|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الابتكار والمعاصرة في الأدب والفنون ـــ عادل العامل يرتبط مفهوم الابتكار في الأدب والفنون، على الدوام بمفهوم المعاصرة إلى درجة لا يمكن معها تصور أن يستطيع أديب أو فنان ابتكار شيء ما، أي إغناء إرثنا بعمل جديد لم يسبق أن وجد من قبل، كما يعرِّفه الكاتب الفرنسي بيير كامارا، إن لم يكن متمثلاً لتطورات عصره والتغيرات الجارية من حوله في العالم، وإن لم يكن، في المقام الأول، ذا رؤية معاصرة بمعنى الحداثة الزمنية متجليةً في حداثة الشكل والمضمون المرتبط بها جَدَلياً. ولا يعني هذا، بالطبع، أن الابتكار بمفهومه هذا مقصور على عصرنا التكنولوجي الراهن، وفقاً للتطورات الهائلة التي شهدها ويشهدها مجتمعنا الحديث وما تَمثَّلَه هذا المجتمع في وعيه الجمعي من رُقي في مختلف مجالات حياته. إذْ لو قلنا خلاف ذلك، لألغينا كل أهمية للإنجازات العظيمة التي أثمرتها عبقريات وجهود وتشوّفات مجتمعات الماضي التي سبقتنا على هذه الأرض، ولَكُنَّا ناكرين لجميل أرسطو، فيدياس، امرئ القيس، المتنبي، ابن سينا، عمر الخيام، شكسبير، أنجلو، سرفانتس، بوشكين، فان كوخ، ماركس، تولستوي وغيرهم، الذين كانوا هم أيضاً، بالطبع، معاصرين لأزمانهم بكل ما تعنيه المعاصرة من تمثل للأصيل من موروثات الماضي وإبداع للجديد الذي يلبي متطلبات العصر، يواكبها، ويسبقها أحياناً كثيرة بوضعه لأسس ما تتطلبه الضرورة التاريخية أن يأتي. فالابتكار، إذاً، مرتبط بحداثة المبتكر في زمنه، بعقليته التي هضمت الموروث الأصيل والمعاصر الإبداعي وزادت عليهما من خلال ولادة طبيعية للجديد، قد تتقدم أو تتأخر قليلاً، وليس بتوليد قسري يكون المولود عنده غير متمثلٍ، بعد، لعناصر وسطه الذي كان فيه وغير مستعد فيسيولوجياً، سايكولوجياً واجتماعياً لمعايشة الوسط الذي حلَّ فيه، كما حدث للنزعات القافزة التي أرادت إلغاء الماضي وحرق الحاضر لتعيش في مستقبل متخيَّل منقطع عن حبله السري. حقّاً، لقد تعرضت بعض النزعات الإبداعية الجديدة، القائمة اليوم، في بداياتها لمثل هذا التقويم، وواصلت انطلاقتها، مع ذلك، لتصبح السائدة في أيامنا هذه. لكن هذه النزعات لاقت، بذلك، حظها مما يلاقيه أي جديد، كالواقعية في القرن التاسع عشر، مثلاً، وليس ما يلاقيه أي مفتعل ناشئ من إغراق في الذات ورغبة عارمة في الإبهار تفرزهما أحياناً بعض الظروف الإحباطية العامة، كما كان حال الدادائية في أربعينات هذا القرن في فرنسا خاصة، وحال الموجة الجديدة في أدب الستينات في العراق. ونحن، هنا، لا ننكر فضلاً لمثل هذه الموجات في "نبشها" لتربة العقل البشري، بين حين وآخر، مما يهيئها لإنماء نباتات فكرية جديدة كل الجدة، إلا أن ذلك يبقى فضلاً جانبيّاً في عملية أساسية جارية بالفعل، مثل النار الهادئة، لقيام ما أصبح ضروريّاًَ وما سيسود مستقبلاً كنزعة إبداعية جديدة في الأدب أو في الفن، أو في كلاهما معاً، في الغالب. فبدون الأصالة لا تكون هناك معاصرة حقيقية، وبدون هذه لا يكون هناك ابتكار بمعنى الجدة الملبية لحاجة يتشوف إلى تلبيتها الفنان أو الأديب، وكذلك المتلقي، في الوقت نفسه ـ الفنان أو الأديب، أنه في حاجةٍ ملحة للتعبير عن حالة العصر، التي هي حالته أيضاً، بطريقةٍ أكثر تزامناً وإيصاليةً وأشد غوراً وأشمل مدىً، والمتلقي، لأنه لم يعد قادراً على فهم دوره ومشكلاته، التي هي مشكلات العصر أيضاً، بنفس المفاهيم والأسلوب المتداولين لسنوات طويلة مضت، ولذلك، فلابد من نشوء نمط جديد من التفكير والتصوير والمعالجة لإيجاد الانسجام الحي المقنع ما بين الواقع المستجد وانعكاساته الفكرية والفنية. وهذا ما يفسر السبب في أن "الواقعية الاشتراكية" على سبيل المثال، لم تنشأ إلا بعد سيادة التحولات الاجتماعية الكبيرة التي شهدتها أوائل هذا القرن، والتي لم تعد "واقعية" القرن التاسع عشر المنصرم قادرة على استيعابها والتعبير عنها وعما أفرزته من أفكار وتشوفات وشخصيات جديدة. كما أن هذه "الواقعية الاشتراكية" التي اصطبغت بها إبداعات الكتَّاب والفنانين في ظل الأنظمة الاشتراكية السابقة للتعبير عن مفاهيم وبطولات ومواقف معينة منحازة للعدالة الاجتماعية والعمل والطبقات الكادحة والكفاح ضد الاستغلال والقهر والرذيلة، لم تعد مقنعة وملائمة، بصيغتها التفاؤلية التقليدية، للتعبير عن هذه المبادئ، خاصة بعد أن تكشَّف انهيار الأنظمة الرسمية للاشتراكية في أوروبا مؤخراً عن مثل هذا الخواء الكئيب في الروح والبنية الفوقية، وعن فاعلية الدور التخريبي الطويل النفس لقوى الإمبريالية والرجعية والانتهازية وللضعف البشري إزاء السلطة والمال والمغريات الأخرى. وبالتالي، فإن أحداً من هؤلاء الكتَّاب أو غيرهم لن يغامر، إن استطاع بالكتابة على ضوء تلك "الواقعية الاشتراكية" الخافت. ولابد أن تتمخض التحولات والصراعات والقناعات الجديدة عن مسلك فكري معاصر في الأدب والفنون للكفاح من أجل انتصار تلك المبادئ النبيلة، يكون أكثر أصالةً وجاذبيةً وتأثيراً واستيعاباً لدرس التجربة الخائبة وتفصيلات الحياة اليومية للواقع المعاصر الجديد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |