جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الأقدام الموحلة..!! ـــ حسن حميد

ليست تصفية حسابات، أو محارشة بعوالم القصة القصيرة، وظروفها وواقعها الآن (تجارب وأسماء ومعطيات)، وإنما هي وجهة نظر، رأي، فيما نراه حاصلاً في واقع القصة القصيرة التي باتت اليوم من دون قراء، من دون عشاق، ومن دون نقاد، ومن دون دور اجتماعي ـ إبداعي ـ جماهيري.. أيضاً، خصوصاً بعد شيوع الكتابات الباردة التي تسمّى جزافاً القصة القصيرة جداً، وقد ظنَّ أصحابها (وقد خلا الميدان لهم)، ربما أيقنوا أيضاً، أنهم يأتون بفتح جديد في عالم الأدب! ولكن من أين لكتاباتهم أن تكون فتحاً وهي من دون قامات ومن دون أرواح.. أصلاً.‏

لا أنكر أن ثمة أسماء تحاول أن تصطفي بعضاً مما تكتبه لكي يكون صالحاً للظهور على الناس، ولكن هذا (المصطفى) القليل يضيع تأثيره في وسط حمّى الكتابات الرخوة الباهتة التي تطل علينا من المنابر (صحفاً ومجلات ومراكز ثقافية)، وهذه الكثرة مُضرة جداً لأنها للأسف تعوّد الذائقة على استطعام الرديء، لا بل إنها تسحب الذائقة إلى مواضعاتها المتدنية، ومستوياتها المنحدرة.. إذْ إننا لا نعدم وجود من يصفق للنصوص المطفأة في المراكز الثقافية، في الوقت الذي أعدُّ الحضور وحده.. مخالفة أخلاقية، لأن الحضور (في عرف الحس السليم) قرين للجميل، قرين للضوء والندى، والنصوص التي ترمى، عفواً تلقى، في المراكز الثقافية لا ضوء فيها ولا ندى.‏

كذلك.. لا نُعدم أن يقوم أحد شرّاح النصوص بالكتابة عنها، وتقريظها! لا، بل إننا لا نعدم أن نجد متعاطفاً في المنابر الصحفية... ليقوم وينشر تلك النصوص مرة أخرى لكي تكبر دائرة (الغلط الابتدائي) على الناس، فتصير حجة لمن يريد الكتابة في مجال القصة القصيرة، كما تصير مستوىً يكتب الآخرون (جدداً وقدامى) على قياسه، ثم يأتي أصحاب النصوص الملقاة منبرياً (في المراكز والصحف والمجلات) جامعين لها في مخطوط واحد، من أجل نشرها في كتاب لكي تتوازى هذه القصص (النفيسة)، مع كتب تشيخوف، وبوتزاتي، وإدغار آلن بو، وبونين، ويوسف إدريس، وزكريا تامر... القصصية! وحين يقول ناقد فهامة (رضي بعزلته العلمية والإبداعية) أو قاص له مكانته وتجربته.. لا لهذه المخطوطة المراد نشرها تقوم قيامة صاحب المخطوطة فيبدأ بتفنيد غلط الناقد، أو القاص، ذلك لأنه يمتلك حججاً لا تمتلكها الشعوب وهي أ نه ألقى القصص في المراكز الثقافية وحاز على التصفيق؛ لا بل إن مدير المركز الثقافي شدّه شداً لكي يتناول طعام العشاء على مائدة المركز تشريفاً وتقديراً لمقامه ومقام قصصه الرائعة، وأن أكثر من إنسان وإنسانة هاتفوه معتذرين لأنهم لم يتمكنوا من حضور أمسيته الندية، ثم إنه (ثانياً) نشر هذه القصص في الصحف والمجلات، وهي صحف ومجلات وطنية تصدرها جهات ثقافية لها حظوتها واعتبارها، ثم (ثالثاً) إن بعض نقاد الجامعة تناولوها فكتبوا عنها، ما لم يكتبوه على معلقات ابن شداد، والملك الضليل، وابن العبد.. إذن، والحال كذلك يحول الناقد بين المخطوطة وطبعها في كتاب ولهذا يتهم بأنه اقترف جريمة ثقافية غايتها (كما يتوهمون) الحجر على القصة القصيرة، والحجر على التجارب الإبداعية، والوقوف بوجه حرية النشر والتعبير..الخ!‏

بلى، إن الوقوف بوجه الرداءة، ولجم مشهديات الاستخفاف، والتطاول على الإبداع، والثقافة.. هو موقف إبداعي، وليس جريمة، وعلينا جميعاً أن نؤيده.ففي الإبداع (وهو ثروة من ثرواتنا علينا أن نغنيها بالطيب والنفيس) لا توجد مجاملات، أو محاباة، أو مهادنة.. بل توجد آراء ووجهات نظر من أجل رفع المستوى، أما الرديء فهو خارج دائرة الآراء ووجهات النظر ذلك لأنه زرع في غير أرضه، زرع لا ثمر لـه... إننا حين نقول عن القصص الرديئة إنها قصص جميلة تماماً مثلما نقول هذا تفاح شجر الصفصاف.. الأمران خارج سياق الطبيعة الإبداعية، وعلينا أن نكون حاسمين في هذا المجال، وفي غيره أيضاً من مجالات الإبداع الأخرى.‏

ترى ألا نسمع من الآخرين، كل الآخرين، بأن الشعر يتأخر؟! إن تأخره ليس متعلقاً بعدم وجود شعراء ماجدين، وإنما بسبب الكثرة المرعبة من هذا الرغاء الشعري الذي يطلع علينا ليس من صفحات الصحف وحسب، وإنما من نوافذ الهواء أيضاً، (ويقولون هذا هو الموجود فماذا نفعل؟!).. لنصمت شعرياً، لنكف عن نشر الشعر السيء، لقد انتظرت البشرية آلاف السنين حتى توصل اجتماع البشر إلى صيغ قول الشعر. قبلهم كانت الطبيعة أشجاراً وأنهاراً وغدراناً.. هي التي تقول الشعر..! الآن، إذا ماكان الموجود رديئاً فلماذا لا ندخل دائرة صوغ الشعر الجميل، وانتظار مواليد الشعر الجدد؟! نعم لماذا ؟! والحال.. هي كذلك في جميع أجناس الأدب.. فالأعراض نفسها، والجهل النشيط نفسه، والنصوص العمياء نفسها، والشارحون هم أنفسهم.. والحل؟ لابدَّ من تكريم المبدعين الأصلاء وإعلاء شأنهم لأنهم مستوى، لا مجرد تمرين كتابي، وإعلاء شأن النقد وتعزيز مكانته، وطي التهاون والمسايرة، والالتفات إلى التجارب الإبداعية الكبيرة (محلياً وعالمياً) لتكون النموذج والمستوى للأجيال الطالعة كي لا تنتهك حياض الإبداع.. بالأقدام الموحلة!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244