|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
دمعة على صلاح الدين ـــ عبد الكريم المقداد طرقات شبه مقفرة، وسكون غير معهود يلف المدينة من أقصاها إلى أقصاها، حتى سوق الخضار فارقه الزحام وانشغل معظم باعته بما تعرضه التلفزيونات التي نبتت بمحالهم في الآونة الأخيرة. مرات عديدة جبُت الشوارع دون أن أحظى إلا بالنزر اليسير جداً من الزبائن، بعد أن كنت أتدلل خلال الأيام العادية في اختيار ما يناسبني من طلباتهم، والأدهى أن كلهم كان يركب إلى جانبي مقطب الجبين، مكفهر القسمات، أتخيل أنه مستعد لصفعي لو تفوهت بأي كلمة، ينغمس في الجريدة، أو يأمرني بفتح الراديو على الأخبار ويصمت إلا من بعض الكلمات النارية: كارثة، مأساة، مهزلة...... عند الثانية عشرة ظهراً كنت قرفت من الشغل، خصوصاً وأني خرجت من البيت مليئاً بالإحباط أصلاً، فقررت العودة إليه، وبينما كنت أقطع شارع هنانو مودعاً المدينة لمحت أحدهم يومئ لي بالتوقف، ففعلت لا شعورياً، كان رجلاً بكامل قيافته عليه علائم الوقار والرصانة. -أين؟ -دمشق. لم يخطر ببالي أنه كان يعني ما يقول، حين استوى على المقعد كررت السؤال: -أين أستاذ؟ -دمشق. -أين؟!. -قلنا دمشق. كان واضحاً وحازماً، وكنت محبطاً لا رغبة لي في العمل، فكيف أقطع مئتين وخمسين كيلو متراً ذهاباً وإياباً، نويت أتلخص منه فضاعفت الأجر: -ثلاثة آلاف. -لا بأس. أسقط في يدي، تحركت بتثاقل، ساورتني ظنون شتى، وبعد أقل من كيلو متر فاجأته، أو هكذا خمنت: -الأجرة لو سمحت. مد يده إلى جيب جاكيته بكل برود وناولني المبلغ، وضعته في جيبي، وواصلت المسير بعد أن أفلست كل حججي. طريق طويل، وصمت أطول وأوحش، لم ينطق بأي حرف، شرود كامل، كأنه دمية تجلس إلى جانبي، ألتفت إليه بين فينة وأخرى فأرى خلف نظارتيه عينين تموجان بسحب من الدموع تتأهب للانفضاض. تعبث أصابعي براديو السيارة بحثاً عن أي موجز للأخبار: -النهب والتخريب يتواصل لا مثيل له، السرقات طالت حتى الجامعات و.. -أقفله يرحم والديك.. كفانا مهازل. وجدتها فرصة لأتجاذب معه أطراف الحديث علّي أقتل وحشة الطريق، لكن دون جدوى، واصل صمته الخرافي وواصلت حيرتي ومسيري. خلال الطريق خطر لي أنه سكّير وأن كثرة الشراب ألجمته عن الكلام، تحايلت في الاقتراب منه عساني أشم ما يؤكد خاطري، عبثاً، تبددت أوهامي وتفاقمت حيرتي. بقيت على إحباطي وبقي على صمته حتى وصلنا. -أين. -ضريح صلاح الدين. حين أنزلته قرب الضريح وهممت بالعودة فاجأني مجدداً: -انتظرني قليلاً لو سمحت. ركنت السيارة، نزلت، ورحت أقطع الوقت بمراقبة المارة والمباني، مللت سريعاً، خطر لي أن أستطلع الضريح، اقتربت فألجمتني الدهشة وحفزت قدمي على التراجع، كان منكباً على الضريح يبكي بحرقة شديدة ويصرخ: -سقطت بغداد يا صلاح الدين. القشعريرة داخلت كل مسامي، كادت عيناي تتهاطلان لولا أني زجرتهما، داريت انكساري وحيرتي بجلوسي خلف المقود، وقبل أن أتمادى في شرودي وهلوساتي رأيته يفتح باب السيارة ويجلس: -والآن؟ -نرجع إلى درعا. -ها...! مد يده إلى جيب جاكيته، وناولني ثلاثة آلاف. -تفضل. التقت عيناي عينيه، أفاضت بحديث مكتوم فجر سحب الدموع المتجمدة، ودون أن ندري رحنا في عناق حميمي مصحوب بنواح مفضوح. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |