، ألغاز وأحاج لا تزداد مع الشرح إلا تعقيداً وإمعاناً في الغموض" (فصوص الحكم/ ص21). ولهذا سيعود إلى أستاذه الإنكليزي المستشرق نيكولسون للاستفسار منه عن الطريقة الملائمة لفهم ما كُتب بلسان "عربي مبين". فلماذا فَهم المستشرق الإنكليزي ما لم يفهمه الأستاذ العربي؟ هل المشكلة هي مشكلة مصطلحات؟ لو كانت المشكلة في المصطلحات فإنه سيكون بالإمكان وضع شروح لمعاني الكلمات كما نفعل في شرح قصيدة قديمة لنفهم المعنى العام للقصيدة. ولكن المشكلة كما سيتبين لكل قارئ في كتب ابن عربي ستكون في فهم المعاني، إذ لا صعوبة في كلماته، لأنه استخدم المألوف من الكلام، ولم يستخدم الغريب. ولكن الصعوبات في وجه القارئ مع ذلك ستظل قائمة. وكمثال على سبب هذه الصعوبات، أن القارئ في "الفتوحات المكية" مثلاً سيتعرض لشروح ابن عربي عن الرؤيا وأهميتها. فإذا كان القارئ لم يشاهد طوال حياته رؤيا صادقة، فإن كلام ابن عربي سيبدو له ألغازاً غير مفهومة، وعلى الأغلب سينكر ما يتلو، وقد يجد في التفسيرات الفرويدية للأحلام ما يناسبه ويقنعه. وسبب إنكاره إنما يعود لعجزه عن مشاهدة رؤيا صادقة وعجزه نجم عن سلوكه، لأن الرؤيا الصادقة لا يشهدها إلا الصادقون بالروح في مرحلة من الإيمان عند الابتعاد عن المحرمات. وقد بينا طبيعة هذه المشكلة بشكل مفصل في كتابنا "الرؤيا بين الوهم والحقيقة". وهكذا ستنشأ بسبب الأعمال والأفكار الخاطئة، نظريات خاطئة ومفاهيم خطيرة قد تدمر المجتمع كما يحدث الآن، حيث نجم عن التفسير الفرويدي للأحلام، وَصفَةُ إباحة الجنس اجتماعياً، كعلاج للكبت الذي سيظهر في الأحلام من وجهة نظر فرويد. وقد يكون الجاهل بحقيقة الأحلام مندوراً في إنكاره وعجزه عن فهم لغة ابن عربي الأصيلة، والصادقة. فنحن لسنا أمام مشكلة مصطلحات مع ابن عربي، ولكننا أمام مشكلة فهم للعالَم وإدراك له، وفهم لحقيقتنا الإنسانية ودورها ومكانتها في هذا العالم وخلافتها وما تقتضيه الخلافة منّا. ومن أبسط مقتضيات الخلافة أن لا ننحدر إلى مستوى الدواب المسخرة لنا كما نشاهد. ومن المؤسف أن بعضنا وصل إلى مستوى من القسوة لم تصل إليه أكثر الدواب توحشاً، إذ بات كثير من الآباء وحتى الأمهات يتخلون عن أولادهم تهرباً من رعايتهم، بينما يرعى الحيوان، الذي يعتمد في رزقه على ما يتيسر له من القوت اليومي، أولاده ويدافع عنهم ويربيهم حتى يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم. فأين رحمة الإنسان بأقرب الناس إليه، وكيف سيكون خليفة عندما تموت الرحمة في قلبه إلى هذا الحد، وتساعده التشريعات في بعض الدول على ارتكاب جرائمه، لأن هدف الحضارة أصبح المتعة والجنس والأكل والمال. فهل نلاحظ كيف ستموت روح الإنسان، وكيف ستتوقف عن الانطلاق إلى عوالم الجمال والكمال إذا حشر الإنسان غاياته في معدة وعورة، فكيف سيشاهد ما فوق رأسه، وكيف سيدرك لغة الروح التي يتحدث بها ابن عربي وأمثاله من العارفين؟ من هنا ندرك أهم الأسباب في صعوبة قراءة كتب ابن عربي وفهمها، وسرَّفهم مستشرق لها ودعوة تلاميذه من العرب لدراستها، وقيام معهد الدراسات العليا بالسوربون بالمساهمة في تحقيق كتاب "الفتوحات المكية" بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة في مصر، بإشراف الدكتور عثمان يحيى، الذي أدت وفاته رحمه الله إلى توقف متابعة تحقيق بقية الأجزاء. لقد أصبح ابن عربي بفكره المتنور عالمياً، وله تلاميذه في كل أنحاء العالم، ولـه نظرياته في التربية وعلم النفس، وله حكمه الصحيح على الفلسفة، وإن كان بينه وبينها مسافة، كما بين المتأمل والشاهد. فأحكام الفيلسوف عن تأمل، بينما الشاهد لا يخطئ. ولكن مشكلة ابن عربي أنه مشاهد بالبصيرة. ومن لا يعرف سر البصيرة لا يستطيع أن يوافق ابن عربي فيما رآه. ولهذا السبب فَهِمَ ابنَ عربي من لا يتقن العربية من غير المسلمين، بينما أنكره بعض المسلمين وإن كانوا من فحول اللغة العربية. وعلينا أن لا نستغرب سر اللقاء العالمي بين العقول المتفتحة للمعرفة والحق، فقد اعتمد القديس توما الأكويني على ابن سينا وابن رشد لتأييد أفكاره الداعية إلى الإيمان ومعرفة الله، بينما سعى بعض فقهاء المسلمين للإيقاع بابن رشد. بسبب قوله، بوحدة العقل الفعَّال، مما أدى لاتهامه بإنكار الخلود الفردي. كما سيتهم أتباع ابن رشد اللاتين بتبني فكرة الاتحاد والحلول لنفس السبب. وسوف يتعرض ابن عربي لمثل هذا الاتهام أحياناً إما عن سوء فهم لكلامه أو سوء تفسير، مع أنه وصفَ من يقول بالحلول بجهل الحقائق فقال "إن الله لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (الفتوحات المكية/ ج4ـ ص2). وقال "أنت أنت وهو هو فاحذر أن تقول كما يقول العاشق ـ أنا من أهوى ومن أهوى أَنا ـ.. فَفرِّق واعتقد الفرقان تكُن من أهل البرهان، لا بل من أهل الكشف والعيان. قد علمت أن ثم غطاء يكشف وقد آمنت به فلا تغالط نفسك بأن تقول أَنا هوَ وهو أنا" (الفتوحات/ ج4ـ ص401). وهل يمكن للبحر أن يحل في قطرة الماء؟ إن من يقول مثل هذا الكلام شعراً قد يكون لديه عذر المحب. ولكن من يقوله علماً فلا يمكن وصفه إلا بالجهل لأن الفرق بين منه وفيه كبير، كما بين حكم الظن وحكم الشاهد. ولقد فوجئت وأنا أقرأ مقال الأستاذ ندرة اليازجي "الحكيم العربي محيي الدين بن عربي" المنشور في "الأسبوع الأدبي، العدد 864" باستنتاجه بأن ابن عربي قال بالحلول, ورغم أنني أعذر الأستاذ ندرة كما إني أقدر جهوده الفكرية وصدقه وإخلاصه. إلا أن إخلاصنا للعلم والحقيقة يقتضي منا الحوار وتوضيح بعض المسائل، وإن كنت من المعجبين بكتاباته ومقاله عن ابن عربي الذي احتوى على مقارنات شيقة بين عدد من أهل المعرفة في شتى بقاع العالم للكشف عن وحدة الإنسان، ووحدة شهود العارفين وإن جاءت تعابيرهم بصيغ مختلفة. وهي وحدة نتمناها على كافة المستويات بين أبناء آدم كما دعانا إليها الله. ولكن هذا لا يلغي تميز كل عارف بعلم، كما تميز الرسل في علومهم، وإن كنا لا نفرق بينهم من حيث الإيمان بصدقهم وعصمتهم. وربما لو أتيح للعارفين في شتى بقاع العالم ما أتيح لابن عربي حيث سبقته كل الرسالات السماوية، لتوصلوا إلى ما توصل إليه. ولهذا فإنهم معذورون وإن أخطأوا في فهم بعض المسائل، ما دامت النوايا حسنة. ولكن التصحيح ضروري، وعلينا أن نستفيد من كل معطيات العلوم لفهم ما عجزنا عن فهمه في مرحلة معينة. فالمعرفة هي ثمرة تتجدد مع نضج العقل وتطور الحضارة، حيث ستنفي وتثبت، وسيبقى الصحيح صحيحاً على الدوام. ولكن لماذا نفى ابن عربي الحلول؟ هل لأنه كما قال الأستاذ ندرة "نجده ينفي الحلول ووحدة الوجود، والاتحاد أحياناً، وذلك لكي يتجنب لومة لائم. لكننا، إذا ما تعمقنا في مضامين حكمته، لوجدنا نصوصاً أخرى تدل أنه كان يعتقد بوحدة الوجود وحلول روح الله فيه" مستنداً إلى ما قرأه في "شجرة الكون". لقد أجاب ابن عربي عن هذه المسألة بشكل قطعي ومعرفي فقال "لا حلول لأن الشيء، لا يحل في ذاته، فإن الحلول يعطي ذاتين" (الفتوحات المكية/ ج4ـ ص71). فإذا كان الله من حيث الوجود هو الكل، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن فهل انفصلت عنه الصور واغتنت بنفسها عن خالقها، وهل انفصلت الموجودات عن الموجد لكي تتحد معه وهي به ومنه؟ وهل الابن هو نفس الأب على فرض قبول هذه النسبة بين الله والعالم؟ وهل السيارة والطائرة هي نفس العالِم أم إنها بعض تجليات عقله؟ سيدعونا ابن عربي إلى الإقرار بالعجز عن معرفة الله الشاملة بقوله "لو علمته لم يكن هو، ولو جهلك لم تكن أنت" (الفتوحات المكية/ ج1ـ ص212). وسيقرر أن أعظم معرفة لله ستكون بالحيرة التي تحكم بما تراه منه ولا تحكم عليه. ولهذا كان الرسول (e) يقول "زدني فيك تحيراً" (الفتوحات المكية/ ج6ـ محقق ـ ص265). لأنه كلما زاد علمنا بمخلوقات الله ستزداد دهشتنا وذهولنا. سيؤكد ألكسندر كيتايجورودسكي على حيرة العلماء وهم يرصدون حركة المجرّات قائلاً "تمت البرهنة على أن سرعة ابتعاد المجرة تتناسب طردياً مع المسافة التي (تفصلها عنا)، إن أبعد المجرات المرئية تتحرك بسرعات تقترب من نصف سرعة الضوء"، ويتساءل المؤلف "لماذا وضعنا عبارة (مبتعدة عنا) أو (تفصلها عنا) في داخل أقواس؟.. إن سبب ذلك يتلخص في احتواء هذا التأكيد على شيء غير معقول" (الفوتونات والنويات/ ص341). سيشير الرسول (e) إلى هذه الحقيقة في حديث ذكره لأصحابه جاء فيه "سال الرسول (e) جبريل: أزالت الشمس؟ فقال: لا. نعم. قال وكيف؟ قال: منذ قلت لا، إلى أن قلت نعم، قد تحركت مسيرة خمسمائة عام" (رسائل الغزالي/ ص341). لا يُعرفُ الله إلا بالحيرة كما أكد ابن عربي بقوله "إنه لا يُعلم لابد من ذلك. كما قال الصديق ـ العجز عن دَركِ الإدراكِ إِدراك ـ وهذا أعلى ما يوصل إليه في العلم بالله المتين. فإن للمتانة درجات فقصدنا أتمها وأعلاها" (الفتوحات المكية/ ج4ـ ص283). فالحلول فكرة شاعرية لم يقل بها ابن عربي ولا يقول بها أي عارف. ولو كان الحلول يصح لانقلبت الحقائق وصار العبد رباً مع ظهور عجز جميع البشر عن تحقيق كل ما أرادوه حتى فيما يتعلق بهداية الناس. الملاحظة الثانية أن الأستاذ ندرة أشار بشكل غامض إلى أن ابن عربي "أكد، وهو متيقن مما كشف له في تجاربه التأملية الخاصة، أن العدم، أي اللا شيء، الميتافيزيائي يتميز بإرادة أكيدة تحثه، على الدوام، على الكشف عن ذاته في مراحل أو مستويات متتابعة من الفيض أو الإبداع والتكوين" ولم يقدم الكاتب نصاً لابن عربي يقبل مثل هذا التأويل. وقد نفى ابن عربي أي وجود للعدم في أي لحظة من لحظات الوجود وسمى العدم شراً، لأن الوجود هو الخير. ولكنه في معرض حديثه عن الصور أو الموجودات قال بأن لها نسبة إلى العدم ونبه إلى الوجود من حيث التحول والتكوين والانتقال من صورة إلى صورة بالأمر الإلهي. فالإنسان في عالم الذر لـه نسبة إلى العدم ـ عدم الوجود والظهور ـ بالقياس للإنسان في تكوينه المكتمل. وهكذا ستظل كل صورة لها نسبة إلى العدم بالنسبة للحالة التي بعدها، لأن الكون في تغير دائم مع الله، الذي هو ـ كل ساعة في شأن ـ مما يعني أنه في صيرورة دائمة. والصيرورة القادمة لها نسبة إلى العدم قبل حصولها، وإلى الوجود من حيث القابلية. فالإنسان عدم قبل ظهوره لا بمعنى أنه عَدم. وقد أشار القرآن والحديث إلى هذه الحقيقة بخطابه لذرية آدم "ألست بربكم"، مما يعني أن الفيض الحادث، هو ظهور لقابل، ولكن عبر الأزمان. ولا وجود للوجود من العدم، ولا فناء لما اتصف بالوجود. الملاحظة الثالثة تتعلق بإشارة الأستاذ ندرة السريعة وغير الواضحة إلى علاقة ابن عربي بالأفلاطونية بقوله "وفي هذا السياق تتصل حكمته ـ أي ابن عربي ـ بالأفلاطونية المحدثة والأفلوطينية المتمثلة في تساعية أفلوطين الثلاثية التكوين". نحن لا نريد أن ننفي القرابة الروحية، أي المعرفية، بين الباحثين عن الحقيقة، فحتى الوثنية كانت لها تأويلاتها وفهمها الخاص لمعنى الصنم الذي تدور حولـه العبادة كرمز وواسطة في ظروف غياب المعرفة الأكمل. ولكننا لا نستطيع أن نقبل بالوثنية بعد نضجنا المعرفي. وإِنْ تَسامَحنا وتَفهمنَا الضرورات التي أملتها مثل هذه الطقوس. وهكذا يمكن أن نفهم قيمة نظرية الفيض الأفلوطينية، سيفيض الواحد أي الله فيتكون العقل، ومن فيضه ستتكون النفس، ومن فيض النفس ستتكون المادة. ولهذا سيحكم أفلوطين على المادة بأنها الشر والظلمة لأنه ليس لها فيض، ونورها مما تلقاه من النفس. إذ بوصول الفيض الإلهي إلى النفس ستكون طاقة إبداع المقولات قد تلاشت نهائياً، وبدأت النفس في إنتاج المحسوسات التي لا علاقة لها بعالم العقل. ولهذا فالمادة في تحول دائم وهي المسؤولة عن تحويل الخير الفائض إليها إلى شر، غير أن لديها الإمكانية أيضاً لقبول هبة العقل والنفس والكشف عن الخير. بينما سنشاهد عند ابن عربي تحولاً رئيسياً في نظرية الفيض عن كل من سبقه، فهو سيرى في نظرية الفيض تكاملاً متصاعداً نحو الأعلى أو الكمال منذ بداية الخلق إلى ظهور الإنسان، حيث سيكون الفيض الإلهي قد اكتمل بظهور الإنسان الخليفة. وقد عبر عن هذه الفكرة بشكل خاص في كتابه "شجرة الكون" حيث رأى أن الكون شجرة الغاية منها الثمرة وهي الإنسان وسيؤكد على هذه الحقيقة في جميع كتبه. "فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة" (فصوص الحكم/ ص50). فالإنسان هو القابل لجميع الأسماء الإلهية وبه اكتملت المملكة الإلهية بقابلية الإنسان للخلافة مما يجعله مسؤولاً عن تجسيد الخلافة بنفسه لبناء المجتمع الصالح. وهي مسؤولية حضارية تتطلب من كل إنسان التعاون مع الآخرين لتجسيد معنى الإنسانية. وهكذا يتبين أن نظرية الفيض تكشف كما هو الأمر في نفسه عن المعاني الإيجابية في تصاعد عملية الخلق وتكاملها عند ابن عربي، وليس عن انحدارها بظهورها في المادة عند أفلوطين. وربما كان ابن عربي أقرب إلى أفلاطون بإشارته إلى الفيض الأقدس الذي قد يوازي عالم "المثل" المجرد عند أفلاطون، أي عالم الفكرة في الذات الإلهية، والفيض المقدس الذي ستندمج فيه الفكرة مع المادة لتظهر في ثوبها المادي، كضرورة لابد منها لظهور التجليات أو الفيوضات الإلهية. لقد كان ابن عربي بحق الحكيم الداعي لوحدة الإنسانية وليس لوحدة الوجود، عن إيمان وإدراك عميق لأمر الله وغاية الرسول (e)، وغاية من سبقه من الرسل والأنبياء. )إنا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا( و)إن أكرمكم عند الله أتقاكم(. ولكن ابن عربي وإن كان قد عرف مواطن الحق والفضل. فقد اتسع قلبه لرؤية الغدر لكل عابد فيما عبد، وإن لم يقره على عبادته، اقتداء بقول الرسول (e) وهو يُقابَلُ بالإيذاء من قومه )اللهم إهدِ قومي فإنهم لا يعلمون(. فقال ابن عربي قصيدته المشهورة التي تدعو للتسامح ومما جاء فيها:
وسوف يشير إلى أن المسيح عليه السلام قد ساهم في تربيته الروحية. وإن كل ما كتبه ابن عربي يحمل في طياته دعوة لوحدة الإنسانية وتعاونها والارتقاء بها إلى مستوى الإرادة الممنوحة لها بالخلافة والنيابة لإعمار الأرض وتشييدها بنور المعرفة الكامنة في الإنسان. كما سيؤكد بأن عبادة العابدين يجب أن تكون من أجل الإنسان لأن الله غني عن العالم. وبذلك انتقل بالتصوف كما بالفيض من مفهومه السلبي.. من الدروشة إلى العمل والمعرفة، وتجسيد الكمال الإنساني الذي لا يتحقق إلا بالخلافة الموهوبة لكل البشر، والتي يجب الانتقال بها بالإرادة من القوة إلى الفعل، بالحب بدلاً من الكراهية. وبالخير بدلاً من الشر. المراجع: ـ محيي الدين بن عربي ـ الفتوحات المكية ـ تحقيق د. عثمان يحيى ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ الطبعة الثانية /1405هـ ـ 1985م/. ـ محيي الدين بن عربي ـ الفتوحات المكية ـ منشورات دار صادر ـ بيروت. ـ محيي الدين بن عربي ـ شجرة الكون ـ مكتبة عالم الفكر ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى /1407هـ ـ 1987م/. ـ محيي الدين بن عربي ـ فصوص الحكم والتعليقات عليه ـ تحقيق د. أبو العلا عفيفي ـ دار الكاتب العربي ـ الطبعة الثانية /1400هـ ـ 1980م/ ـ بيروت. ـ أبو حامد الغزالي ـ مجموعة رسائل الإمام الغزالي ـ دار الفكر ـ بيروت ـ الطبعة الأولى /1416هـ ـ 1988م/. ـ ألكسندر كيتايجوردسكي ـ الفوتونات والنويات ـ ترجمة داود سليمان المنير ـ منشورات دارميرـ موسكو ـ 1985م. ـ د. حسن حنفي ـ نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط ـ دار التنوير ـ طبعة 1981 ـ بيروت. ـ د. سعد الدين كليب ـ البنية الجمالية في الفكر العربي ـ الإسلامي ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ عام 1997. | |||||||||||||||||||||||||||