جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

وأنت حبيبي ـــ عز الدين جلاوجي/ الجزائر

ذات صباح:‏

حين كانت تسير بجنبه على ضفة النهر كانت ترى العالم كله محصوراً في ذاتها وكانت ترى نفسها أميرة تمد رجليها الناعمتين ليقبلهما كل أفراد رعيتها..‏

داعب النسيم خصلات شعرها فانتشرت تلهث خلفها.. ضغط على أصابعها.. ضغطت على أصابعه.. جلساً على صخرة.. كان الماء خلفهما يعزف ألحانه العذبة.. تأمل عينيها.. تأملت عينيه.. قالت بصوت رخيم.‏

ـ فريد أحبك.‏

رد عليها وقد كاد يمخر عينيها‏

ـ ليلى أحبك‏

ذات ضحى‏

جلست على الأريكة الفاخرة.. أخرجت من حافظتها السوداء مرآة صغيرة.. تأملت وجهها كان جذابا.. لقد وضعت عليه المساحيق بعناية فائقة.. أعادتها إلى الحافظة.. وضعتها على الأريكة المجاورة .. نظرت إلى ساعتها.. الناس بدأوا يتوافدون.. والحفل سيبدأ بعد قليل وهو لم يأت.. نظرت خلفها في قلق.. رأته داخلاً.. ابتسمت.. رفعت حافظتها.. جلس سليم بجانبها.. أنعشته رائحة عطرها.. استفاقت نفسه من غفوتها.. تأملته.. قال بصوت خافت:‏

ـ أرى في عينيك نوارس الحب البيضاء.. أحبك وحب عينيك يحاصرني يا ليلى‏

قالت وهي تداعب نسمات الأحلام:‏

ـ أحب في السين سماءك.. وفي اللام ليلك.. وفي الياء يمك.. وفي الميم ملاكك.. أحبك .. أحبك يا سليم.‏

ذات مساء‏

ـ مراد! كم انتظرتك في المرافئ القديمة يا حبيبي!‏

ـ أريد أن ألقاك في المرافئ الجديدة يا حبيبتي‏

وضحكا.. تشابكت ذراعاهما.. قال:‏

ـ ماذا تشربين؟‏

ـ دمعك يا حبيبي‏

ـ مالح‏

ـ في حلق غيري‏

ـ وفي حلقك؟‏

ـ كالشهد المصفى‏

ـ سأكون فارس أحلامك.. فهل أنت لي يا ليلى؟‏

ـ أقسم أني لن أكون لغيرك.. أتحبني أن أكسر نايي..؟ أحبك.. أحبك..‏

ذات مغيب:‏

فتح الباب.. ولج غرفته.. رأى عروسه ترفل في ثوبها الأبيض حمامة فاتنة.. شدها من يديها.. أجلسها على السرير.. أسند رأسه على الوسادة.. أحس بالسعادة تغمر قلبه.. أطبق عليهما الصمت.. حلقا في فضاء الأحلام.. كسر حاجز الصمت وقال:‏

ـ كم أعشق الإبحار في عينيك يا ليلى!‏

ـ وكم أعشق الاحتماء بأسوارك العالية يا كريم!‏

صمت لحظة.. نظر في عينيها.. كيف أكتشف صدق المرأة من كذبها؟ وسأل‏

ـ هل حبي هو حبك الأوحد؟‏

ـ لقد انتظرتك يا حبيبي كالعذراء.. كالراهبة في معبد الحب.. كالجوهرة في أعماق المحيطات.. قلبي يا حبيبي كالكهف الذي لم يدخله سواك.. صدقني أنا معدن ذهب لم يكشفه غيرك.‏

أحس بالنشوة تغمره فلفها بذارعيه وراح يحضنها إلى صدره بعمق.‏

الجدار‏

قال صاحبي:‏

ـ يجب أن نهدم الجدار.‏

نظرت إليه بعينين زائغتين وتمددت قريباً منه.‏

لم يسكت.. أعاد ثانية:‏

ـ يجب أن نهدم الجدار‏

ضغطت على بطني الجائع وانكمشت.‏

تضعضع الجدار كسن عجوز.. تهاوت بعض حجارته علينا.. سحبني صاحبي بعيداً خوفاً علي.. عاد الجدار إلى مكانه.‏

تحاملت وقمت مبتعداً.. أمسكني صاحبي يعيدني قائلاً:‏

ـ يجب أن نهدم الجدار‏

وما يعنيني أنا من أمر الجدار.. فليسقط.. فليتهاو.. فليتشظ.. ماذا يعنيني أنا.. منذ سنوات نبهنا الناس أنا وصاحبي إلى أن الجدار سيتهاوى.. وقلنا لهم أن تحت الجدار كنز الآباء والأجداد وإذا تهاوى الجدار سيفتضح أمره وسيكون عرضة لنهب اللصوص والقراصنة.‏

لم يبال الناس في أول الأمر وحين أصررنا وألححنا كلفونا بالمهمة.. قالوا:‏

أنتما أقدر.. ألا تدعيان علم البناء؟‏

لم ننكر ذلك وقررنا أن نهدم الجدار ثم نعيد بناءه من جديد لكننا طلبنا مؤونة تكفينا طول أيام العمل.. وماذا طلبنا؟ كسرة وماء.. لا يقدر المرء على العمل دون كسرة وماء.. فانقسم الناس إلى طوائف ثلاث.‏

طائفة وافقتنا على أمرنا‏

طائفة طالبتنا بالعمل دون شروط‏

طائفة غلبوا على أمرهم صاحوا في مسمع المدينة‏

ـ وما دخل هذين الدجالين؟‏

ثم تطورت نظريتها إلى أن هدم الجدار وإعادة بنائه تدخل في قضاء الله وقدره وأشاعت في الناس أننا بفعلتنا هذه سنجلب السخط للمدينة.‏

ثم تطورت نظريتها إلى وجوب حمل السلاح ضد كل من يخالفها الرأي.‏

قررنا أن نجمع الناس في ساحة المدينة ليسمعوا منا ونسمع منهم.. وحين تعالى لغطنا سمعنا دوي تهاوي الجدار..‏

هرع معشر منا.. لم نجد إلا حفرة الكنز وقد أخذه القراصنة.‏

العين‏

تأملت أنا وجاري الشمس المشرقة.. جلسنا عند عتباتها نغترف من فيضها.. توسطت الشمس السماء فرنونا معاً نعانق خصلاتها مُوَلهين.. حين مالت إلى الغروب اكتشفت أنا وجاري أنها تغرب في عين حمئة..‏

قال صاحبي:‏

ـ يجب أن نطلبها‏

قلت:‏

ـ طلابها مغامرة خطيرة‏

سمعت أمه تحثه على المغامرة صوب العين الحمئة وهي تقول:‏

ـ أدركها قبل الأفول.‏

انهدت جنبات أذني من صيحات أمي وهي تقول:‏

ـ بني لا تذهب إلى الأفول‏

رحل جاري وقعدت.. بعد زمن استنفدت ما جمعته من شمس الشروق وشمس الأصيل.. حين أفلت أمي وحاصرني القر.. كان جاري يشق في الأرض وفي السماء سواقي من العين الحمئة.. وكانت الشمس تجري تبراً ولجينا تطرز أرض جاري.. كان هو يقفز في أرضه جذلان.. وكانت أمه تشرق عليه شمساً.‏

الحافلة‏

الحافلة تسير...‏

وكان لغطها يرتفع أحياناً وينخفض حيناً.. وكان الخلاف بيننا شديداً وحيرتنا عميقة.. إلى أين تسير الحافلة؟ ومن يقودها في هذا الاتجاه؟‏

كان مكان السائق مغطى بحاجز من الزجاج المعتم.. نهض أحدنا من كرسيه المثقوب وقال: يا قوم يجب أن نعرف أمرين في هذه الحافلة:‏

ـ من يقودها؟ وإلى أين تسير بنا؟‏

وكانت الحافلة تسير...‏

استيقظ ثان من نومه.. طويلاً.. بدينا.. جاحظ الخدين.. غائر العينين.. منقلب الشفتين وقال:‏

ـ وما يعنينا نحن فلندعها تسير ألا تدرون أنها تسير بأمر ربها بسم الله مجراها ومرساها.‏

قفز ثالث من كرسيه وسط الحافلة وهي تكاد تميل بنا.. رفع رجلاً واتكأ على عصا.. عدل من عمامته ولحيته القلقة وبدأ في إلقاء محاضرة عن المرجئة والجبرية والمعتزلة وأنهى محاضرته بقوله:‏

ـ .... وستنقسمون إلى سبعين فرقة كلكم في النار إلا أنا...‏

وسقط مغمى عليه وقد تهاوى على خده حذاء أحدهم.‏

غضب أحدنا فاندفع إلى مقدمة الحافلة وكسر زجاجها فاكتشفنا أنها بلا سائق... تملكنا الفزع والهلع وصحنا جميعاً:‏

ـ يا للكارثة!!!‏

ضحك ذو اللحية القلقة حتى بانت أضراسه: لا كارثة ولا هم يحزنون دعوها فإنها مأمورة‏

قال ذو الكرسي المثقوب: يجب أن نختار لها قائداً ويجب أن نحدد لها اتجاهها.‏

قفز ذو اللحية القلقة فاستوى على المقود وهو يصيح: لا قائد إلا من اختاره الله.‏

قفز فوقه مبردع الشفتين وقال باسمكم يا أبناء الحافلة سأقودها إلى بر الأمان.‏

قفز بجوارهما ذو الكرسي المثقوب.. أمسك المقود بكلتا يديه وقال وأمرهم شورى بينهم‏

قام جاحظ الخدين من مكانه.. استعرض عضلاته.. لمعت نجومه.. ابتلع الجميع ألسنتهم..‏

كانت الحافلة تتمايل بعنف من سفح الجبل إلى حافة الوادي.. اندفع جاحظ الخدين وقفز على المقود صائحاً:‏

ـ التصحيح .. التصحيح..‏

انهدت الأجسام الثلاثة.. طارت بعض أجزائها.. رأس هنا وكفان.. بطن هناك وعينان.. صدر هنالك وفخذان.. تشظى المقود هباء منثورا.. تكوم كل ركاب الحافلة في مؤخرتها متكدسين.. رأيت عمود المقود يخترق بطن جاحظ الخدين.. كالوعل نطحت الحافلة صخور السفح.. ثم تهاوت في قعر الوادي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244