جريدة الاسبوع الادبي العدد 880 تاريخ 25/10/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

لغة الغياب وسيمائية الشعر قصيدة المفتاح للشاعرة بشرى البستاني أنموذجاً ـــ د.بتول حمدي البستاني

المفتاح(1)‏

قال الرجل المدمنُ:‏

أنت سرقت المفتاحْ‏

تركت سكارى القاعة يرتبكون‏

والراقصةَ المخمورةَ تبكي‏

اشتعل الضوء الأخضرُ،‏

وارتبك السير‏

والرجل المدمن يصرخُ:‏

هات مفاتيح القاعة‏

فالراقصة المخمورة تبكي‏

وأنا مسجون،‏

حتى هذه الساعة‏

بشرى البستاني‏

تعد القصيدة المفتاح من القصائد التي تحتاج إلى جهد تأويلي لاكتناه مكوناتها، إذ تبدأ بأسلوب تجريدي يتمثل في لغة الغياب المهيمنة على النص.. ولغة الغياب سمة من سمات قصيدة الحداثة، وهي لغة شعرية أو رؤية شعرية تميل إلى عدم إبراز الشيء والسعي إلى الحركة بعيداً عنه.. إنها لغة تمس المرئي عن بعد بلمسات رقيقة وتغيبه بطرق متنوعة(2).‏

يبدأ النص بجمل التباسية ناتجة بسبب الفجوة بين سيميائية اللغة وسيميائية الشعر:‏

قال الرجل المدمن:‏

أنت سرقت المفتاح‏

وتركت سكارى القاعة يرتبكون‏

والراقصة المخمورة تبكي‏

فمن هو الرجل المدمن؟ ومن يحاور؟ وأي مفتاح سرق؟ ومن هم السكارى؟ وما هي القاعة؟ وما سر الراقصة المخمورة؟ وما الذي أدمن عليه الرجل بحيث تحول إلى إنسان واع يحدد نوع المسروق؟‏

إن سر العذاب هنا يكمن في غياب (المفتاح) –عنوان القصيدة- وفي غيابه اختلطت الأشياء واضطربت.. فالفتح نقيض الإغلاق، وهو النهر والماء الجاري على وجه الأرض، وهو النصر، والمطر. والمفتاح الأداة التي يفتح بها كل مستغلق وغامض(3)، وهو أداة التحول إلى الضفة الأجمل، كما أنه أداة الكشف والإظهار، والوصول إلى سر السعادة الإنسانية.‏

ومن هنا ينكشف لنا سر ضياع الإنسان بضياعه.. ترى أهذا المفتاح لأي باب؟ باب الذات أم باب الآخر أم باب الوجود؟‏

إن النص يعالج قضية وجودية تتمثل في الهم الأبدي الذي يلف حياة الإنسان منذ الأزل..‏

لقد ضاع المفتاح أو بالأحرى (سُرق) وسُرقت حياتنا عنوة ومن غير اختيار، وترك الإنسان وحيداً يصارع من أجل العثور على المفتاح الذي يسهل عمله استرداد حياته..‏

وتحول كل من الرجل والمرأة إلى شخصين مدمنين.. ولكن ما حقيقة هذا الإدمان؟ وما نوع هذه الخمرة؟ إنها ليست الخمرة المعروفة بلا شك، فهي أكبر من ذلك، هي خمرة الحياة بكل ما فيها من صراعات متشابكة بين الحب والكراهية، والخير والشر، والأخذ والعطاء، والحياة والموت، والأنانية والإيثار.. الإنسان هنا يعاني من تلك الصراعات، وهو واع بتشعباتها ويحدد السارق بالضمير (أنت)، فمن هي هذه القوى المهيمنة المغيبة؟ إنها السلطة التي تهيمن على حياة الإنسان بكل قهرها وجبروتها، وتغتصب منه عوامل الحياة وتتركه محطماً مسجوناً يبحث عن مفتاح الخلاص الذي سيغير من سوداوية مصيره.. ولكن لا جدوى من ذلك، فالمأساة الإنسانية قائمة حتى هذه الساعة..‏

هل القاعة هي الحياة بكل عظمتها، وبكل من فيها وما فيها؟ وهل السكارى المرتكبون يمثلون الإنسان المعذب بسبب الخوف الرابض في داخله من المجهول، وبسبب غياب آلية النجاة في كل زمان..؟‏

إن لغة النص توحي بمفارقات ضدية تنبثق من التوتر الحاد بين الأشياء، والذي يؤدي إلى اختراق بنية توقع القارئ:‏

اشتعل الضوء الأخضر‏

وارتبك السير‏

***‏

يتلاءم النص التركيبي في النص مع التشكيل الدلالي المتمثل في الاضطراب والصراع القائمين في الواقع فضلاً عن خلخلة القيم، إذ تنازعت النص جملة فعلية تنزع نحو الحركة والاستمرارية، وجمل اسمية تميل إلى الثبات والجمود. يبدأ السطر الأول بجملة القول الفعلية، بينما يبدأ السطر الثاني بمبتدأ خبره جملة فعلها ماض متعد يدل على وقوع الحدث في الماضي واستمراره في الحاضر:‏

أنت سرقت المفتاح‏

وتركت سكارى القاعة يرتكبون‏

والراقصة المخمورة تبكي‏

فهي ماضية في فعل السرقة، وهم ماضون في البكاء والفوضى والضياع. ثم يعود نسق الجمل الفعلية ذات الفعل الماضي اللازم في السطرين الخامس والسادس لنرى من خلالها تجسيد الفوضى والقضاء على كل ما هو قائم وسائد في المجتمع:‏

اشتعل الضوء الأخضر‏

وارتبك السير‏

ويبدأ السطر السابع بمبتدأ خبره جملة فعلية فعلها مضارع يدل على الاستمرارية:‏

والرجل المدمن يصرخ‏

ثم يتغير نسق الأبيات في السطر الثامن فنلاحظ اسم فعل أمر يتمثل في (هات)، وهذا الفعل يظل قائماً حتى يتحقق وهو يقع في نطاق المحتمل لا الممكن، إذ من المحتمل تحقيقه أو عدم تحقيقه وبالتالي فهو يقع في دائرة الحديثة من لدن المأمور.. ويبقى الشاعر في حال توتر وارتقاب سرمدي(4).. فضلاً عن أن هذه الصيغة كسرت نمط القصيدة السائدة ومثلت بؤرة النص التي سيتم من خلالها التحرر والانعتاق لو حصل تجاوب بين الـ (هو والـ أنت)، لكن ذلك لم يحصل وظلت الراقصة المخمورة تبكي في السطر التاسع الذي بدأ بمبتدأ خبره جملة فعلية فعلها المستمر، وظل الرجل مغترباً يعاني الوحدة وما يزال إلى الوقت الحاضر:‏

وأنا مسجون/ حتى هذه الساعة‏

ونلاحظ تقابل السطر الثاني الذي بدأ بجملة اسمية مع السطر قبل الأخير المتكون أيضاً من جملة اسمية، وهذا التقابل بتركيبه يدل على ثبوت الحالة واستمرارها:‏

أنت سرقت المفتاح ينتج عن هذا الفعل وأنا مسجون حتى هذه الساعة إذ إن صيغة اسم المفعول المتمثلة في كلمة (مسجون) تحتمل الدلالة على الحال والاستقبال والثبوت والاستمرار(5).‏

هيمنت ضمائر المخاطبة على النص، وهي تدل على الحضور والفعالية، وتتعلق بمن سرق المفتاح، وهي تتجسد في الضمير (أنت) وفي ضمائر الرفع المتحركة (التاء) في الأفعال (سرقت، تركت). بينما طغت ضمائر الغيبة على الأفعال المرتبطة بالمرئي من الشخصيات، (يرتكبون-تبكي- يصرخ)، لتأكيد لغة الغياب والتجريد المهيمنين على النص.. ونلاحظ عدم وجود أدوات الربط في الجمل التي تحوي دلالات توحي بأفعال مصيرية في النص:‏

أنت سرقت المفتاح...../ اشتعل الضوء الأخضر....‏

هات مفتاح القاعة..‏

بينما نجد أدوات الربط تتكرر في ما ينتج عن هذه الأفعال:‏

اشتعل الضوء الأخضر/ وارتبك السير/ والرجل المدمن يصرخ....‏

وهذه الواوات تفيد التركيب والتعقيب مع الإشراك وربما يفيد بعضها إظهار أو وصف الحال. وتتكون أدوات الربط فتأتي الفاء بعد جملة (هات):‏

فالراقصة المخمورة تبكي‏

ليكون ما قبلها علة لما بعدها، وتأتي الواو ثانية لتدل على الإشراك:‏

وأنا مسجون‏

حتى هذه الساعة‏

***‏

وبعد، فقصيدة المفتاح قصيدة مفتوحة لها القدرة على إثارة ذهن المتلقي وإغرائه للدخول إلى عالمها واستكشاف محاورها وجمالياتها المختلفة.‏

الهوامش‏

(1)البحر يصطاد الضفاف، بشرى البستاني، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2000: 13-15.‏

(2)لغة الغياب في قصيدة الحداثة، د. كمال أبو ديب، مجلة الأقلام، 5/1989: 4.‏

(3)لسان العرب المحيط، ابن منظور، قدم له: عبد الله العلايلي، إعداد وتصنيف: يوسف خياط: مادة فتح، 1044-1045.‏

(4)محمود درويش ومواقيت القصيدة، جماليات الزمن النصي مقاربة وصفية سيميائية، عبد الله السمطي، مجلة القاهرة، 151/ 1995: 76.‏

(5)معاني الأبنية في العربية، د. فاضل السامرائي، جامعة الكويت، كلية الآداب، ط1، 1981: 60.‏

(6)البنيات الدالة في شعر أمل دنقل، عبد السلام المساوي، منشورات اتحاد الكتاب العرب: 34.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244