جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

التجديد في سيرة ابن المقفع ـــ محمد عرب

قد يكون من باب الإنصاف الإشارة إلى كتاب جدير بالقراءة وإن كانت مثل هذه الإشارة لا تدخل في باب النقد، والتفنيد والتصحيح والرد لما اختلف حوله النقاد والمؤرخون، كما لا يدخل في باب الثناء الذي لا يقوم على أسس منطقية ومعرفية. فلكل كتاب، من وجهة نظر القارئ، ثغرات لم تغلق، وعلى قدر المعرفة يستقيم النقد وتأتي ثماره ناضجة. ولكن مشكلة البيان والجمال في بنية الجملة واستخدام الكلمات في مواضعها، هي مشكلة تدخل في الأذواق والأحاسيس والمشاعر، ولا يمكن الاتفاق عليها وإن وضع النقاد لها المقاييس العامة والخاصة، ولهذا سنجد أصحاب الأقلام الناقدة يقولون في كاتب واحد المتناقضات أحياناً، ونادراً ما تتفق الآراء على جودة عمل مؤلف واحد. وهذا ما حظيت به أعمال عبد الله بن المقفع الذي طارت شهرته في الآفاق وعرفه المثقفون على اختلاف مشاربهم، كما عرفه العامة من قصص "كليلة ودمنة" التي كان لها فضل ترجمتها. إضافة إلى كتبه "الأدب الصغير والكبير" وغيرها مما تعرض للضياع. وقد كان للدكتور حسين علي جمعة فضل تقديمه للقارئ العربي من جديد رغم الكتابات النقدية الكثيرة التي تعرضت لابن المقفع بالدراسة والتقييم منذ القديم إلى عصرنا الراهن، ومنهم طه حسين وشوقي ضيف من أعلام الأدب والنقد في عصرنا، إضافة إلى الجاحظ وغيره من القدماء. وهذا يدل على الأثر الذي تركه ابن المقفع في كل العصور، حيث نال الثناء من الجميع وإن اختلف النقاد في بعض النقاط حول حياته وأعماله ومصيره المأساوي، حيث تعرض للقتل وهو في السادسة والثلاثين من العمر بأمر الخليفة المنصور بتهمة الزندقة.‏

وهي مسائل مشينة في تاريخ الحكام والحكومات، اتخذ فيها الدين ستاراً لقتل المعارضين أو الناقدين لظلم السلطة المطلقة، ولم ينج منها حتى عم الخليفة المنصور، الذي كان ابن المقفع على صلة وطيدة به. وربما كانت هذه العلاقة هي السبب الرئيسي الذي دفع السلطة لقتل المفكر الشاب الذي سعى في معظم كتاباته إلى المطالبة بالعدل مرة على لسان الحيوانات، ومرات على لسان البشر، وباستخدام الحكمة والموعظة الحسنة. ولسنا هنا في موضع المنافحة عن ابن المقفع، وإن كانت تهمة الزندقة التي قتل بسببها تصيب الذين أمروا بقتله أكثر مما تصيبه، لأن الشريعة تقتضي أن يستتاب حتى المرتد وأن تدرأ الحدود بالشبهات، أي أن يحاكم المتهم أمام قضاء عادل قبل أن يحكم عليه، لأن من قتل نفساً بغير حق كأنما قتل الناس جميعاً، بإلغائه لشريعة العدل. وهذه هي بعض مظاهر الزندقة، عبادة الهوى والمصلحة، بدلاً من الالتزام بشريعة العدل. ومع ذلك فقد خرج ابن المقفع من بين سيوف قاتليه حياً بما ترك من آثار إنسانية كبيرة. استطاع الدكتور حسين أن يقدم لنا من وجهات نظر عديدة بما امتلكه من إمكانيات معرفية. فكانت بحق قراءة جديدة، تاريخية، وفكرية، وعقائدية، وأدبية، وجمالية. فظهر دور ومكانة ابن المقفع، كصلة وصل بين حضارتين وثقافتين، الثقافة الفارسية والثقافة العربية. وهي بالواقع مهمة جديرة بالاهتمام والدراسة للكشف عن العلاقات التي ربطت بين الأمتين العربية والفارسية. فإذا كان الحوار الحضاري مطلوباً بين الشعوب فإن هذا الحوار أكثر أهمية بين الشعوب المتجاورة، والتي تجمعها عقيدة واحدة، ويراد لها أن تصبح أشلاء بإثارة نقاط الاختلاف بدلاً من عوامل التوحيد الجامعة. وليس ابن المقفع إلا أحد المبدعين من الفرس وغيرهم الذين ساهموا في الحضارة الإسلامية ودفعوا بها إلى الأعالي، والذين يحق للعرب ولشعوبهم أيضاً أن تفخر بهم، إذ لا خلاف بين ابن الإنسانية وأبناء الأوطان عندما نريد أن نغرف من نهر القيم الذي يصب في تاريخ الأمة والدين والإنسانية. وهذا ما كان يمثله ابن المقفع بعلو قامته الفكرية وصلابة إيمانه بالإنسان. ولعل الدكتور حسين قد رأى في ابن المقفع كل هذه العوامل التي تقرب بين الأمتين العربية والفارسية وبين الأمم جميعاً إذا أرادت السير على طريق الاستقامة والعدل حين اختار ابن المقفع موضوعاً لدراسته النقدية، حيث سيتبين لنا أن الحضارة هي ثمرة جهود مشتركة لأفراد من كل الشعوب، ولكن في كثير من الأحيان كانت تكلفة أحلام المبدعين غالية. وكان ابن المقفع جديراً بالفداء الذي أعد له نفسه عندما أعطى لكماته القلب ثم وهبها الروح. وإذا كان ابن المقفع قد ظل مقروءاً ومثيراً في كل العصور فما هي مزايا الدراسة التي قدمها الدكتور حسين.‏

مزايا الدراسة الجديدة:‏

لا نريد أن نتحدث عن رشاقة وجمال اللغة التي تألقت في الدراسة. ولكنني سأشير إلى بعض الملاحظات المهمة التي أخذ بها الدارس، وسار عليها لتوضيح بعض المسائل والاتهامات التي تعرض لها ابن المقفع من معاصريه، ومن نقل عنهم من النقاد المعاصرين. وأعتقد أنها طريقة ومنهج على كل ناقد منصف أن يسلكه. فقد بحث الدكتور حسين عن الدليل إزاء كل تهمة وجهت لابن المقفع ولم يقبل بالشائعات أو آراء المعاصرين الذين قد يدونون رغبات الحكام ويكيلون بمكيالهم. وإنما طلب الدليل من آثار الكاتب التي تعبر خير تعبير عن أفكاره ومواقفه وعقيدته، وهو الحد الذي على الناقد أن يتوقف عنده، لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الله. وهو منهج العدل الذي سنه الإسلام، والذي في رحابه كانت ستصان حياة ابن المقفع لو طبق، كما سينجو من كل التهم التي وجهت إليه. وهي تهم منها الشعوبية، والزندقة، أما الشعوبية فقد قدم الدكتور حسين العديد من الشهادات التي تنفي عنه الشعوبية. ومنها شهادة شوقي ضيف حيث قال: "وما تركه من ترجمات تثبت أنه واع لما يفعل، ولم يخترق أي محرم ديني أو اجتماعي حين مارس حرية التفكير والكتابة،... ولم يصنع أياً من السير القديمة لغرض شعوبي كما أنتهى إليه الجاحظ من جهة أخرى" (ص70).‏

كما أن شهادته التي وردت في العرب تنفي عنه هذه التهمة. فقد ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد أن ابن المقفع سأل مرة جلساءه: "أي الأمم أعقل؟" فقال كل واحد رأيه في أمة من الأمم، فقال ابن المقفع "العرب". وبيَّن الأسباب قائلاً: "إذا فاتني حظي من النسبة فلا يفوتني حظي من المعرفة. إن العرب حكمت على غير مثال مثّل لها، ولا آثار أثرت، أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر وأدم؛ يجود أحدهم بقوته، ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويحسّن ما شاء فيحسن، ويقبّح ما شاء فيقبح. أدبتهم أنفسهم، ورفعتهم هممهم، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم، فلم يزل حباء الله فيهم، وحباؤهم في أنفسهم حتى رفع الله لهم الفخر؛ وبلغ بهم أشرف الذكر، ختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح وخلافته بهم إلى الحشر، على الخير فيهم ولهم. فقال تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين( (الأعراف/128). فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم خصم، ودفع الحق باللسان أكبت للجنان" (ص46).‏

وإذا كان علينا أن نحتاط من إلصاق تهمة الشعوبية بالآخرين، فعلينا أن نبحث عن الأسباب التي نشأ في ظلها هذا المصطلح، وما الدافع إليه في دولة يجب أن يكون شعارها (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). فهل نشأ هذا الداء إلا من بلاء تقسيم المجتمع إلى طبقات ودرجات تعتمد الأنساب بدلاً من الأعمال. وقد أوجد الحكام في ذلك الزمان تهمة الزندقة لكل من لا تحكم عليه شريعة العدل.‏

وهي تهمة تناسب ذلك الزمان، وتساعد على قطع رقاب من كان يصوره المخبرون للخليفة كخطر داهم على الخلافة لمصلحتهم الشخصية. وقد كانت أخلاق ابن المقفع وحكمته ونزاهته تؤهله لكي يكون عوناً للخليفة على المفسدين، إلا أن وشايات الظالمين وتهويلهم وأحقادهم قتلته، وكان سفيان بن معاوية والي البصرة أحد الذين قاموا بهذا الدور حتى صدرت الموافقة من الخليفة على قتله، ولا يعلم غير الله ما هي الاتهامات التي ألصقت به وإن كان المعلن هو الزندقة التي لم تثبت عليه، وتستوجب مراجعته فيما لو ثبتت، ولكن سيوف الواشين كانت لا تطيق الانتظار، فقتلت الرجل الحكيم، مع أن ما وصلنا من آثاره يشهد له بالإيمان، كما سيتبين لنا في بحث الدكتور حسين، الذي أعاد للرجل حقه في الإسلام بعد أن قبله عن رضي وتفكر وحكمة. وهو حق له قيمته عندما يراد منه في مرحلة معينة طمس الحقائق من أجل مصالح دنيوية وسياسية، ولهذا يتطلب من الباحثين شعوراً عالياً بالمسؤولية، وفهماً خاصاً لمشاكل العصر وأزماته، وما ينجم عنها من أخطاء قد تؤدي بحياة الشرفاء والحكماء، ومن يودون مساعدة السلطان بالحق لا معاداته، فيبعدهم الظالمون خوفاً من انكشاف أمرهم، ويسعون للبطش بهم، كما حصل لابن المقفع. وقد برع الدكتور حسين في الدفاع عن أديب كبير دفاعاً يثلج الصدر، ويفتح الأبواب لقراءة جديدة لرجل مات مظلوماً ومتهماً بسيف السياسة التي ضاق صدرها عليه حتى أخرجته من الإيمان والإسلام.‏

خاتمة:‏

إننا قد نقرأ في دراسة الدكتور حسين نصاً نثرياً يشبه الشعر بإيحاءاته وبلاغته وجماله وإنسيابه. وكنا نتمنى من الباحث أن يتحقق من التهمة التي نسبت لابن المقفع والتي لقب بسببها بالمقفع والتي لا يمكن أن يقبلها حاملها إذا كانت مما يشي بماضيه السيِّئ. ونحن نرجح نسبه إلى (القفعة) أي القفة لأنه اشتغل بها هو أو بعض أهله. وكنا نفضل عدم تكرار بعض النصوص التي اعتذر المؤلف عن تكرارها بسبب تنوع مواضيع البحث وقراءته للنص من زواياه الفكرية والبلاغية والسياسية وغيرها.. ومع ذلك فإن الكمال أمنية وحافز لا يصل إليه الواصلون وإن وصلوا.. حتى يستمر نهر الإبداع التدفق .. وأبواب المعرفة بانفتاح على الجديد والتجديد. فمن يستطيع أن يوصد أبواب الكمال بغير الطموح إلى الكمال الذي لا يتحقق. ويجب أن نذكر في النهاية بأن حيوانات ابن المقفع إذا كانت قد تكلمت، فلكي يتكلم البشر، وينطقوا بالصواب. وهي أمنية جميع المصلحين في كل العصور.‏

***‏

المرجع:‏

د. حسين جمعة، ابن المقفع بين حضارتين، قراءة فكرية نقدية وأدبية. الطبعة الأولى، 1423 ه‍ ـ 2003م. منشورات المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244