جريدة الاسبوع الادبي العدد 880 تاريخ 25/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

اعتذار ـــ عمر الحمود

طرقات متوالية انتشلته من نومه قُبيل الفجر!.‏

وقبل أن يسأل من الطارق، اشتدت الطرقات وتبعها صوتٌ هادرٌ محذر يأمره بفتح الباب وبرفع يديه بلهجةٍ تنم عن الشر.‏

لا خيار له سوى الطاعة، فتح الباب، وجدهم بأسلحتهم وعدتهم مستعدين لنزال كتيبة عسكر.‏

ذُهل، وزُرِع فجره بالتساؤل والفزع والعجز، وثبوا عليه، قيدوه، قال لهم: هناك خطأ، مهلاً يا سادة.‏

لم يسمعوه، ولم يقاوم، فالمقاومة انتحار مجاني، وعاثوا في الغرفة تفتيشاً.‏

ألقوه في عربة تنتظرهم، وقطعت العربة شوارع ومنعطفات، وأنزلته، فصعدوا به درجات وسلالم، وتجاوزوا ممرات وفسحات، ووضعوه في مكان لا يصل إليه الجن الأزرق، فكوا وثاقه، وغابوا، فلم يسمع نأمة حوله، راجع ماضيه وحاضره، لم يجد وزراً يوجب عزله في هذا الحرز الكتيم، فأقرّ بوجود التباس وسيُزال بالتأكيد.‏

وحين تجلّى النهار أُدخِل إلى مكتب احتل صدره ثلاثة رجال.‏

سأله أوسطهم أسئلة تقليدية، ودقق في ملفٍ أمامه، وقال: يا عبد الستار لا تتعبنا كي لا نتعبك، أخبرنا كيف سرقت عقد السيدة الجميلة؟.‏

انتفض عبد الستار: كيف أسرق عقد سيدة يفصلها عن العوام سياج من الخواص وتعيش في برج مسوّر.‏

وأقسم بشرفه ومعتقده أنه بريء.‏

ويرفع الرجل الجالس على اليمين أوراقاً مختلفة الأشكال والأرقام، ويقول: أنت كتابٌ مفتوح لدينا، وعيوننا السرية تلازمك كظلك، وجمعت معلومات تؤكد أنك الفاعل.‏

ولم يعرف عبد الستار أن تلك الأوراق مقتطعة من دفاتره الخاصة نتيجة التشويه الذي لحق بها والخطوط الحمر التي اقتحمتها.‏

يتدخل الرجل الجالس على الشمال، يمسك ورقة من الأوراق يقرأ فيها: "يلبق بعنقك عقد لؤلؤ كعقد السيدة الجميلة" هذا ما قلته لحبيبتك ندى.‏

وترد ندى: "أيها الحالم وردة فواحة من يديك تعادل اللآلئ"‏

وكان جوابك: "الورد يخجل من نعومتك، فيذبل، أما اللؤلؤ فيتألق، ويزهو بك"‏

يهز الأوسط رأسه: أنت تصر على اللؤلؤ، وهذا يدل على أنك خططت للسرقة بإصرار وروية.‏

في حين يناجي عبد الستار نفسه: كنت أحلم بتقديم عقد اللؤلؤ لندى، فكيف عرفوا بهذا؟!.‏

هل ندى واشية نمامة؟ أستبعد هذا، فهي أنقى من الطهر.‏

هل يعلمون بخفايا الصدور؟ لا يعلم ما السرائر إلا الله.‏

هل لهم القدرة على النفاذ إلى الأحلام؟ إن صح ذلك فهو مصيبة، فقد حلمت أن أكون صاحب الشرطة لأقطع أيدي اللصوص والنهّاب، وحمداً لله فصاحب الشرطة لا زال حياً يرزق.‏

وحلمت أن أكون قاضياً بين الناس بالعدل، والشكر لله فالقاضي لا زال قوياً معافى.‏

وحلمت أن أكون رقيب التجار لأوقف الاحتكار، وأثبت الأسعار، ومن فضل الله فرقيب التجار يثني الحديد.‏

وحلمت أحلاماً كثيرة...‏

يقرأ الرجل ثانية: "سنتزوج يا ندى، وسأجعلك سيدة جميلة وحيدة"‏

فأنت تريد قتل السيدة أيضاً.‏

يعترض عبد الستار على هذا التأويل بشدة، ويكرر أقواله، وينكر ما نُسِب إليه ويجف لسانه، ويستجدي حلقه قطرة ماء.‏

والرجل الأوسط يقول لصاحبيه: رأسه يابسة، بتُّ أعرف هذا بحكم خبرتي الطويلة.‏

قالا: سنجعل رأسه يانعة، تقطفها نفخة ريح.‏

وبإشارة منهما يدخل رجلٌ حوّله الاحتراف إلى (روبوت) آلي.‏

ارتجف عبد الستار، وانكمش جلده، واصفرّ لونه، ونشف دمه، فالمواجهة بينه وبينهم غير متكافئة، وعند أول وسيلة صرخ من الألم، لقد شعر أنه يدك بآلةٍ صُممت لإيصال الروح إلى التراقي، وفقد الوعي، وحين ثاب إلى رشده طلب ماء، أجروا معه مساومة "الماء مقابل اعترافه".‏

رفض، وراح يبشر نفسه بفرجٍ قريب، ويحبسها عن الجزع، فقد عوقب على حلمٍ واحد، وهذه نعمة، لكن أهوال العطش والألم وحرارة القيظ جعلته يتهاوى، اعترف بما يريدون، منحوه كوب ماء بارد منعش، وقبل أن يسألوه عن المكان الذي طمر فيه العقد، تذكروا أن العقد لا يفارق جيد السيدة إلاّ عند سرير النوم حين تتحرر من ثيابها، وهذا ما تفوهت به وصيفاتها، فسألوه، وعيونهم تقدح شهوة: هل كانت السيدة نائمة عند السرقة؟‏

وعبد الستار يجيب بنعم جواباً لأي سؤال بعد انهياره.‏

اقتربوا بأنفاسٍ من جمر: هل اطلعت على صدرها الناعم كطيات الحرير؟‏

-نعم.‏

-هل رأيت ما في الصدر من رمانٍ وتوت؟‏

-نعم.‏

وتخيلوا ما رآه عبد الستار من لذيذٍ محرّم، اشتعلت نيرانٌ في أجسادهم، ضربوا جباههم بأيديهم: أرأيت كل هذا، واكتفيت بالعقد، أنت تستحق الإعدام بلا محاكمة.‏

يبهتهم خبرٌ عاجلٌ يقول: "قبض الجهاز الثاني على أحد خدم السيدة، وبحوزته العقد الثمين"‏

فطيبوا خاطر عبد الستار باعتذارٍ، وفتحوا له باب الخروج.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244