جريدة الاسبوع الادبي العدد 880 تاريخ 25/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ساخنٌ ليلُ المدينة ـــ خليل الجرادي

كانوا صباحاً ثلاثة ورابعهم لم يأت بعد.‏

في عيونهم يصدأ الفرح.. يجف.‏

وعلى وجوههم يترقرق الحزن ويفيض الهلع.‏

احتوتهم غرفة وسيعة بيضاءْ، ذات مرآة مستطيلة حادة الحواف مطاولة بنية عامرة بكتب زرقاء وصفراء. وأربعة أسرة تناثرت عليها واستلقت فوقها ستراتٌ وبطانياتٌ وسراويل.‏

جاؤوا شباباً من أصقاع الدنيا القصية إلى فردوس الفقراء والمحرومين.. تصدح دماؤهم بأجراس الحرية وتكتظ عروقهم بشهوة العدالةِ ورائحةِ الخبز للجميع.‏

أربعة عوالم.‏

أربعُ قارات.‏

المحنة وحدَهَا ـ محنة الداء هي التي ألبستهم رواء الإلفة وزنرتهم بحزام الصداقة في تلك الغرفة من غرف مشفى النجمة الحمراء. لقد ابتأ ـ السلُ دون وجلٍ حشاشة صدورهم. فكانوا يضحكون من هدير الألم ويبكون من وداعة الفرح المذعور.‏

وكانوا أربعةً في المساء.‏

وبعد الحادية عشرة ليلاً يتحشرج جرس النوم معلناً بَدءَ رحلة الثواني الثقيلة. وتحتَ وابلِ رنينه يمضي الجميع إلى خلع تعبِهم وملابسِهم. ويستلقون على الأسرة الوطيئة ما بين هشيم وحطام.‏

تطفئ الممرضةُ الأنوارَ فيندلق ظلام الغرفة فوقهم ينبوعاً يُطلي شحوبَ وجوهِهِم بالسواد. وبَغتةً يهوي صمت حاد يمزق جسدَ الهَرْجِ والثرثرة إلى أشلاءَ من آهةٍ وسعالٍ ونحنحاتٍ وندفٍ من كلمات.‏

يتأوه حسان، يتنهد، يفتح عينيه المغمضتين على سعتهما نحو لورانسَ ـ هذا المكسيكي اللذيذ، الذي أخذ كعادته يتلو عليهم فصلاً من سَجعِهِ الساخرِ المُرْ:‏

ـ ناموا أيها الوباء ـ يا من قدمتم من مؤخرة الصحراء!!‏

ـ ناموا يا...‏

ثم يبدأ يدندن مطلعَ أغنية إسبانيةِ شهيرة، يتبعه بلحنٍ راقص، سريع. ويقفز ريكاردو الذي يلذعه اللحنُ من حافة سريره في خفةِ القرد ويثملْ الاثنانِ بالدندنة والهزِ "بايلا... بامبا... آي الريفا... آي الريفا...."‏

يتململُ حسانُ في فراشه.. يشعلُ المصباحَ.. يزفرُ، ويهمس بلكنة عربية:‏

ـ لورانس، يا حبيبي!! أنا شغوفٌ بخفة روحك وعذوبةِ ألحانك، لكن لا داعيَ للصَخَبْ، الآن.. ستأتي الممرضة على الضجيج والغناء وسيطردونك غداً من المستشفى.. أنصحُكَ بالهدوءِ ورزانةِ السلوك. فجميعنا نكابدُ من هولِ الصدمةِ ومن أدرانِها.‏

ويهدر لورانس بصوته الرنانِ راعشاَ كَتِفيه ووركيه:‏

ـ "...."‏

ويُضيفُ:‏

ـ أنت تعرف بأن الممرضة في هذا الوقت تكرع النبيذَ كعادتها مع أحد زبائنها المرضى، وما دام النومُ لم يجد طريقاً إلى جفنيك، فما الذي يمنعك من مصاحبتِنا الغناء والرقص ـ ويضحك فاقعاً: ها.. ها...‏

والمغربيْ شكيبْ تضيق به ثيابُهُ، فيروح ويجيء بين الأسرة قاتماً ملولاً وعيناه شاردتان تطوفان في أرجاء الغرفة.‏

يجلس لورانسْ بعد همودِ هديره وفرقعة شتائمه بجوار حسان... يأخذ شهيقاً عميقاً ثم يقذف به بزفرةٍ واحدة من فمهِ.. يلطأ بجانب شكيبٍ، يقرُصُه في رقبته مازحاً، فينتفض الآخر كالملدوغ.. يشتد العراكُ.. ترن الشتائمُ وتدوي الضَحِكات.. بينما يلملم حسان أشتاته وأنقاض روحهِ ويمضي خفيفاً، نزقاً إلى الشرفة الخريفية..‏

***‏

على الشرفة:‏

كان الليل بشاشته الرمادية شاسعاً، شاحباً والقمرُ قد توارى بكسل واختفى خلف رَتلٍ من غيوم سوداءْ اصطف عند بوابة الأفق. عوت الريح، فأجفل وأمطرَ رذاذاً شفيفاً فوق العماراتِ والشوارع الغافية.‏

وتبكي السماءُ.. تئن.. تئن.. وتنشجُ بالمطر.‏

يُشعلُ حسان سيجارةً. يحدق في البعيد القريب على مدى العقل والبصر.. تجتاحه سمواتُ ونجومُ المدنِ المحتضرة.. يرى أن قمر هذا العالم لا يماثلُ قمرَ بلاده، وكذلك السماءُ والنجومُ.. فكلُ ما حَولَه رماديٌّ وينطق بعكس ما تحيط به العقولُ والعيونْ:‏

هُراءٌ هذا الربيعُ الذي يبدو على الأغصانْ وأوراق الشجر، وسراب صحراوي هذه الخضرة التي تظلل الساحاتِ والشوارع.. ونباح كلاب هذه الريح التي تطارد السحب. قديماً كان يتحدث عن الجنةِ وعن أنهارها وهو اليوم في عاصمتها.‏

ـ نهر من الفودكا‏

ـ بحر من الطوابير‏

ـ ومحيطٌ من الأجهزة‏

وأنهارٌ ومحيطاتٌ وبحارْ..‏

ـ فإلى أين أيها الحُلُم الجميل.. وإلى أين أيها القلبُ الواسع.. هذا الزمان أضيق من حذاءْ. وهذه الأرضُ مسيجةٌ بالأشباح والديناصورات. تقايضُ بالدفء الصقيع وتستبدل بالوردَ الرصاصْ والأسيد والعتمة... جاءهم من أعطافِ الشرق نبتةً صحراوية عطشى، لوحتها الشمس على ضفاف "قرموخ" وفي سهول الجزيرة. لكنها ما نبتتْ، ولم يُغيرِ الثلج الاشتراكي السمرةَ التي باركته بها شمسُ آبَ القائظة.. ويرى سمراء، بفتنةٍ غاوية تنتظرُه في خاصرة وطنه الشمالية، وأصدقاء سلسين، ودودين كما الفرات تختبئ تحت جلودهم ألغامُ الرفض والتغيير، ويرى أشياء أخرى تخلخل رخاوةَ المشاعرِ فتدرك جذور القلب.‏

ويأتي صوتُ ريكاردو حنوناً ودفيئاً فيجعل من شروده الموغلِ في تضاريس الواقعِ ومرارةِ الحال!‏

ـ حسانُ يا صديقي الرائعَ الجميل، تعال! سأقصُ عليك نكتةً رائعة. أراك هذه الأيام تقضي الساعاتِ الطوال تحملق في سقف الماضي وتحدق في تخوم المستقبل؟ تعال وانضم إلينا فأنا أحملُ بعضاً مما تحمل، وأرددُ دوماً، أن الذي كان ثانيةً لن يكون.. تعال حباً بالله.. تعال..‏

ـ إن حزنيَ الدائم يقتاتُني ببطء، وأنا الغارقُ في لجة همومي وأحلامي.. تعبت من الإنسان المزيف ـ الكذب ـ الببغاء ـ الثوري المشروخ. تعبت من ألمي عليهم.. تعبت من كوني لم أتعبْ تماماً.. فأيةُ ظلالٍ هذه التي ستظلل جميعَ المتهورين وأيُ مأوىً هذا، إذا كان لا يتسع. ممنوع عليك أن تحبَ، أن تعشقَ، أن تتجولَ.. أن تسافرَ متراً واحداً خارجَ حدودِ ختمِ الشرطة وعينِ الرقيب.. تتساءل.. هل هذا هو الحبُ الذي فصلوه على قدنا في كتبهم الملونة، أم هو الكرهُ عينُه والحقد ذاتُه؟؟ كلُ هذه الأشياءِ والمسائلِ الأخرَى تلح على عقلي وتضغط على روحي لأنتقمَ منهم ومن نفسي، ولم لا؟ ولطالما أحملُ رأساً عنيدةً.. أحب الرفضَ لأنه يجري في دمي.. وسأرفضُ كل السحبِ التي تجري في الاتجاه المعاكس.. وسأتدرأ بإصراري في خندق الممكن ولغة التغيير.‏

ـ أنت على حق ـ ينطق بها لورانس ـ ولكن كما يقولُ المثل يا صديقي ـ لا تنظر إلى الشاطئ المهجور.. بل انظر إلى البحر باتساعه. المثاليون هم وحدهم الذين يبحثون عن "يوتوبيا".. يجب أن توطنَ جموحَ نفسك على رتابة الحقيقة المؤلمة. وأن تعيدَ تأثيث دخيلتِكَ، ولا تبقى أسيراً لعنادك السابق..‏

يتنحنح شكيبُ.. تقرقع بحصاتُه بالمسرة والحشرجة:‏

ـ هل تعلمون يا أصدقائي كم كان حديثُ حسانٍ شهياً.. وكيف هجست وأنا أسمعه بحنين جارفٍ إلى وطني.. كنت دائماً أظن بأني الوحيدُ في زنزانة هواجسي.. تبقى دائماً اللحظاتُ التي عشتها في وطني عذبةً على قلبي.. تتجول في دمي: مجالسُ أهلي وخلاني، ليل قريتي الأنيقُ والمزدهرة بنجومه وقمرهُ المشتعلِ ذهباً وهو ينادم التلالَ والحقولَ والوديان.. أحب وطني لأنه مثقل برائحتي وبالفل والدفء والياسمين.. فلأجله تطفحُ مني وحشتي ولأجله تنزف مني كآبتي على شفير هذا الهولِ ووغى هذا الوجود..‏

ينط لورانس من فوق سريره باتجاه الخزانة، يُخرجُ من جوفها زجاجة فودكا.. يَدلقُ في أربعة كؤوس حتى أعناقِها.. يكور قبضته، يضرب بها الطاولة ويتناثر صوته ويتشظى في المكان:‏

ـ تعبنا ونحن نحملُ الغربةَ والحنينَ خلف عيوننا، تعبنا من أولنا إلى آخرنا، لكننا سنلتقي يوماً ما، وسنتحدث آنها عن الوطن الذي لنا، وسنتركُ الوطنَ الآخر بكل قدرتنا على حبه وعشقه وحقدنا على طُغاتهِ ولصوصه وجلاديه.. سنتحدث عن العالم، نختزلُه، وعند مفترق الحديث، ننشر عرضَهُ على المدى ونبصقُ في الأعلام الكبرى التي لا يتسع الشعبُ فيها هناك، لرغبات العسكر والجندرما.. فلنشربْ أيها الأصدقاء:‏

ـ نخبَ الأهل!‏

ـ نخبَ الوطن الحقيقي!!‏

تتحشرج الأنخابُ وتتلمظ الشفاهُ بأجزاءَ من تفاحةٍ يتيمةٍ وشمسُ المدينة تغسل برذاذها الأول زجاجَ الحافلات المترعة بالعاملين العبيد!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244