|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مسعود في ليلة عاصفة ـــ نصر محسن -اخرج يا مسعود، فهذه ليلة سعدك. هذا ما أخبر به الملاك قبل أن يرحل تاركاً مسعود خلال تلك الدقائق التي مرّت، يحلّل كل كلمة سمعها، يعيدها إلى أصولها القديمة المتجذّرة في ذاكرته. للكلمات عند مسعود أكثر من معنى، وذلك حسب توقيت لفظها، ومكانة قائلها، وطريقة سماعها. وكان الحديث الطويل بين مسعود والملاك ملائماً تماماً لآمال وأمنيات رافقته على مدى عمر طويل، فالوقت فجر، والفجر بشارة صباح، والقائل ملاك، أو كائن بثوب ملاك، والملائكة لا يقولون سوى الصدق، وكان مسعود نظيفاً وطاهراً وخاشعاً. فتح عينيه على غيمة بيضاء، تخرج من أمامه بهيئة ملاك، ابتسم بحبور ورضا، واستبشر خيراً. ليلة القدر مرّت حسب التوقيت البشري، أما ليلة القدر الحقيقيّة فهي الآن، هكذا قال الملاك، وما عليه إلا أن يخرج ويطلب ما يتمنّاه، وهو سيطلب الكثير، أجل، سيطلب كلّ الأشياء التي يرغبها، فلن تتكّرر هذه الليلة، ولن تبخل السماء على مسعود في ليلته المباركة. -مباركة هذه الليلة يا مسعود، مباركة وسخيّة، ستكون ليلة عاصفة، تقترب فيها الأرض من السماء، ولن يكون الملائكة بعيدين عنك، بل هم سيحّومون فوق رأسك المكشوف ليحقّقوا لك أمانيك. مباركة ليلتك يا مسعود، ومبارك أنت في هذه الليلة. سيخرج مسعود، بل هو يتهيّأ للخروج، ينهض بهدوء محاذراً إيقاظ زوجته، فقد تمانع خروجه في المطر والبرد، لا لأنها تحبّه كثيراً وتراه مركز الكون فحسب، بل لأنها ستخاف إن بقيت وحيدة في الظلام، يلفّها العصف من كل صوب. انقلبت الزوجة إلى الجهة الأخرى، فقطع مسعود أنفاسه حتى تيّقن من غفوتها، فأنسلّ من الفراش، ومضى إلى غرفة أخرى، تلفّح بثياب سميكة، ومنديل لفّه حول رأسه وحشره عند أذنيه، ثم فتح الباب بحذر وخرج، أغلق الباب وراءه والتصق بالجدار منصتاً ومطمئناً إلى الهدوء الذي يملأ البيت. الظلام يعمّ الكون كلّه، هكذا بدا لمسعود وهو يتلّفت إلى البيوت القريبة مطفأة الأنوار، الشارع معبّأ بعتمة طاغية، المصابيح الكهربائية ميتة، وربّما تطايرت الأسلاك والأعمدة وبعض السطوح الضعيفة. الريح تعوي ثم تزمجر مجتازة شوارع القرية وزواريبها الضيّقة، ومنطلقة صوب وديان ممتلئة بظلام كثيف، وأنين لأشجار وكائنات حيّة فاجأتها الريح في أوكارها. رفع مسعود نظره إلى السماء، تذكّر وعد الملاك الذي لا يكذب، وهيّأ عينيه وقلبه ليرى الشهاب الأزرق، ويطلب. -حين تلمح الشهاب الأزرق يا مسعود تسارع في طلبك، وسيلّبى بإذن الله. لمع الشهاب وتناثر، وانطلقت الأمنية دعاء وعميقاً، حملته الريح وأبعدته باتجاه الوادي. -زوجة جميلة وصغيرة يا رب.. امنحني. قالها مسعود بقلب خاشع، وانتظر مرور الشهاب مرّة أخرى ليثبّت أمنيته، ويؤكد مواصفات الزوجة المرغوبة، يفتش بعدها عن أمنيات أخرى. -سيعبر الشاب الأزرق آلاف المرّات يا مسعود، فلا تتحرّج، واطلب ما تشاء. في كل عبور للشهاب يستجاب لك دعاء. المطر ينهمر، يزداد وقع حبّاته بفعل الريح القويّة، فتصفع الأشياء صفعاً، ثم تتناثر رذاذاً من صقيع، رفع مسعود يديه يسوّي منديله فوق وجهه تاركاً كوّة مستطيلة أمام عينيه، ليراقب الشعاع الأزرق، ويقتنص كل عبور له بأمنية. مسعود لم يسأل الملاك متى تتحقّق أمنياته، ولا يدري لماذا خمّن أن أمنياته ستتحقّق عند بزوغ شمس الصباح القادم. داهمته موجة برد، فبدأ يرتجف وهو يراقب السماء المتجهّمة الصاخبة، منتظراً وميضاً أزرق ليدعو لأمنية أخرى. بزغ الشهاب وفتح مسعود شفتيه وقلبه: -زوجة جميلة يا رب. وعمّ الظلام من جديد، واصطخب الرعد والبرق بعراك شديد، كأنها القيامة. تذكّر مسعود ما قاله الملاك: -يجب أن تكون حاسر الرأس يا مسعود، وجهك مواجه للسماء، عيناك مفتوحتان، وقلبك خاشع. أسرع ينزع المنديل عن وجهه، ألقاه وقلّص حدقتيّ عينيه، انكمشت أطرافه، فالبرد دخل بسرعة تجويف أذنيه، وتغلغل عميقاً، وبحركة لا إراديّة كان مسعود يخفض وجهه، ويرفع كتفيه متحاشياً حبّات المطر اللاذعة. -لن تندم أبداً يا مسعود، في اسمك تباشير هذه الليلة المباركة، تحمّل قليلاً وستربح في النهاية. تخدّر وجهه، ولم يعد يحسّ بشيء، لا بالبرد ولا بالمطر ولا بالريح، تبلّل من رأسه حتى قدميه، وأصبح المعطف مثل إسفنجة مشبعة بالماء، تبلّلت كل ثيابه، حتى الملابس الداخليّة. تمنّى أن يعود إلى زوجته النائمة ويندّس قربها، يوقظها ويأسف لها، لكنه سرعان ما أبعد التفكير عن ذهنه خشية أن يعبر الشهاب الأزرق دون أن يراه. ابتعد عن الحائط، وانتصب بقامته التي أدمنت الانحناء منذ زمن بعيد بفعل الأعوام الستّين التي أنهكتها. وضع يديه خلف ظهره، وشبكهما رافعاً وجهه إلى السماء بعينين مفتوحتين، تستقبلان رذاذاً كالثلج، تمتلئان به، ويسيل على جانبي الوجه خيوطاً دقيقة لا تنقطع. والأشعة الزرقاء تومض سريعاً وتغيب أسرع، والأمنية ذاتها لم تكتمل، في كل ومضة تزداد كلمة أو كلمتين: -عروساً صغيرة يا رب، أمضي معها بقيّة عمري. أصابه دوار، شعر بلذّة تدغدغ أطرافه فاستبشر خيراً، أيكون هذا بداية تحقيق الأمنية..؟ أيغمض عينيه ثم يفتحهما فيراها واقفة قربه، تغنّي أو ترقص، أيكون البرد تمكّن منها..؟ سيضمها مسعود، يدفئها بأضلاعه الحارّة. -لا تنس يا مسعود أن ترتدي ما خفّ من ثيابك، وحبذا لو تخلع نعليك. خدر مرافق للدوار يكاد يحمله بعيداً عن هذه الدنيا، بعيداً عن تلك العجوز المتيبسة هناك في الداخل. عيناه مملوءتان بماء المطر، ووجهه يزداد حمرة مع الصفعات التي ازداد وقعها. الخدر ينتشر على مساحة جسده، ويجعله على يقين من بداية تحقيق الأمنية. خلع معطفه وحذاءه دون أن يخفض وجهه أو يغمض عينيه. كانت يداه المرتجفتان تقومان بمهمّة خلع الملابس، دون أن تشغله حركاته تلك عن مراقبة الشهاب الأزرق، وتأكيد الأمنية: -شقراء يا رب أريدها. ولم تتجاوز العشرين من العمر. عيناه والسماء وجهان، واحد مندهش بانتظار، وواحد متجهم بعداء. غاب إحساسه بما حوله، وبما تركه البرد في أوصاله من آثار خالها مسعود لذيذة. الشهب الملونّة تتراكض، يراها كلها زرقاء. وشفتاه ما عادتا تستطيعان اللحاق بالوميض الأزرق الهارب. -جميلة يا رب، وطويلة بضفائر ناعمة شقراء. شعر بإنهاك فتراجع إلى الوراء، مستنداً إلى الجدار، ومثبتاً وجهه إلى السماء، يراقب معركة عجيبة، تذكّر زوجته النائمة بشعرها الأزرق الملتفّ، ويديها المعروقتين النحيلتين، وجهها المجعّد يشبه وجه السماء المتجهّم. هناك في الأعلى مراكب من سحاب تمضي بسرعة، وقذائف من نور تنطلق في كل الجهات، أصوات مدويّة لم يسمع مثلها من قبل. بدأت الغيوم الداكنة تغيّر لونها إلى الأبيض، تعبر أمام عينيه على هيئة ملائكة، تجنح نحوه قليلاً ثم تبتعد إلى جهات شتّى، يلاحق بنظره الضعيف أطياف الملائكة البيض والشهب الزرقاء، ويتمتم: -صغيرة السنّ يا رب، جميلة، بضّة وناعمة. اتّسعت ساحة المعركة السماوية، وصار مسعود جزءاً منها، جزءاً ضعيفاً، لا سلاح لديه سوى أمنياته، وعينيه اللتين لم يعد يقدر على إغماضهما، فقد تجمّد وجهه أو كاد، وأوشكت أجفانه على اليباس، لكن ابتسامته ما زالت تحتل كامل وجهه، يتابع الحركة بكل تفاصيلها، وجد نفسه يدخلها فارساً على صهوة جواد أبيض، قائداً يرمح هناك في الأعلى، ترتفع البيارق أمامه، وتصطفّ على جانبي طريق قزحيّ اللون، ممتلئ بعرائس شقر صغيرات، ولم يدر أنه تكوّم لصق الجدار كفأر عجوز منهك. وحين أفاق في الصباح، أحسّ بأصابع خشنة وقاسية، تسحبه إلى الداخل، ودموع ساخنة تسقط فوق وجهه، ودعوات من شفتين متيبّستين حزينتين بأن يطيل الله عمره، ويحفظه راعياً لبيت من غرفتين، وزوجة مقهورة تبكي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |