جريدة الاسبوع الادبي العدد 880 تاريخ 25/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جوانب من إشكالية الغموض في الشعر العربي المعاصر ـــ غزوان أحمد علي

إذا قلت إن مجموعة كبيرة من نقاد الشعر المعاصر تنطلق في دراستها للمادة الأدبية من مصطلحات نقدية ثابتة، ومعايير حكمية جاهزة، فهذا لا يخرج عن كون هؤلاء النقاد مقيدين بشريعة نظام أدبي لا يُجيز للناقد ما يُجيزه للشاعر، فأمام الناقد معايير وضوابط وأنظمة (معلبة) لا يستطيع تجاوزها، وكأنها باتت أصناماً لا بدّ لكل ناقد أن يطوف حولها عدداً من المرات يناسب اهتمامه السلبي أو الإيجابي بالشاعر الهدف، ولكن المشكلة لا تقف عند هذه الصنمية الأدبية، بل تستمر لتشرك تلك المصطلحات والمعايير بعضها مع بعض بشكل عشوائي أصبح يطالعنا في كل نقد أدبي تقريباً، ومن أمثلة ذلك ما نراه من بعض الممارسات النقدية التي شرعت تتهم الشعراء المعاصرين بالغموض والإبهام من دون أن تدرك البون الشاسع بين المعنيين، مما يوقعنا في فوضى نقدية يصل الالتباس فيها إلى ظلم حقيقي للشعر والشعراء على حدّ سواء، خصوصاً عندما تجعل هذه الممارسات من الشعر الغامض شعراً مخدوعاً بالحداثة، يتستّر بالغموض والترميز للهروب من المعاناة الفنية.

ومن الضروري –وقد آل الأمر ما آل إليه- أن نعيد تذكير بعض النقاد بمشروعية الغموض في الشعر، وبالفرق الجوهري ما بين الغموض الناتج عن التفكير الشعري، وبين الإبهام الناتج عن التعبير الشعري من جهة، وبطبيعة العلاقة بين الغموض والترميز من جهة أخرى، وذلك من خلال النقاط الأربع التالية:

1-إن إخلاص الشاعر لعالمه الداخلي يستوجب عليه خلق لغة شعرية خاصة تناسب إدراكه الخاص للحياة، وهذا بدوره يستوجب عليه أن يخترع مدلولات جديدة وصوراً غريبة منطلقاً من الخيال الإبداعي الشعري لديه، فما يشعر به الشاعر بشكل غير مباشر لا بدّ أن يعبر عنه بطريقة غير مباشرة مستخدماً المجازات والاستعارات الفريدة، والتي تتنافى بطبيعتها مع المنهج المنطقي أو العقلي، "فما الاستعارة في الحقيقة- والتي تُعتبر من أهم صور التعبير الشعري وأبرزها- إلاّ شكلاً مستمراً من أشكال الخرافات والأساطير"(1) الأمر الذي سيعطي اللفظة أبعاداً نفسية كثيرة لا تتعلق بالمعنى التقليدي (الخام) لها، كأن يُقال مثلاً:

(رحيل النهار، خريف الموت، السكون الصاخب، النور الذبيح،..).

وبما أن منطق الخيال يختلف عن منطق الواقع، فمن الطبيعي أن يكون الشاعر غامضاً بالنسبة لنا نحن المنطقيين.

2-إن الخيال –بشكل عام- يسبق الفكرة، تماماً كما يسبق الخيال العلمي الحقيقة العلمية، وفي التعامل مع الخيال إخلاص للفكرة واكتناهٌ عميق لها، ومن هنا انطلق الشاعر في تعامله مع الفكرة من جذورها الخيالية معتمداً على تجربته ورؤيته الذاتيّتين، مما خلق فضاءً خيالياً معقداً لا يخرج من متاهته إلا الشاعر الحقيقي، والذي باستطاعته التعبير عن الرؤية دائماً –ومهما أوغل في الطريق- تاركاً للمتلقي سحراً غامضاً يشبه إلى حد بعيد غموض هذا الكون –رغم وجوده أمام أعيننا- وكبيان لهذا السحر وسمّوه نأخذ مقطعاً للسيّاب من قصيدة (أسير القراصنة)، يقول:

"أجنحة في دوحة تخفق/ أجنحة أربعة تخفق/ وأنت لا حبٌّ ولا دار/ يسلّمك المشرق/ إلى مغيبٍ ماتت النار في ظلّه... والدّرب دوار/ أبوابه صامتةٌ تغلق"(2).

فمن خلال حركة الطائرين السعيدة، والمطمئنة (أربعة أجنحة، دوحة)، وحركة الشاعر الذاتية المقابلة والمتناقضة مع الأولى (لا حبّ، ولا دار) يقدم الشاعر مأساته على طريقة وضع الأبيض بجانب الأسود. وذلك ليبرز السواد بقوة! ومن خلال تمويت الشاعر لحركة النار، يكرّس الحالة الشعورية المزرية لديه، لأنّ النّار (حركة) والموت (سكون)، وعندما يقول "في ظلّه" يؤكد على أنّ حركة الموت قد انتهت بدورها "وهكذا تستحيل الحرارة ويستحيل التأجّج على همود وبرود"(3).

ولا يُخفى على أحد ذلك التداعي السّاحر لخيالات الشاعر والتي ساعدت على خلق لغة شعرية خاصة به ورؤية شاملة عبّر عنها من خلال وعيه للثنائية التي تحكم هذا الكون، ألا وهي (موت، حياة).

وقد يضيع الشاعر المدّعي في متاهة الخيال عاجزاً عن التعبير عن رؤية- عندما يوغل أكثر في الطريق- ولكي يستر عجزه هذا يقوم بخلق –أو تركيب- مفرداتٍ لغوية إضافية، أو بتكديس رموز أسطورية قديمة في شعره من دون أن يوفّر المجال الحيوي اللازم لها في القصيدة، مما يولد إبهاماً عميقاً إن عبّر فإنما يعبّر عن فذلكة لغوية، كقول (عبد النبي محمد) مثلاً:

"ونحلم في موت أم الخمار/ نعيش، نموت/ ولا شيء يرسو!/ كأن الخمار نجوم نهار/ كأن الممات رحيق الحياة!/"(4).

أو كقول (يوسف الخال):

"وقبلما نهمّ بالرحيل نذبح الخراف/ واحداً لعشتروت، واحداً لأدونيس/ واحداً لبعل.."(5). 

ومن الإبهام ما يولد بسبب طول الجملة الشعرية طولاً يأخذ بأنفاس المتلقي الذي سيعجز –ولا بدّ- عن المتابعة، ونستطيع أن نأخذ مقطعاً للشاعر (خليل حاوي) كمثال على ذلك عندما يقول:

"هيهات لن يختمر الصمت/ ويعطي ثمراتٍ/ جزراً تهزج عبر الصحو والسكون/ وربما انشق ضمير الصمت عن شمسٍ بلا ضوء/ وحمّى أنجمٍ محمّرة يغزلها الجنون"(6).

3-اللغة هي أداة التفكير، لذلك كان لا بد أن تتطور اللغة النثرية لتناسب تطور الفكرة، فكيف إذا كانت اللغة المستخدمة لغة شعرية؟ فهل في هذه الحالة سنطلب السهولة؟

إن السهولة هنا لن تكون إلا وجهاً مقنّعاً من وجوه التعبير المباشر والذي يريح الشاعر من أية معاناة فنية، مما يسقط شعره في لغة الحياة اليومية المبتذلة، ونقصد بالسهولة هنا تلك البساطة المباشرة الواضحة الأبعاد كقول الشاعر:

أتعلم أم أنت لا تعلم

 

 

بأن جراح الضحايا فم

ولا نقصد تلك "البساطة العميقة"(7) التي لا تتناقض مع الغموض، كقول نزار قباني:

قبّلت فيها عندما عانقتها

 

 

رجلاً يسمّى طارق بن زياد(8)

4-العلاقة بين الغموض والترميز: إن الحديث عن الغموض يسوقنا إلى نماذج شعرية أخرى هي أقرب ما تكون على الكثافة والتعقيد(9) منها إلى الغموض، كالنماذج السريالية أو الرّمزية، ففي الرّمزية مثلاً: "يتم التشديد على أن موسيقا الكلمات –أي صوتها- وارتباطاتها المختلفة أقوى من معناها التقليدي"(10)، وعلى هذا تركّز تلك النماذج على الإيحاء وعلى العلاقة اللاّ واعية بين الأشياء عن طريق تحرير الخيال من العقل والمادة.. مشكلةً لدينا فضاءً ممغنطاً بالكثافة والتعقيد، وإذا كان التقارب بين تأثير الكثافة والتعقيد وتأثير الغموض قائماً لدى الانطباع الأول للمتلقي فلا بدّ لنا من أن نذكّر بأن الإنسان المعقد يختلف تماماً عن الإنسان الغامض.

وكمثال على هذا النمط الرمزي في الشعر نذكر مقطعاً لـ (أدونيس) يقول فيه:

"على حدود اليأس بيتي يقوم/ كالزبد الأصفر جدرانه/ مجوّف مخلخل كالغيوم/ بيتي أحافير/ تنكشه الريح فإن أرهقت/ تنكشه عنها الأعاصير/ تهجره الشمس على قربه/ تهجره حتى العصافير"(11).

فعندما يصور لنا الشاعر –في هذا المقطع- حدود اليأس، "يكشف عن مكنونات أعماقه بصورة غائمة في الرمزية، صادرة عن لا شعوره، وإن كان الوعي قد نظم اتجاهاتها"(12)، والمتتبع للصور المتوالية والشديدة التركيز في هذه الأبيات سيجد أن هذه الصور لا تعطي للمتلقي مدلولاتها الحقيقية، وأن الألفاظ والتعابير فيها لا تتجه إلى معناها الظاهر، وإنما تتعلق بالخط البياني الموسيقي الدرامي للشاعر، فاللفظة هنا لا تفيد المعنى، بقدر ما تفيد تحديد اتجاه هذا الخط إمّا للأعلى أو للأسفل.. فندخل في ذلك ضمن إطار الإيقاع الشعري والذي يتعامل مع أحاسيس المتلقي بشكل موسيقي صرف، وكتمثيل لتلك الحالة الموسيقية نجد أن السطر الأول في النص السابق يحوي زفرة طويلة تدل على (انحدار الخط البياني الموسيقي) ببطئٍ ينتهي عند ذلك التوقف الإجباري بين الياء الأخيرة في (بيتي)، والياء الأولى في (يقوم)، ثم يعود هذا الخط البياني ويرتفع بشكل حاد في السطر الثاني من أجل تفريغ سيالة غضب عارمة نلاحظها من خلال النبر القوي(13) في المقطع الثالث من كلمة (كالزبد) وهو (الزاي الثانية)، وفي المقطع الثالث من كلمة (الأصفر أو كالأصفر) وهو (أصْ)، ثم تلك الإطلاقة الممزوجة بالغضب والتوكيد واليأس المتجلية بالنبر الحاصل في المقطع الثالث أيضاً من كلمة (جدرانه) وهو الـ: (را) ثم نجد في السطر الثالث وبعد ذلك الانحدار والارتفاع أن الخط البياني قد بدأ يتقطع ويتواتر بلاغياً وموسيقياً ممّا يجعلنا نلتزم قسرياً بفواصل لا بدّ منها عند نهاية كلّ كلمة من كلمات هذا السطر، وكأنه تمهيد لانحدار شديد النزول سيقع في السطر الرابع (بيتي أحافير) خصوصاً عند تلك الزفرة الطويلة في كلمة (أحافير) المتجلية من تناظر الياء فيها مع نهاية الكلمة الأولى من جهة وعمق هذه الياء بسبب (النبر) من جهة أخرى، ومن صدى رنّة حرف الراء- ذي الصفة التكرارية(14)- من جهة ثالثة، وكأننا نسمع بذلك صدى عميقاً آت من بعيد.

ولا يخفى علينا ذلك التضاد الحاصل بين حالة اليأس وجملة (بيتي يقوم)، ثمّ بين الزبد (أرض=انخفاض) وبين الغيوم (سماء=ارتفاع)، وبين جملتي (بيتي يقوم)، (بيتي أحافير)، ثم بين كلمتي (تهجره)، (قربه) مما يزيد من تعقيد الموضوع وكثافته ومن جدلية الحلّ وصعوبته..

ولعلّنا نظلم القارئ عندما نتحدث عن الإيقاع هنا بشكل موجز وسريع، فقد كان حرياً أن نفرد له بحثاً مستقلاً، خصوصاً وأن النقد الحديث (كالبنيوية والتفكيكية..) قد بدأ يتناول الإيقاع الشعري على أنه البنية الأشد تأثيراً في القصيدة، ومع ذلك نستطيع أن نقول وباختصار شديد، إن للإيقاع –كما الموسيقا- قوةً تعبيرية دلالية تستطيع أن توصل لنا الاختلاجات النفسية للكلمة من دون أن ندرك معناها، فنحن قد نطرب ونتفاعل مع أغنية أجنبية من دون أن نفهم معاني مفرداتها، بل لمجرد إيقاعها الموسيقي فقط، لأن الإيقاع قد استطاع أن يفجر الطاقة الصوتية الكامنة في الحروف، ويحوّلها إلى دلالات موسيقية بالغة التأثير، وكأنه بذلك يحول التأثيرات الصوتية عند تفاعلها بعضها مع بعض، من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، والأمر نفسه ينسحب على أشعار الرمزيين، وعلى قاعدتهم الشهيرة "إن لموسيقى الكلمات سحراً أقوى من معناها التقليدي "فنخرج في هذه الحالة من معنى الكلمة إلى مدى تأثيرها الصوتي، وتصبح القصيدة –وباعتمادها على الإيقاع الصوتي –عبارة عن سبك لغوي بالغ الدقة والإحكام ونسيج صوتي شديد التأثير، يهتم بالصور السمعية أكثر مما يهتم بغيرها من الصور، ولعل هذا ما يميز نتاج معظم الشعراء الغامضين والرمزيين بشكل عام..

وعلى كل حال يبقى الشعر ملكاً للمتلقين ممن تختلف أذواقهم، فمنهم من يقبل ذلك النموذج ومنهم من يفضّل سواه.. ومن هنا كان من غير المعقول أن نفرض منهجاً شعرياً واحداً على جميع الشعراء فنطالبهم جميعاً بالبساطة أو نطالبهم جميعاً بالغموض.. وعلى الناقد الحصيف –وقبل أن يتهم الشعراء بشيء- أن ينتبه إلى أنه – على خلاف الشاعر- لا يكتب لكافة الناس (عامة، وخاصة)، وإنّما يكتب للخاصة فقط، ومن هنا كان لزاماً عليه أن ينتقي مفاهيمه واصطلاحاتها بدقة وتركيز شديدين حتى لا يفقد مصداقيته كناقد.

الإحالات والهوامش

(1)الشعر العربي المعاصر/ د. عز الدين إسماعيل/ ص 191.

(2)الديوان /ص82/.

(3)الشعر العربي المعاصر/ ص292/.

(4)الديوان/ قصيدة (فينوس)/ ص 46.

(5)ديوان (البئر المهجورة)/ قصيدة (الدعاء) ص 73.

(6)الديوان ص 27.

(7)الاصطلاح لـ (د. عز الدين إسماعيل)/ الشعر العربي المعاصر/ ص 193.

(8)الديوان ص 49.

(9)جوانب من الأدب والنقد في الغرب /د. حسام الخطيب/ ص 195.

(10)نفسه ص 196.

(11)بحوث في الأدب العربي الحديث/ د. محمد مصطفى هدارة/ ص56.

(12)نفسه/ ص 57.

(13)مدخل إلى اللسانيات/ د. رضوان قضماني/ ص 103+ ص104.

(14)نفسه/ ص 18.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244