|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
من قاموس المصطلحات الأدبية ضد الرواية ـــ ت.ميخائيل عيد إنها رواية تبدعها جماعة من الكتاب الفرنسيين المعاصرين، وهي في عدة جوانب رفض للرواية الكلاسيكية. ظهرت ضد الرواية "الرواية الجديدة" في أواسط القرن العشرين في فرنسة. كان ظهورها نتيجة للظروف الاجتماعية ـ السياسية والثقافية المتناقضة في البلدان الرأسمالية في أيامنا. إن ما يميز الروح الإنسانية في تلك البلدان هو الشعور بعدم الضمان، والخوف من الحياة، والعجز أمام مفاجآتها، وغربة الإنسان عن الإنسان. يصور الكتّاب المحدثون العالم فوضى وعبثاً، وهم يجافون حقائق الواقع، ويفقرون الأدب، إلى حد بعيد، من المحتوى الموضوعي، ويفعمونه بالتشاؤم. ويزعمون أن الأساليب الأدبية الواقعية قد شاخت، وأن الرواية تعيش في أزمة، ويدعون إلى توجهات جديدة من الغنائية. ويتبنون نقيض الدراما ونقيض المسرح. في مثل هذا الوسط تقدم "نقيض" الرواية. والرواد هنا هم جيمس جويس في روايته "أوليس" ومارسيل بروست في سلسلة روايات "البحث عن الزمن الضائع" وفرانز كافكا في "المحاكمة" و"القلعة" وغيرهم. وكانت المبشرة بضد الرواية هي فرجينيا وولف. إن طريقتها في التحليل النفسي في رواية "ميسيس ديلوي" قد اتبعتها من ثم ناتالي ساروت، أما وصفها المفصل للأشياء فقد اتبعه ألن روب غرييه في رواياته. إن مصطلح "ضد الرواية" استخدم، أولاً، من قبل جان بول سارتر في مقدمة رواية "صورة (بورتريه) رجل مجهول" لناتالي ساروت. قال "إن أبرز سمات عصرنا الأدبي هو أنه تظهر هنا وهناك نتاجات متسرعة وسلبية في الأغلب نستطيع أن نضع إبداعات نابوكوف، وايفلين فو، وإلى حد ما "مزوري النقود" (لاندريه جيد). مضادو الرواية يحافظون على مظاهر الرواية الخارجية وعلى خطوط كفافها: إنها إبداعات الخيال التي تصور أبطالاً وهميين وتحكي سيرتهم. وذلك كي يدهشونا أكثر: وهذا يضع الرواية موضع شك في الوقت الراهن، ففي حين يخيل لنا أنها تُبنى نراها تتهدم أمام أعيننا، فأن تكتب رواية رواية ما، أمر لا يحدث ومن غير الممكن أن يحدث، وكذلك هي حال محاولة تقديم تخيلات ثم مقارنتها بأعمال دستويفسكي وميريديث، إن ذلك مثل مقارنة لوحة ميرو "قتل التصوير" بأعمال رمبرانث وروبنس. إن أشهر مضادي الرواية هم: ناتالي ساروت، وألن روب غرييه، وميشيل بيوتور، وكلود سيمون، وكيرول وسواهم. في البيانات الأدبية، وفي التصريحات في التجمعات والمؤتمرات، في المقالات والدراسات التنظيرية يدافع واضعو "الرواية الجديدة" عن مواقفهم الفكرية والجمالية. تؤكد ناتالي ساروت أن "عصر الشك" قد حان، وفيه لم يعد الكاتب الملقن كلي القدرة ولا المتنبئ لأن القارئ لا يصدقه. أما ألن روب غرييه فينكر "أدب الأفكار" ويرمي "العميق" و"المتجانس" فيه، ويعلن الوصف، هذا الذي يبهج، يقيس، ويقدم، ويفصل، ويحدد." يسعى الروائيون الجدد إلى التغلب على التقاليد والمحافظة في الأدب، وإلى تقديم نتاجات تتجاوب مع المعاصرة، ومع الروحانية الحديثة. لا يقوّمون في رواياتهم الأبطال والأحداث، يحاولون أن يبقوا محايدين فلا يضفون معاني على الأشياء، فهم أنفسهم لا يؤمنون باستخلاصاتهم ورؤاهم. إن ألن روب غرييه يعلن: "الأدب لا يصلح لشيء. والكاتب، كأي عامل في الفن، لا يستطيع أن يعرف لماذا يصلح. ليس الأدب في نظره سلاحاً يضعه في خدمة المجتمع: الكاتب يعاني كالآخرين من تعاسة مشابهيه. ليس مشرِّفاً أن نطلب منه أن يداويهم." ويؤكد الكاتب نفسه: "ليس من الذكاء أن يُطلب من رواياتنا أن تخدم قضية سياسية، حتى لو بدت لنا هذه القضية عادلة وكنا نناضل في سبيل انتصارها في الحياة السياسية." ويبدو جلياً أن الكاتب يرى الإبداع الأدبي منعزلاً عن الحياة مكتفياً بعالمه الخاص. السمة المميزة للكتاب الذين يقدمون "الرواية الجديدة" هي إيلاء الاهتمام الكامل بشكل النتاج الأدبي الذي يرونه أسمى من المحتوى. كتب ألن روب غرييه: "يصلح الشكل، قبل كل شيء، لأن يكون أساساً راسخاً للفنان. فهو، تحديداً، يمثل النتاج الفني، لأن محتوى النتاج الفني الحقيقي هو شكله." إنهم لا يسعون إلى البحث عن الحقيقة بل عن "شكل جديد"، "أسلوب جديد"، ويقع مضادو الرواية أسرى الشكلانية وحب الجمالية على الرغم من إعلانهم أنهم يخلقون "واقعية جديدة." يُلحظ اتجاهان في "ضد الرواية". الأول هو توجيه القارئ نحو الحياة الداخلية، نحو التعرجات النفسية المعقدة، والثاني يوجهه نحو العالم الخارجي، نحو المواد. وثمة خواص متقاربة بين الاتجاهين على الرغم من تباينهما. ممثلة الاتجاه الأول المعروفة هي ناتالي ساروت قد كتبت عن إبداعها: "أنا أدرس الحركات النفسية في عملية تشكلها بل حتى في حالة ولادتها، في فعلها، حين لم تكن قد أدركت بوضوح، أي حين تمر سريعة في مكان ما على عتبة الإدراك" رواياتها "صورة رجل مجهول" و"مارترو" و"بلانيتاريوم" و"الثمار الذهبية" مفعمة بنفسانية معقدة. تتوغل فيها المؤلفة في الطبع البشري، عبر طبيعة البطل الأخلاقية، غير الموجودة وتتوصل إلى إضاءات نفسية وإلى ارتعاشات غير واضحة، ودوافع لا شعورية. هذه التفكرات الدقيقة، وهذه النبضات الروحية المقدمة ببراعة كبيرة تدعوها المؤلفة "مجازات". "عجينة لا اسم لها ولا خط كفاف".. ناتالي ساروت تؤكد وجود عالم اللاوعي النفسي لكنها لا توضحه. وأكثر من ذلك: هي لا تستخدمه لكي تعطي الفرادة لأبطالها لأنها لا تهدف إلى تصوير طباع. هي ترى أن الناس في عالمها المجازي متشابهون، تتكون فرادتهم من الشخصيات الحية، "يبقى فقط غلاف مادي لا شكل له ولا نهاية". إن الكاتبة تفصل، في الواقع، التحليل النفسي عن شخص الإنسان الفرد ممطلِقةً إياه "أي معطية إياه سمة المطلق" جاعلة منه هدفاً بذاته. وهكذا نجدها تقدم رواية نفسية مجردة معزولة عن حياة الناس، عن الأمور الملموسة. لقد وصلت ناتالي ساروت إلى تدمير الرواية لا بتدمير طبع البطل الأدبي وحده بل أيضاً بإفقارها إلى النهاية الموضوع حتى إهماله كلياً. "صورة مجهول" تكشف أساساً معاناة أب وابنة. في "الثمار الذهبية" يغيب الموضوع ويغيب البطل. تضع المؤلفة أساساً للرواية مناقشة رواية عنوانها أيضاً "الثمار الذهبية" هي الأخرى لا يعني موضوعها شيئاً تقريباً. التوجه الثاني في ضد الرواية يمثله ألن روب غرييه. ففي حين تسعى ناتالي ساروت إلى التجريد في مَطْلَقة التحليل النفسي فإن غرييه يسعى إلى إهمال الناس وإلى مَطلَقَة عالم الأشياء. في روايات غرييه ("المطاطات" و"الشاهد" و"غيرة" و"في المتاهة" و"السنة الماضية في ماريينباد" لا تُرسم تقريباً أبطال ولا طباع، ولا علاقة حب ولا واقع. تسود فيها الأشياء، مغرَّبة عن الإنسان الذي يتحول إلى شيء. الأشياء الموصوفة تفصيلاً تملأ محتوى الروايات، تحل محل الشخوص الفاعلة، ولهذا دُعي منهج غرييه التعبيري "الشيئية" أو الشيئانية. على نحو مختلف عن نهج ناتالي ساروت وصل ألن روب غرييه إلى تدمير الرواية. لقد قضى على الأبطال وعلى الموضوع. المألوف في نتاجاته عدم وجود فعل، من ثم يستبدل الحال بالزمان في المكان، ويحل أحدهما محل الآخر. يقفز المؤلف من الحاضر إلى الماضي وعلى العكس، وعلى القارئ نفسه أن يفطن إلى ذلك. الأشياء توقظ شتى المشاركات، ترغم الوعي على أن يقفز إلى الأمام أو إلى الوراء في الزمن. هذا كله يجعل قراءة ضد الرواية صعبة حتى على عاشقي الموضة (سنوب) التافهين. أما القارئ العادي فهي غريبة عنه تماماً، لأنها منفصلة عن المعاصرة ومفرطة في التأملية ومجردة وضبابية. بعد خمسة وعشرين عاماً على ظهور ضد الرواية كتب الناقد الفرنسي بيير هنري سيمون: "القارئ... من غير الممكن أن يتواءم مع هذا، مع ألاّ يحس بالحياة. هنا الضعف الأكبر "للروائيين الجدد": لا يوجد دم، لا جسد، لا رغبات." إن تطور كتاب ضد الرواية اللاحق الذين ينتمون إلى يسار المثقفين الفرنسيين متعلق بموقفهم من المحتوى ومن المبدئية الفنية التقدمية في النتاج الأدبي. لأأسأساس |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |