جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ندوة الترجمة في السويداء ـــ شادي سلامي رزق

على مدى يومين في مديرية الثقافة في السويداء ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الأدبي، وبإدارة الدكتور ثائر زين الدين مدير الثقافة، ألقى العديد من كبار المترجمين في سوريا ندوة تحت عنوان "الترجمة في سوريا هموم وطموحات"، حيث تحدثوا فيها عن كيفية الترجمة الصحيحة وأهم ما يواجهه المترجمون من صعوبات وتحديات بالإضافة إلى هموم هذه المهنة الشاقة، والمسؤوليات المترتبة عليها.‏

ففي اليوم الأول قدّم كل من الأساتذة: ثائر ديب ـ عبد القادر عبدلي ـ رفعت عطفة، مداخلة تناولت العديد من القضايا الهامة على صعيد الترجمة وكيفية تجنب الوقوع في عثرات خطواتها...‏

الأستاذ ثائر ديب: عضو جمعية الترجمة في اتحاد الكتاب العرب، ترجم العديد من الكتب حوالي الثلاثين كتاباً منها: تأملات في المنفى ـ إدوارد سعيد، موقع الثقافة، العسل، بؤس البنيوية، نظرية الأدب وغيرها...‏

تحدّث عن العثرات التي يقع المترجم فيها.. فالترجمة عنده ليست مجرد معرفة اللغتين: اللّتين يترجم منها وإليها، بل هي قائمة على معايير من أجل الحكم على جودة الترجمة ومدى خدمتها للثقافة وسدادها. إذ أن هناك ثلاثة أبعاد للترجمة بقصد الفهم.‏

البعد الأول: لُغوي أي معرفة اللغتين بمعنى معقد وحديث في علم اللغة حيث التفاعل الغني والتوليد والنماء ومعرفة معنى الكلمات قديماً وحديثاً لتباين معانيها.‏

وقد قدّم مثالاً أوضح فيه عدم فهم المترجم لخفايا الكلمات، ففي أحد أعداد مجلة الآداب الأجنبية وفي مقالة مترجمة، وردت كلمتا "الأوبرا الصابونية" ((Soap Opera)) حيث ذَكرَ أن المترجم قد فسرها في الحاشية على أنها نوع من الأوبرا المعروفة؛ بينما يرى ثائر ديب أنها تعني مسلسلات تلفزيونية خفيفة أو بمثابة غرفة صغيرة للأحاديث الخفيفة.‏

والبعد الثاني: معرفي أي معرف السياق الخاص للنص، وهنا يورد مثالاً أيضاً من المقالة نفسها، على ما أعتقد، أوضح خلاله الفرق الكبير بين معنيي الكلمة الواحدة مثل كلمة ((Feminism)) والتي كانت مترجمة على أنها ((حركة المساواة بين الرجل والمرأة)) بينما هي ((حركة النقد الأدبي النسوي)) والتي نشأت ما بعد البنيوية والتفكيك أي بعد عام 1968، فهي تيارات جديدة لحركة الطلاب خصوصاً في فرنسا، حيث وُلدت في مناخ معين وبسياق تاريخي تجلّى فيما بعد عام 1968 في ظروف أوروبية أدت إلى خلق ثورة الحقوق كحقوق الطفل وغيرها..‏

أما البعد الثالث: فهو نقدي فكري كأن ينظر المترجم إلى ما ترجمه من عين أخرى. فالترجمة فعل ثقافي لإعادة تأهيل الثقافة الإنسانية.‏

وفي نهاية حديثه أشار إلى ربط المترجمين السوريين بمؤسسات شاملة تُعنى بالترجمة، ومحاولة صب كل الجهود في نشر أمهات الأعمال المترجمة، مؤكداً على ضرورة بناء بنية تحتية متواصلة لإعداد أجيال متلاحقة من المترجمين.‏

واختتم كلامه بالحديث عن حجم العمل المطلوب الذي يستدعي وجود فريق عمل كبير جداً، وأنه من الخطأ نشر كتاب واحد فقط في السنة لمترجم ممتاز...‏

ـ ويتناول الحديث بعد ذلك الأستاذ عبد القادر عبدلي الذي يُترجم عن التركية وله العديد من الأعمال منها: مجموعة حكايات، الطريق الوحيد وغيرها...‏

وتحدّث عن العثِرات، كما أسماها، الموجودة في النقل بين اللغتين العربية والتركية. وقال أنه لا يمكن لإنسان تعلم لغة هو يحتقرها، وأنه لا يكفي مجرد معرفة اللغتين اللتين يتعامل معهما المترجم. وأشار إلى العديد من الأخطاء التي يقع بها المترجمون عادة كالأخطاء المنتظمة، كما أسماها، ومنها استخدام كلمات عربية في اللغة التركية ذات معنى مختلف يتم نقلها إلى العربية بمعانيها العربية، خاصة بعد تأثير العربية الكبير خلال الفتح الإسلامي لبلاد الترك، ومنها: مِلاّت وأمّات، مدرسة، احتلال، غزال...الخ.‏

وهنالك من الأخطاء المضحكة حقيقةً، كما ذكرها، خلال بحثه على الإنترنت في إحدى المرات عن الآثار العثمانية خارج تركيا، فلم يجدْ من بين قائمة البلدان اسم سوريا، واستغرب وجود اسم السودان عوضاً عن اسم سوريا، ومن باب الفضول فتح قائمة السودان وإذْ بدمشق وحلب قد أصبحتا في السودان!‏

وأشار أيضاً إلى الفرق بين اللغتين التركية والعثمانية وإلى خطأ اعتبارهما لغة واحدة. ففي اللغة التركية والمؤلَفة أبجديتها من 29 حرفاً هناك ما يسمى بالكلمات المركبة، أما في العثمانية أو التركمانية فلا يوجد كلمات مركبة. وأنه من الصعب الترجمة دون معرفة الكلمات المركبة والتي تبلغ من اللغة نسبة 40% بالإضافة إلى المجاز.‏

واختتم حديثه عن خطأ القراءة، إذْ كيف يمكن للمترجمين أن يقوموا بعملية الترجمة إذا كانوا لا يعرفون القراءة جيداً، وإذا كانوا قد تعلموا اللغة من أمهاتهم (شفاهاً).‏

ـ واختتم الأستاذ رفعت عطفة ندوة اليوم الأول بمحاضرة خصّصها للحديث عن ترجمة الشعر. (ترجم العديد من الكتب منها: كتاب التساؤلات ـ لينين ماركس، لن يدخل الموت القصر ـ مسرحية، البيت الأخضر ـ رواية... الخ).‏

تحدث الأستاذ رفعت عن الشعر والترجمة فقال:‏

أعتقد أن الجملة الإيطالية الشهيرة "المترجم خائن" تصدق وتنطبق على الشعر أكثر من غيره، خاصة وأن التواصل الحضاري في العلوم سواء منها المحضة أو التطبيقية والإنسانية أصبح كبيراً. ولأن الشعر حين يُترجم بعامة يفقد كثيراً من خصائصه، القائمة أصلاً على جرس الدال وجدّة المدلول وجدلية العلاقة بينهما والصور التي يوحي بها هذا الجِرس وذلك السياق والإدهاش الذي يحدثه هذا مجتمعاً. ويتابع حديثه عن مستوى الأمانة في ترجمة الشعر بحسب اللغات المترجم منها وإليها وثقافتها وتواصلها أو عدم تواصلها.‏

وهنا يوضح ذلك مع ذكر المثال، فإذا كانت بين لغتين من عائلة واحدة ومستوى ثقافي وحضاري متماثل تكون ممكنة جداً للحفاظ على الجِرس الموسيقي وأحياناً الوزن وعلى الصورة الشعرية. كما يمكن أن يكون بين القشتالية (الإسبانية) والكتلانية أو الإسبانية والجليقية كقصائد جوان مارغريت التي ترجمها أنطونيو خيمِنث ميّان. وإلى حد كبير بين الفرنسية والإسبانية كالقصيدة التي كتبتها المفكرة الإسبانية ماريّا ثامبرانو بالفرنسية وترجمها إلى الإسبانية الباحث والمترجم والشاعر الإسباني خسوس مورنو سانث في كتابه ((ملاك الحد والتخم المتوسط)).‏

بينما تختلف الحالة إلى حد لا بأس به حين تقوم ترجمة الشعر بين لغتين من عائلتين مختلفتين، لكنهما تمتلكان مستوىً واحداً من التطور الثقافي والحضاري، فلا تأتي الخسارة كبيرة لأن كل ما يفقده الشعر، في هذه الحالة، سيكون قليلاً من الجِرس الموسيقي وقليلاً من إيحاء الصورة المجازية. كما يمكن أن يحدث بين اللغة الفرنسية والإنكليزية وبين الأخيرة والإسبانية إلى حد ما، كما في قصيدة ت.س إليوت "الرجال الجوف" ((The Hollow Men))، ويقدم هنا أيضاً مثالاً عن الترجمة بين الفارسية والعربية التي عرفت في الماضي نشاطاً متميزاً متمثلة في "رباعيات الخيّام" التي شهدت ما لا يحصى من ترجمات وكم هي الحدود واسعة بين مترجم وآخر، وأهم هذه الترجمات هي لأحمد رامي وأحمد الصافي النَجفي، لأنها استطاعت أن تعطي من يقرأ هذه الرباعيات انطباعاً بأنها كُتبت بالعربية. رغم ما فيها من تباين مع الأصل كما يؤكد الدكتور يوسف حسين بكّار. ويتابع الأستاذ عطفة حديثه عن الترجمة بين لغتين تنتميان إلى عائلتين مختلفتين وثقافتين متباينتين في المستوى الحضاري، أنها تكاد تصبح محالة لأن الموسيقا الداخلية، عدا الموسيقا الخارجية، ستضيع وإيحاء الصور المجازية سيصبح لغزاً على القارئ، كما يمكن أن يحدث بين الإسبانية والأفغانية.‏

وعن اللغة الإسبانية واللغة العربية يقول الأستاذ عطفة أن الشعر العربي قد وفّق عبر مترجمين إسبان على درجة عالية من الكفاءة والثقافة كالمستعرب الكبير اميليو غاريثا غومث عندما ترجم الشعر العربي الكلاسيكي وبخاصة العربي الأندلسي.‏

وكذلك الأمر بالنسبة للشعر الصوفي وخاصة شعر الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، والذي يترجمه إلى الإسبانية بابلو بنيتو. ويكمل حديثه عن الشعر العربي المعاصر بأنه وفّق أيضاً بعدد كبير من المترجمين الإسبان أمثال بدرو مارتينث مونتابث وفدريكو أربوس وغيرهم.. ويجلب مثالاً بعض المقاطع من قصيدة أدونيس "احتفاءً بالواقع" ((Homenaje ala realidad)) ترجمها إلى الإسبانية ماريا لويسابرييتو: لو كان واقعنا شخصاً /لرفض أن يتمرأى في الكلمات/ التي نقولها عنه المخيّلة امرأة /بين جدائلها ينام الواقع.‏

مهما كانت الرغبة شمسية وعالية/ فهي لا تقدر أن تلامس عنق الشمس ينزل الزمن طفلاً/ في ضيافة الذاكرة...‏

وتحدّث عن المفاهيم الجديدة التي قد تكون مشتقة مما قبلها، وأن ما قبلها أصبح حلقة مفقودة بالنسبة للمترجم، وأرجع سببه إلى انقطاع التواصل الذي ليس بالضرورة ناتجاً عن البعد المكاني، وإنما ناتج عن القطيعة أو الفجوة الثقافية بين حركة الثقافة في بلد الأصل والمترجم، أو في البلدين. ويتحدث عن قصيدة "دفلى" ((Adelfos)) لما نويل ماتشادو على أن ترجمتها خالية من أي جِرس موسيقي ومن الإنسيابية.‏

أي أن استقامة المعنى لا تعطي استقامة القصيدة. وبالكلمات التالية يختتم الأستاذ عطفة حديثه: إن ترجمة الشعر، خيانة جميلة، ولا بدّ منها لأن الشعر واحدٌ من المعايير التي ستكون مهمة جداً في الكشف عن هول الهوة التي تزداد عمقاً يوماً بعد يوم بين بلدان مادرجوا على تسميته بالشمال وبلدان الجنوب، كما سيكون الشعر مهماً في الكشف عن عبودية القرن الذي بدأ تواً وبهذه الحرب التي يسمونها الآن أولى حروب القرن، هذا إذا لم يتمكن الناس من الوصول إلى حوار حقيقي بين الحضارات...‏

وفي اليوم الثاني ألقى الأستاذان زياد العودة وعارف حديفة محاضرة عن الترجمة بشكل عام بينما اختتم الدكتور ثائر زين الدين الندوة بورقة عمل تحت عنوان "في ترجمة الشعر".‏

"تحديات النص ... هواجس المترجم" ورقة عمل قام بمناقشتها الأستاذ زياد العودة، (من ترجماته: أسطورة دون جوان، مارلو، مورياك، أزمة مفهوم الأدب في فرنسا في القرن العشرين).‏

"أمام هذه العلامات المتباينة، والمتعاقبة خطياً أمام العينين، والتي تدعو إلى فك رموزها، وفهمها ثانياً، وفي قصدنا نقل هذا الفهم ثالثاً". بهذه الكلمات بدأ الأستاذ زياد حديثه وأشار إلى كيفية صفاء الذهن في عملية الترجمة لإعمال الفكر والخيال والذاكرة معاً، محاولاً إيجاد العلاقات، والإشارات إلى ما وراء العلامات فتكون المعرفة في الفهم في إدراك القصد، وأن ذلك ليس كافياً وهنا يشير إلى استشارات متواترة لمعاجم ثنائية اللغة أولاً المكرّسة وغير المكرسة بالاستخدام والتجربة. بالإضافة إلى معاجم أحادية اللغة، وكون المترجم يجب أن يمتلك ذاكرة حديدية في تذكر الكلمات. وتحدّث عن الوزنة والمعيار في الترجمة فقال: على قدر الإمكان، يكون تعداد الوحدات اللغوية متقارباً، فلا نترجم كلمة بجملة، ولا جملة بكلمة، إلا في حالات خاصة يكون فيها الإفهام والإيضاح أساساً، ويدفع بالتعادل الوزني إلى الدرجة الثانية. ويقول عن المترجم بأنه ليس "وازن الكلمات" فحسب، فعلى المترجم أن يكتشف اللونيات الطفيفة في الدلالة لكي يقدم نصاً حقيقياً بعيداً عن الزخرفة. وأشار إلى أن الترجمة لا يمكن أن تكون قسرية ولا واجباً شكلياً، وهي مهمة صعبة انتدبنا أنفسنا لها، أو كلفنا بها غيرنا، وإلاّ سنقدّم عملاً لا روح فيه.‏

فالهدف من العمل الترجمي البحث عن مسرات معينة لمشاركة صديق أو جماعة ومنها إلى أوسع محيط ممكن... وأن غاية المترجم هي أن يجعل القارئ يردد بعفوية وطيب خاطر ما ورد في ترجمته، مثلما يردد شعراً خارقاً أو قولاً مغرياً.‏

وقال في إيقاع النص أنه لصيق بأسلوب الكاتب ففي العادة لا ينقل الكاتب إلى القارئ أفكاراً فحسب، بل شكلاً من الصياغة تميزه عن غيره. وهنا يأتي دور المترجم بألاّ يحرّف شيئاً أو يخطئ (يخون) وأن يتوارى نسبياً خلف النص، في الكواليس، وأن يترك المسرح للكاتب. وهنا لا بدّ أن يستشف القارئ حضوراً لمترجم غير المصطنع بألاّ يستخدم لغة خاصة تميزه باعتباره كاتباً له أسلوبه فالإسراف في إظهار التمايز عن الكاتب قد يبعد المترجم عن جوهر مهمته. ويشير إلى أنه مع كل الجهد المبذول للإتقان ومراعاة الأمانة، تمر لحظات يتعثر فيها العمل، ويصبح المسير صعباً ومتقطعاً، وأرجع سبب ذلك إلى فقدان التواصل الحميم مع روح الأصل.‏

وأخيراً تحدث عن طرق الترجمة المبدعة بأنها محفوفة بالمخاطر وتقع على حبل مشدود ورفيع في حلبة الأدب والفكر. وأن بلوغ مستوى رفيع من الإبداع الترجمي غاية لا يقدر عليها إلاّ الذين لا يتهيبون من المسالك الوعرة المتعرجة في نتاجات المبدعين.‏

ـ وفي ورقة عمل تحت عنوان "ملاحظات حول التجربة الخاصة والعامة" تناول الأستاذ عارف حديفة جملة من الأفكار والانطباعات عن تجربته الخاصة وعن التجربة العامة من أجل إثارة حوار حول أوضاع الترجمة عندنا... (من أعماله المترجمة أحد عشر كتاباً في الفكر والأدب والفن بالتعاون مع وزارة الثقافة: مختارات القصص الإنكليزية الحديثة ـ المأساة والخوف ـ الدراسات الأدبية المقارنة).‏

أقدم في أول السبعينات على ترجمة قصائد للشاعر ما يكوفسكي عن الإنكليزية، وهو عمل فيه جرأة كما قال عنه الأستاذ صياح الجهيّم، وتأتي الجرأة في كونها مغامرة غير مدروسة، كما قال، من حيث أنها ترجمة شعر، لمايكوفسكي، والترجمة تمت عن لغة وسيطة. ويقول الآن عن ذلك بأن حماس الشباب كان وراء ذلك العمل.‏

ويتابع الأستاذ عارف قوله بأنه باستثناء قصائد مايكوفسكي والمقالات والقصائد المتنوعة التي ترجمها من تلقاء ذاته فإن الترجمات الأخرى كانت بالتعاون مع وزارة الثقافة والتي هي ذات توجه ومعيار شأن بعض المؤسسات العربية. وأشار إلى ما تقدم منذ فترة طويلة مادة متنوعة ورصينة وبأسعار مناسبة ولكن الوزارة بقي عدد نسخ ما تطبعه من كتب يتراوح بين الألف وخمسة الآلاف ليس غير. ويتابع حديثه عن الترجمة بأنها عملية تبادلية أملاها واقع احتكاك الشعوب ببعضها وتباين مستوى تطورها وضرورة أخذ المتأخر عن المتقدم، ويضيف بأنه ينبغي على المترجم أن يكون مثقفاً متمكناً من اللغتين اللتين يتعامل معهما بالإضافة إلى ما يسمى "موهبة الترجمة" أو "فن الترجمة" إلى جانب ضرورة الاطلاع على التجارب السابقة والأصول المتعارف عليها "علم الترجمة". وتحدث عن الترجمة عن لغة وسيطة وعن أسس الترجمة المباشرة بأنه لا توجد أسس مختلفة بينهما إلاّ أنّ الأولى عليها الكثير من التحفظات. مع العلم بأن هناك كتاباً كباراً مثل تولستوي وغوته وشيللو وزفايج قد تمت ترجمتهم عن لغة وسيطة ونالت أعمالهم شهرة مثل "آلام فرتر" الذي ترجمه أحمد حسن الزيّات وترجمة أعمال تولستوي الكاملة التي بدأها سامي الدروبي وأكملها صياح الجهيّم. ويتابع الحديث بأنه لا داعي الآن للترجمة عن لغة وسيطة إلا في حالات خاصة جداً. مشيراً إلى أن الترجمة لم تخضع للتخطيط في أي مرحلة شأنها شأن التنمية التي تعد الترجمة جزءاً منها.‏

وتحدّث عن الشكوى التي كانت تُسمع أحياناً من كثرة الكتب المترجمة (على حساب المؤلَفة) فما بين عامي 1970 ـ 1980 صدر في العالم العربي 2940 كتاباً مترجماً منها 1022 كتاباً أدبياً. والإحصائيات الحديثة تظهر، بالمقارنة مع غيرنا، فوارق لا تبعث الأسى فقط... وأنه إلى جانب الكثير من الترجمات الرفيعة المستوى، هناك كتب سيئة الترجمة وكتب قليلة القيمة والفائدة وكتب يصعب استيعابها وتذوقها ويعزو سبب الضرر بأنه ليس ما يُترجم وإنما لقلة القرّاء!‏

وهنا يقول: يجب أن نعرف ماذا نترجم؟ ولماذا؟ وكيف نحول الترجمة من كم إلى نوع؟ وكيف نحول الترجمة إلى جزء من خطة شاملة للتنمية العامة، وحين تتحول الخطط إلى واقع تتحول الترجمة من فعل نقل إلى فعل إبداع أو من تمهيد إلى تأليف، كما يقول أنطون مقدسي وبذلك لا نقع فيما يسميه المقدسي بـ "الهجانة" أو "ازدواج الشخصية". وأشار إلى أن الترجمة لم تزل جهداً شخصياً قليل المردود، وأكّد عارف حديفة أننا نفتقر إلى الدراسات النظرية والمراجعات النقدية الجادة والمعاجم المتنوعة المتجددة. مع العلم أن أول كتاب نظري عن الترجمة صدر في عام 1966 وهو "فن الترجمة في الأدب العربي" للكاتب المصري محمد عبد الغني حسن. وصدر آخران في علم الترجمة في مصر أيضاً.‏

وشدّد في نهاية حديثة على دور التخطيط والتخصص والدعم سواء في المؤسسات العامة أو الخاصة لأن ذلك ينتج ترجمة مستوفية شروط الإتقان وملبية حاجاتنا الثقافية المتجدد ومحفزة بالتالي للإبداع..‏

ـ وتحدّث بعد ذلك الدكتور ثائر زين الدين، مدير الثقافة، ليكلّل بذلك نجاح الندوة فيما قدّمته حقيقةً من أفكار ونصائح وتوجهات وتطلعات على صعيد الترجمة...‏

(صدرت له مجموعة من الأعمال الأدبية عن وزارة الثقافة السورية واتحاد الكتاب العرب منها: ديوان "ورد" ـ شعر مترجم عن الروسية ـ قصائد مختارة للشاعر الروسي يسرغي يسينين ـ مجموعات قصصية مترجمة). ففي ترجمة الشعر يقول الدكتور ثائر: إنّ موضوع ترجمة الشعر أحد أكثر الموضوعات سجالاً؛ في الماضي والحاضر، وقد عرفنا في هذا الباب عشرات الآراء؛ التي يؤكد معظمها أن الشعر لا يترجم من لغة إلى أخرى، ومن هذه الآراء ما عبّر عنه المثل الإيطالي الذي يقول: "أيها المترجم، أيها الخائن".‏

أراد الدكتور ثائر أن يقدّم الأدلة على رأيه بالشعر المترجم فأكثر من إيراد آراء لأعلام أدبية عالمية ليزيد في تعميق المفاهيم التي سعى إلى ترسيخها بأذهان القارئ أو السامع حول الأدب والترجمة فقال:‏

إن ترجمة الشعر كالقبلة من وراء الزجاج. ولم يذهب أبو عثمان الجاحظ ـ قبل ذلك بمئات السنين ـ بعيداً عن هذه الأفكار، حين قال في كتابه "الحيوان":‏

"الشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حوّل تقطع نظمه وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب".‏

وسيعبر عن هذه الفكرة بلبوس مجازي الشاعر الإنكليزي شيللي (1792ـ1822) في كتابه "دفاع عن الشعر" حيث يقول: "إن ترجمة الشعر محاولة عقيمة تماماً، مثل نقل زهرة بنفسج من تربة أنبتتها إلى زهرية؛ فالعود يجب أن ينمو من البذرة، وإلاّ ما طرح زهرة". بينما يأتي موقف غوته أكثر ليناً حيث يقول في "الحكم والتأملات": "على المترجم أن يقترب مما يستعصي على الترجمة، عندئذٍ يمكننا أن نفهم الأمة الأجنبية، واللغة الغريبة عنا..." ويتابع الدكتور ثائر حديثه بالسؤال التالي:‏

وهل هناك ما يستعصي على الترجمة أكثر من الشعر؟ وهل هناك ما يجعلنا نفهم أمة ما أكثر من أدب أبنائها وأشعارهم تحديداً؟‏

ويقول عن السير جون دنهام (1615ـ1669) بأنه يرى أن دور مترجم الشعر لا يتوقف على ترجمة لغة إلى لغة أخرى "بل يتعداه إلى نقل شعر إلى شعر. إنّ للشعر روحاً غير ظاهرة، تختفي أثناء سكبه من لغة إلى أخرى. وإذا لم تتم إضافة روح جديدة خلال عملية النقل فلن يبقى منه سوى جثة هامدة".‏

وبرأيه أنه على المترجم الذي سيتصدى لترجمة الشعر أن يكون شاعراً مجيداً في لغته حتى يستطيع أن يعوّض تلك الروح التي كان يمتلكها النص الأساسي في لغته الأم، وفقدها عند النقل، ومثل هذا الرأي يعبّر عنه المترجم والناقد عبد الغفّار مكّاوي الذي يقول من خلال تجربته الشخصية: "إن ترجمة الشعر بوجه خاص لا يجوز أن يقترب منها إلاّ شاعر كبير في لغته، أو على الأقل إنسان سكنته حساسية الشعر، وإنها ستظهر على الدوام مشكلة عسيرة يبقى الأمر فيها متروكاً لذوق وتقدير المترجم الموهوب الذي يجمع في صورته المثالية النادرة بين رهافة المبدع وموضوعية العالم المتمكن من دقائق لغة المنبع ولغة المصب". ويقول مكاوي عن صعوبة الشعر: "إن ترجمة الشعر أشبه بالمخاطرة في أرض حرام...". ويقول أيضاً أن المترجم ـ وإن امتلك أدواته الفنية باقتدار ـ فإنه قد لا يستطيع الدخول إلى بعض النصوص الشعرية وتبقى عصية عليه: "تذكرت الأيام والليالي، بل الشهور الطويلة التي أخذتْها مني قصائد سابقة حاولت الاقتراب منها بكل طاقتي، فكانت تصدني وتردني خائباً، كطفل يعوقه السور الحديدي الشائك عند الدخول إلى الحديقة...‏

فيكتفي في النهاية بالتطلع إليها من خارج السور وفي نفسه ما فيها من الأسى والحسرة".‏

ويعلّق الدكتور ثائر هنا على أن مثل هذا الكلام يشعر به تماماً كل من حاول أن يكون أميناً ومسؤولاً وجاداً في ترجمته للشعر. كما حدث معه حين ترجم مجموعة من قصائد الشاعرة الرومنسية مارينا تسفيتايفا (1892ـ1941).‏

ويتابع الحديث عن تاريخ الأمم وآدابها بأنها تشهد أن عمليات الترجمة المختلفة بما فيها ترجمة الشعر، لم تتوقف في يوم من الأيام؛ وإلا‍ّ فكيف كان لنا ـ نحن العرب ـ أن نقرأ فلسفة الإغريق وشعرهم ومسرحهم منذ العصر العباسي حتى الآن وهل يستطيع كل منا أن يتقن الروسية ليقرأ بوشكين والإنكليزية ليقرأ إليوت والإسبانية ليقرأ لوركاوما إلى ذلك... فترجمة الشعر هي الاعتراف بالآخر يقول المترجم المصري بشير السباعي:‏

"كانت تجربة ترجمة الشعر ـ بالنسبة لي ـ تجربة اعتراف بالآخرية، وتجربة اعتراف بإمكان، بل بوجوب تمثلُّها بوصفها مظهراً آخر للذاتية...".‏

ولم يكن الدكتور ثائر ناقلاً للآراء فقط بل هو منتجٌ ومشاركٌ في بلورتها ونشرها بين صفوف القراء. فقد قدّم ثلاث ترجمات لقصيدة واحدة، من بينها ترجمته، لقصيدة كتبها سنة 1941 الشاعر والصحفي السوفييتي قسطنطين سيمونوف (1915ـ1979)، وصف فيها شيئاً من مشاركته في الحرب الوطنية العظمى، حيث كان مراسلاً حربياً، وفي هذه القصيدة الجميلة يرجع الشاعر سبب بقائه حيًّا في قلب المعارك إلى انتظار زوجته الصادق والعنيد له.. فقد ترجمها الدكتور أيمن أبو شعر عن الروسية منظومةً دون أن يحافظ على سلامة الإيقاع، وترجمها الدكتور ثائر عن الروسية أيضاً، بطريقة النثر، بينما جاءت ترجمة كمال فوزي الشرابي عن الفرنسية، وكل ذلك لكي يتمكن القارئ من خلالها من رؤية عثرات ونجاحات كل منهم...‏

وأخيراً الترجمة هي وسيلة تثاقف بين الشعوب وإثارة ما يمكن أن يحمل المفكرين على العمل والإنتاج، وهنا نستنطق التاريخ الذي يفيدنا كيف أن العرب في أيام زهوهم قد استوعبوا هذه الفكرة وكرّموا المنتجين وأعطوا وزن الكتاب ذهباً لمنتجه. فالترجمة عمل نهضوي رأى فيه المفكر العربي وسيلة نقل المجتمع إلى حالة متقدمة...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244