جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ومضة من رؤيا تحليلية في كتاب (مسائل في الفن التشكيلي) من الفن البدائي إلى الفن المعاصر تأليف الأستاذ الدكتور: كمال محي الدين حسين ـــ عبّود قرة

الفَنُّ اصطلاح مدلوله غير محدد، يشير إلى أنواع عديدة من مظاهر النشاط الإبداعي للإنسان كالأدب بنوعيه: الشعر والنثر، والموسيقى والغناء والتمثيل والرقص والنحت والعمارة...الخ، وهذا الاتساع في مدلول الفن دعا المختصين إلى حصر كل جملة من النشاطات الفنية في مصطلح خاص بها، فهناك الفنون التشكيلية: كالرسم والتصوير والنحت والحفر والعمارة. وهناك فنون صوتية كالغناء والطرب والموسيقى...الخ. وإذا كان الفن بصورة عامة يزودنا بقناعات معينة يمكن قياسها، فإن الاستجابات الجسمية والعقلية والنفسية لما قد مارسه الفنان ونقله من مشاعر تبعث في النفس حب الجمال والمتعة والنشوة.‏

نشأ الفن مع الإنسان منذ بدأت الحياة كما يدل تطور المضامين والأساليب الفنية، على أن الفن كان وما زال يشكل جزءاً من تاريخ الإنسان وثقافته وتراثه، لأنه امتزج بالعديد من صور الحياة وأشكال النشاط الاجتماعي والإنساني منذ عصور ما قبل التاريخ: كالعبادة والصيد والقنص والالتقاط وطقوس تقديم القرابين والدفن وصنع التمائم وبناء المعابد والأضرحة وسواها من أمور الحياة.‏

وقد ثبت بأن دراسة فن شعب من الشعوب تؤدي إلى معرفة مستواه الحضاري، ومدى ما وصل إليه من خبرات وتجارب في مجالات حياته.‏

ومن هنا كانت إنسانية الفن، وكان لطابعه العام المشترك، وكانت خصائصه على اختلاف الأزمان والأماكن، تتجاوب مع النفس الإنسانية وتسهم في بناء ثقافة المجتمع بدرجات متقاربة أو متفاوتة.‏

يمثل الفن أحد المرتكزات الأساسية للثقافة الإنسانية، وهو عبارة عن بناء فردي (شخصي) ويشكل مرحلة الطفولة بالنسبة لثقافة المجتمع، بينما يشكل العلم بفرعيه العلمي والنظري مرحلة النضج أي الشباب، أما التراث يشكل الأساس الثالث في البناء الثقافي للمجتمع وهو يعتبر بمرحلة الكهولة (الحكمة) والحارس الأمين والموجه العام للثقافة في المجتمع.‏

يدلنا الفن على حياة الناس في العصور الماضية، وهو يظهر كسجل لتجارب الناس المادية والنفسية، وما تحتويه أفكارهم ومعتقداتهم وتقاليدهم ومثلهم. ولتاريخ الفن علاقة بتاريخ كل حقبة زمنية معينة على حدة، ومع ذلك فإن الفنون جميعاً ترتبط ببعضها كما ترتبط بالعصر. وهذا يعني أنها تؤثر ببعضها الآخر لأن الفنون كلها تنطبع بروح الثقافة العامة للعصر. وهكذا نرى أن لكل فنان تاريخه الخاص بالرغم من أنه يكوّن جزءاً من التعبير الثقافي لعصره.‏

يظهر الفن كشكل لتاريخ عملي مرئي مشكلاً متعة في الوجود الإنساني، لأنه يبدو كرموز مرئية وآثار ملموسة لفترات زمنية معينة قد تكون الدليل الأوحد. الذي بقي من آثار أناس أو شعوب دراسة مجهولة، فأحياناً يعتمد الباحثون على الإنتاج الفني للحصول على الدليل التاريخي، وهكذا يهدف الفن إلى إزالة الرموز عن العموميات الشائعة بين الناس، ليجعلنا نواجه الطبيعة ذاتها، والفن يهتم بما هو فردي، فالفنان يبذل الجهد لكي يحقق التكامل ما بين نفسه وبين الأشكال الأساسية للعالم الطبيعي، إنه يندمج في الأشياء، ويضفي عليها مشاعره وأحاسيسه، أي يتفجر على الدوام من الحياة، لذلك نستنتج أن الفن كالمرآة تعكس لنا حياة الأفراد والمجتمع.‏

لم يقتصر الفن على الأمم المتمدنة فقط إنما نجد مظاهره في فنون الأمم البدائية أيضاً، فهو يعكس صور حياتها من خلال فنونها.‏

أصبحت الفنون في عصرنا الحالي في متناول الجميع، وشملت مختلف نواحي الحياة. وصارت موضوعاتها متنوعة وأساليبها مختلفة، وأصبحت تمثل الحياة البشرية السائدة، أي أنها أصبحت مرآة تعكس وجه حضارتنا الحالية، لأن الفنون كانت وما زالت صورة صادقة تعرض بدقة مستوى حياة الإنسان، وتعكس أفكاره وتقاليده ومعتقداته ووجدانه ومشاعره، الأمر الذي أغنى الحياة الإنسانية ودفع بها إلى آفاق جديدة من هذا المنطلق قدم الأستاذ الدكتور كمال محي الدين حسين كتابه بعنوان "مسائل في الفن التشكيلي" من الفن البدائي إلى الفن المعاصر، نشر اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 1997 وهو عبارة عن دراسة تقع في /464/ صفحة من القطع العادي، وتمثل صورة الغلاف القسم الأوسط من لوحة ثلاثية للمؤلف بعنوان حكاية المغنية والسنطور والسمكة ورجل الفضاء رسمها عام 1996 أكريليك مع ألوان زيتية قياس 120×225سم.‏

تناول الكتاب بالبحث والدراسة التحليلية والنقدية موضوع الفن التشكيلي عبر العصور.‏

يتألف الكتاب من مقدمة عامة تناولت الفن البدائي مروراً بالعصور القديمة والوسطى إلى الفن المعاصر، وهي صورة مختصرة للكتاب وتمهيد له.‏

قسّم الكتاب إلى فصول ستة تناول المؤلف في الفصل الأول فقرتين الأولى منهما: مدخلاً للفصل، بحث فيها سمات الفن البدائي والقديم، وقسم المدخل إلى عدة بنود حمل البند الأول عنواناً: طلائع العقائد البدائية ونشأة الفن، وبحث أسبابه في الخوف من الطبيعية التي لم يكن الإنسان البدائي يعرف أسبابها وأسرارها، وما تجره من ويلات وما تتطلبه من حاجات كالمأكل والجوع والمرض. وبحث في البند الثاني الرقص الطقسي الذي مارسه الإنسان البدائية قبل الخروج إلى الصيد وذلك لجلب الحظ والمساعدة في اصطياد الحيوان، وليستمد المساعدة من القوى فوق الطبيعية، وليضمن عدم معاكستها له، والتي عبر فيها الإنسان البدائي عن معتقداته دون مواربة. وذكر في نهاية الفصل ثبت بالمراجع منها اثنان باللغة الأجنبية وستة باللغة العربية.‏

بحث المؤلف في الفصل الثاني "الفن التشكيلي خلال العصور القديمة (الألف الثانية والأولى قبل الميلاد). وقسّم الفصل بدوره إلى بنود وفقرات وهو يتألف من مدخل تمهيدي ثم تناول موضوع الإله المصري حوروس الأسطورة والتمثال، ثم خامات التماثيل الصغرى لدى قدماء المصريين خلال القرن السادس عشر رجوعاً إلى القرن السادس قبل الميلاد، وقد زيّن البحث بتماثيل لإله حوروس مع ذكر المراجع التي استند إليها الباحث، وهو يجري مقارنة بين أعمال النحت الصغيرة في كل من متاحف: موسكو، القاهرة، الإسكندرية اللوفر (باريس)، ميونيخ، بروكلين (نيويورك)، الأرميتاج بسانت بترسبرغ، ومتحف كوبنهاغن بالدانمارك، والمكتبة الوطنية بباريس، والمتحف الحكومي بليدن (هولندة) والمتحف المصري في تورينو (إيطاليا). ومتحف فلورنسا (إيطاليا) والمتحف الجامعي بلندن. وجميع هذه المتاحف تتعلق بالفن المصري القديم، وهو أمر يدل على مدى الاهتمام العالمي بهذا الإنتاج الفني والحضاري.‏

ثم تحدث عن الفن الفينيقي (الكنعاني) عبر العصور من خلال بحث حمل عنوان (التصوير الفينيقي عبر التاريخ) وهو فن تناول المدافن الحجرية وغيرها.‏

وتناول البحث أيضاً: تطور التعدين والحرف الفنية المرتبطة بصناعة المعادن في اليونان خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.‏

كما تناول بحثه: في المفاهيم الجمالية في شرقي البحر الأبيض المتوسط خلال الفترة الهيلينية وبحث كذلك في صناعة التماثيل وأدوات الزينة من نظرة معاصرة.‏

في الفصل الثالث عالج المؤلف الفن التشكيلي خلال العصور الوسطى، وهو عصر نهضة الفن التشكيلي في الشرق والغرب من خلال تقديمه مدخلاً لنهضة الفن التشكيلي في شرقي البحر المتوسط شاملاً دراسة مدرسة المنمنمات الأرمنية خلال القرنين الثالث والرابع عشر، وهو موضوع ـ على مبلغ علمنا ـ لم يطرقه دارس قبله بالعربية.‏

وبحث في موضوع المنمنمات الإسلامية، مبيناً في دراسته عن حضور تاريخي شاملاً خفايا فلسفية وعقائدية، كما عالج موضوع مدرسة التصوير الإسلامي، وأثر الإسلام في فن المنمنمات، ثم مدرسة الفن العربي خلال القرن السابع للميلاد حتى غاية القرن الثالث عشر للميلاد في كل من سورية، العراق، فلسطين.‏

في قسمه الثاني عالج المؤلف عصر النهضة ونهوض الفن التشكيلي الأوروبي، حيث بحث في مدرسة التصوير الفلورنسي، ثم مدرسة التصوير الفينسياني، ثم المدرسة البوسينية (الفلورنسية، الفينيسيانية، الفرنسية) مع ذكر لأعمال نيكو لابوسين (1595 ـ 1665) مصور المواضيع الدينية. كما بحث في أعمال مدرسة التصوير الإسباني خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، مع ذكر أعمال دييغو فيلاسكيز (1599 ـ 1660) الأنموذج الايسبيري المتفرد. وفي تناوله لمدرسة التصوير الهولندي عالج هيرونيموس بوش وفساد العالم، أما في مدرسة التصوير الرومانسية الاستشراقية الأوروبية فبحثت في بلاد العرب من خلال ريشة المستشرقين.‏

بحث المؤلف في الفصل الرابع الفن التشكيلي في الشرق والغرب من خلال المواضيع التالية: التصوير والحفر، الانطباعية الروسية لكل من الفنانين الروس: سيلفستر فيدورنيتش شيدرين رائداً (1791 ـ 1830)، ثم الانطباعية الفرنسية: اوغست رينوار (1814 ـ 1919). ثم بحث في التعبيرية النمساوية ـ الألمانية أوسكار كوكوشكا، ثم المدرسة التعبيرية الألمانية خلال فترة الستينات من القرن العشرين (الحفر). ثم تناول التجريدية وإسهامات الفن الروسي في حركة الفن التشكيلي الطليعي العالمي من خلال أعمال الفنان فاسيلي كاندينسكي، ثم تناول البحث في السوريالية ومسألة البحث في ذهب الزمان، كما تناول أعمال كل من الفنانين: خوان ميرو المعروف بقدر ما هو مجهول، ثم ماكس أرنست وكلمات عنه قيلت في ذاكراه المئوية لميلاده، ثم أعمال بابلو بيكاسو: التجربة والأفكار، ومباشرة من انتيبوليس.‏

في الفصل الخامس بحث في: الفن التشكيلي الأجنبي المعاصر متناولاً الحفر والنحت المعاصرين في أسبانيا من أعمال غرافيكية ثم أعمال النحت. ثم بحث في موضوع: الدادا والبوب في معرض الفنانين الآسبانيين بدمشق: غارثيا راموس والكالدي (أسبانيا)، كما تناول الشكل الآخر للحياة بين جوهر الفن التشكيلي ومظهره لإليزابيت تيرليكو فسكا (بولونيا).‏

ومن النماذج من الفن السوري والبلغاري والسوفياتي المعاصر (مجموعة الدول المستقلة)، ثم النحت البلغاري المعاصر للمثال مالين تودوروف مالينوف البلغاري.‏

وبحث في التجريدية الفرنسية: الانطلاق من الواقع، ومغامرة التصعيد الشكلي (جيرار تيتوس كارمل).‏

ثم مدرسة المنمنمات الإيرانية المعاصرة: سوداوية بهارلو وسعيدة سلماسيان (إيران). وفي الفن الأرميني المعاصر بحث في أعمال افاديسيان الأب والابن. كما بحث في عمل: دمشق في عيني مصور روسي لسيرجي اليكساندروفيتش بلوخين في الفصل السادس عالج المؤلف التصوير من خلال المعارض الفردية تحت عنوان "الفن التشكيلي السوري المعاصر" وذلك لأعمال كل من الفنانين والفنانات السوريين: نصير شورى (هل ذروته في التنقيطية؟). لؤي كيالي في مأساته القاتلة، عبد القادر أرناؤوط والفريد حتمل (مصور الألوان الذهبية)، ومحمد الوهيبي (بين عشق الوطن المغيب وحكايا شهرزاد). وعلي سليمان (بين ارهاصات الشكل وجدلية المضمون)، وشلبية إبراهيم (تصاميم وزخارف شعبية)، وخليل عكاري (موضوعات بيئية)، وهيثم غنام (بين الهواية والاحتراف)، وعلي الكفري (اللوحة الفولكلورية التي تكرس العاديات) ولجينة الأصيل (الفنان والشكل الفني).‏

أراد المؤلف أن يقول في كتابه: أن الفن ركن من أركان الثقافة، ورمز لاستمرار الحياة، ففي تاريخ الشعوب يزداد الرمز عمقاً في مغزاه، وبالقيم العليا الخالدة الإنسانية، والتي بها يكتمل مفهوم الحضارة والمدنية، وبدونهما لا قيمة للوجود ولا معنى لفكرة الفن والوطن، والإنسان مجسّد هذا الفن.‏

مؤلف الكتاب الدكتور كمال محي الدين حسين عالم وباحث وفنان ناقد، اقتحم ميدان الفكر مسلحاً بالعلم والمعرفة، ودخل ساحة الفن ممتلئاً من عقله ووعيه، ووقف أمام مشكلات الإنسان الكبرى في الحياة والطبيعة والكون، وحاول بلهفة إنسانية قاهرة اختراق الحُجُبَ الكثيفة للنفاذ إلى موطن الحق والحقيقة والخير والجمال، يعززه طموح الإنسان العاقل العارف لاستجلاء أغوار الوجود والتعمق في أسرار الطبيعة. إنها قفزة نوعية على مستوى الفكر تجرد من مفاهيم الناس الساذجة والبدائية في المعتقد والتقاليد والعادات والأفكار الشائعة والراسخة، وفي الأوهام الثابتة ثبوت العقائد والحقائق، فتكوينه النفسي والعقلي طاقة ضخمة لا تكاد تستوعبها جمجمته، يدعّمها إيمان مطلق بالعقل لا يقاوم ولا يقارن الأمر الذي وطّد في نفسه ثقة جارفة قديرة انهار أمامها كل معتقد وتقليد من آراء الناس ومعتقداتهم العادية. ففي أعماله من سمات هذه الظاهرة إيماناً راسخاً بالعقل أمثلة عدة، وهي من القوة والوضوح بحيث لا تجوز عليها إلا تهمة مكابر ولا تطالها ريبة حاسد. فهو يؤمن بالإنسان صاحب العقل النير ذي القدرات على التكيف مع هذا الوجود المفروض عليه، وتحسينه وتطويره، لأن ميّزة الإنسان العظمى عن سائر الكائنات هي عقله، فإذا كان يؤمن (الكاتب) بالعقل الذي يشيع في الكون ونظامه والطبيعة وأحداثها، ويؤمن بعقل الإنسان القادر على تفهم ذلك، فكم بالحري أن يؤمن بصاحب ذلك العقل ألا وهو الإنسان.‏

فإذا ما تعمقنا في أغوار نفسيته ـ فلا نكتفي من البحث والدرس بالنظر إلى انعكاسات نفسيته من خلال أعماله (الفكرية ـ الفنية والأدبية والعلمية)، ومن خلال سلوكه ومنهجيته في التعامل مع محيطه، كأنها شيء منفصل عن ذاته وعن المؤثرات الشخصية المكتسبة والمورثة وخاصة الموضوعية منها، التي كونت شخصيته وبَنَتْ مزاجه النفسي تكويناً يبدو لأول وهلة متناقضاً، لكن إذا ما تفحصنا بنظرة شاملة في ظروف نشأته الشخصية ومراحل حياته الفكرية والثقافية، وما أحاط به بعد من مؤثرات اجتماعية (عائلية وسياسية واقتصادية وفكرية وثقافية)، ولم نفصل هذه الأمور جميعها عن جانب آخر، بل نظرنا إليها نظرة شمولية جامعة ككل تتصل أجزاؤه اتصالاً كاملاً، ويؤثر بعضها ببعض وينفعل ويتفاعل مع البعض الآخر، ليشكل نسيجاً مترابطاً وثيق العرى مترابطاً بإحكام، لخلصنا إلى فهم حقيقة هذا التناقض الذي يظهر في ثقافته (العلمية والأدبية والفنية)، ولأدركنا سر تعمقه في ميداني العلوم والفنون، لا بل في جميع آثاره الفنية والعلمية والفكرية والثقافية، وفي سيرة حياته التي أبرز مظاهرها الدقة والنظام حيث تبرزه من خلال إنتاجه له سمات المؤرخ والأديب والعالم الموسوعي والفنان التشكيلي. وإذا رافقناه في مسيرة حياته التي تجاوزت نصف القرن من الزمن، نراه يبدأ حياته العملية الفكرية بالبحث والتنقيب في مخلفات الفكر القديم من فنون وفلسفات وألوان كثيرة متنوعة من المعارف الإنسانية، ولنرافقه وهو يهضم هذه المعارف بعد أن تناولها بتجرّد فاستوعبها بعقل متنور متحرراً من أوهام التقاليد والعادات، فنراه يقف كالطود مفكراً بمكان الإنسان ومصيره من الطبيعة والكون، تفكير من يعتمد على نفسه ويثق بقدرته مستعيناً بعقله العلمي وقلبه الفني على حل بعض معضلات الحياة وتفسير بعض المظاهر الكونية بما يفتح له بصيرته وينير له طريقه، ويفيض على دنياه نوراً من يقظة الوعي ودقة الإدراك وسمو التفكير.‏

إنّ في تحليل بعض نواحي شخصيته ودراسة أعماله ما يفيد يلذ، ويسرّ ويؤلم، بل ما يغيظ البعض ويبهم على البعض، وتلك لعمري رؤيا الفلاسفة ومسيرة حياتهم بتناقضاتها الظاهرة والمتشعبة والواسعة الأبعاد، العميقة الأغوار لأنها تنشد البعيد اللانهائي.‏

إنه فنان في إهاب عالم، يداعب الشمس ويمسك بنجوم السماء، ويناجي القمر ويجيد تعبير لغاتها وكتابة حروفها التي تعلمها من خلال كتاب الطبيعة العظيم، فهو يحس ويسمع ويرى ويكتشف غير المحسوس والمسموع والمرئي ليتجدد في داخلية أعماقه على الدوام، ويتطور صاعداً درب الحقيقة، ولينعكس ذلك في سلوكه ونشاطه كإنسان نموذجي متكامل في القرن الواحد والعشرين، إنه يمثل حالة استثنائية تنبه من الكفاءة العالية والثقافة المتنوعة الاتجاهات والميول والروافد للشريحة المثقفة في بلادنا.‏

الكتاب بحد ذاته فيه طرافة وحدة وإفادة، وهو مؤلف موسوعي صغير يلبي مطلباً مهماً في حياتنا الثقافية الحالية والفنية منها بخاصة، إنه جهد شخصي كبير، كم كان مفيداً جميع تلك البحوث والدراسات لناقد فنان ورسام تشكيلي معروف، والتي تتسم بالطابع الأكاديمي الرصين، وتتحدث عن الفن التشكيلي عربياً وعالمياً من موقع الجدة والمسؤولية والمتابعة المستمرة لقضايا ومسائل الفن التشكيلي المعاصر بأسلوب فني جمالي مشّوق، وببساطة تجعله في استطاعة القراء تناوله من جميع الشرائح والمستويات الاجتماعية، بالرغم من محاولة المؤلف أن يكون تقليدياً في عرض مواده ومن عرضه بشكل مواجهة بين قديم الفن التشكيلي وحديثه ـ وذلك رغبة منه في استنهاض حوار مفتوح دون حواجز بين الفنون قديمها وحديثها، هادفاً من وراء ذلك إلى إقامة حوار بين الفن التراثي المحلي والأجنبي (الشرقي والغربي) قديمه وحديثه وصولاً إلى الفن التشكيلي المعاصر بغية تتبع تتطور لغة الفن التشكيلي عبر التاريخ في إطار كوكبي، وهذا من وجهة نظر المؤلف يشكل عنصراً إيجابياً فيه الكثير من التحدي، الأمر الذي يتيح الفرصة لإجراء عمليات ربط ومقارنة فيما يتعلق بديناميكية الفنون وطرقها وأساليبها، وعلاقة ذلك بالتطور الثقافي للمجتمع (باعتبار الفنون إحدى عناصر مكونات الثقافة في المجتمع) وهو ما سيقودنا إلى فهم أفضل لماهية الفن والمجتمع.‏

الكتاب يثير جملة من الأسئلة مرتبطة بتطور الفن التشكيلي، ليس بعيداً عن الإنسان ـ لأنه علم إنساني ـ ومادة الكتاب كتبها المؤلف بشكل مقالات نشرت في الصحافة السورية تباعاً، وأضاف إليها بعض المواضيع الجديدة التي لم تنشر سابقاً ومن ذلك كله يحاول طرح ملامح من مسيرة الفن التشكيلي بهدف إجراء مقارنة في حوار مفتوح وبصورة عملية من خلال عمليات المقابلة بين الفنون بجميع أشكالها وأنوعها ـ وبذلك تتحقق الغاية من تأليف هذا الكتاب بشكل مفيد في مجاله، وبما يتفق مع عنوان الكتاب.‏

لقد اكتفى المؤلف في مختارات مواضيع الكتاب التذكير ولو بشكل مبستر بالموضوع لإعطاء تسلسل موضوعات الكتاب عمقاً تاريخياً يفيدنا في المقارنة لاستنهاض مرجعية العمل الفني وتاريخيته معاً، وهما من أهم أسس تحديد القيمة الفنية التي يتوجب أن يقدمها العمل الفني في عالم النقد والتحليل بشكل عام والتشكيلي بنوع خاص، ومع هذا لا يمنعنا من ذكر عمله المميز بالرغم من تقديمنا بعض الملاحظات وهي للتسديد والتصويب والاستكمال ومد الأبعاد منها:‏

1 ـ ما يتعلق بأسلوب الكتابة: استعمل الكاتب لغة علمية موجهة إلى العقل والقلب بلغة الفن تهدف إلى إقناع وتقديم وتفسير ومتعة، لذلك قيّدها بدقة المصطلح ودقة أداء المعنى، واختصها بالأسلوب الواضح الدقيق الذي لا يحتمل التأويل، فلسفة الكاتب سليمة من الناحية القواعدية ـ إن صحت التسمية ـ لتمكنه من اللغة العربية وبعضها يتعلق بالمعلومات المحمولة على نصوص قدمت إضاءات جديدة إلى بعض المتون وفجرت عدداً من التساؤلات حول دقة هذه المعلومات ومسوغات وجودها بين دفتي كتاب علمي وفني رصين، فقد أورد أسماء لنحو /219/ فناناً، علاوة على دقة الفهرسة والتوثيق وإحالة كل معلومة إلى مصدرها العربي والأجنبي على حد سواء.‏

2 ـ في بحثه المقارن بين تماثيل الإله المصري القديم (حوروس) الموجودة في متحف الأرميتاج في مدينة سانت بترسبورغ بروسيا (لينينغراد سابقاً)، وتماثيل (حوروس) الموجودة بمتحف دمشق الوطني، إشارة إلى أهمية إلقاء الضوء على جوانب قديمة من تراث المنطقة الأثري الفني ومدلوله الحضاري وخصائصه الفنية ـ Iconography، حبذا أضاف إليها ما هو موجود في متاحف مصر للإله (حوروس) وهي كثيرة ومتنوعة، وذلك لتوسيع هذا الجانب الأثري الفني والحضاري وتبيان خصائصه الفنية على أكبر ساحة ممكنة في عالمنا العربي والعالمي.‏

3 ـ بعض الكلمات استعملها الكاتب بلفظها الروسي على سبيل المثال: الآلهة المصرية القديمة (ايزيس) المعروفة عالمياً بهذا الاسم واستعمل الكاتب لها اسماً هو (ابيسيدا) وهي غير معروفة من عامة الناس عالمياً بهذا الاسم إلا في اللغات السلافية. كما استعمل كلمة (سانكت بطرس برغ) وهي لفظة سلافية لاسم المدينة القديم وهو ساند بيترسبرغ وهي التي عرفت باسم مدينة لينينغراد في العهد السوفياتي.‏

كما استعمل كلمة الأمازيغ وهي تعني الأسياد في اللغة الكنعانية (البونية القديمة) وكلمة جيلاً بدلاً من كلمة (جبيل) وهي المدينة المعروفة في القطر اللبناني.‏

4 ـ وجود عدد من الأخطاء اللفظية والمطبعية، حبذا لو تم وضع قائمة لها وتصحيحاتها في نهاية الكتاب على شكل ملحق وهي لا تخفى على القارئ.‏

5 ـ إن الكتاب بمجمله هو موسوعة صغيرة (انطولوجية) تناولت الفن البدائي قبل الميلاد بآلاف السنين، ثم الفن التشكيلي عبر العصور وصولاً حتى العصر الحالي فما المانع يا ترى ـ وهو الفنان المبدع والعالم الموسوعي ـ من أن يجعل هذا الكتاب بداية لعمل موسوعي كبير يتناول تاريخ الفن التشكيلي، وهو قادر على ذلك إذا...... أراد؟.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244