جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

محاولة في قراءة ما وراء النص ـــ إسماعيل الملحم

تشد بعض النصوص المتلقي على نحو لافت، يجد نفسه منجذباً إليها تحادثه ويحادثها.. وقد تستيقظ لدى المرء على هوامشها أو ما بعد قراءتها صور شتى يستطيع أن يتبين الخيوط التي تربطها بالنص المشتهى، وفي أحيان كثيرة ينكتب على الهوامش نص على النص، إذ ينفتح النص على دروب لا تفصح عن نهاياتها إلا تلميحاً.. يستر النص غير ما يكشفه وبين الظاهر والمستور أو المضمر ثمة قناع يفضح ما ظن المبدع أن دونه سوراً يصعب اختراقه.‏

في الجانب الآخر من التفاعل مع النص تنهض أسئلة منها ما يثير أسئلة أخرى ومنها ما يكتفي بإجابة جاهزة معلبة.‏

وكيلا نبتعد عن الهدف ونمضي بعيداً، فلا نكشف عن النص أو النصوص التي استدعت أن يقوم المتلقي ببناء نص على النص.. تبدأ الخطوة الأولى من عنوان لنص يستحق ترسيمه قصة قصيرة بجدارة، وإن ضنَّ عليه المحرر أو المبدع بالتسمية فوضعه تحت مسمى (نص) مكتفياً ولم يزد صفة له، النص هو (نداء القطرس- مجلة المعرفة- العدد 475)، قد لا تكون الدهشة قد اكتملت إلا بعد قراءة توأم له (جنون الظمأ- ملحق الثورة- العدد 365). والتوأمان للقاصة (نجاح إبراهيم). جاء النص الثاني ليجدد الرغبة في قراءة ثانية للنص الأول.‏

ولأن القاصة تفتقد إلى المطبلين والمزمرين... قد يكون مرور النصين عابراً بالنسبة إلى عدد من القراء. ليس في هذا القول ما يشير من قريب أو بعيد إلى ضعف في ذائقة هذا المتلقي أو ذاك.. إلا أن كثرة النصوص وتراكمها قد يضعف الرغبة في البحث عن النص المثير.. فيجري المتلقي وراء المصفقين لهذا المبدع أو ذاك وتضيع عليه فرصة اكتشاف ما هو أجدر بالانتباه.‏

في النصين خصوصية ونكهة مميزة.. أي إن صاحبتهما ليست كاتبة عابرة في مجال الإبداع القصصي. فإذا فجَّر النص الأول الرغبة فقد حولها النص الثاني دهشة... وتركا في منظومة القراءات الإبداعية أثراً سوّغه الوجه الذي بدا من وراء حجاب النص... واستدعى شرحاً لباطن النص أكثر من ظاهره... وإذا كان الحلم يقتل القلق أو يضعفه على الأقل، فلماذا يتغلغل القلق في اللحظة المشتهاة، فيثير فضول الآخرين القابعين في ذواتنا، وقد نصبوا أنفسهم حراساً وجنوداً يدافعون عن قيم توهموها وهي لا تعدو أن تكون أوهاماً أصابها الجمود فسكنت في عقولنا وسجنت نفوسنا وصارت تهددنا ليل نهار... وراء أسوار بناها الجهل حيناً والخوف حيناً آخر يتوهج الحلم وتتسرب أضواؤه وألوانه... وبين شمس الصحراء وندى الفرات يظل النص جسداً واحداً لا يتعدد ويتكاثر حتى يعود إلى وحدته... ينهضه الحلم وتكسره المخافر في عقولنا وتحت وسائد نومنا.. تمر الصور مرور النسمة الهادئة طوراً وطوراً تهز الحصن الذي ترسخ بنيانه من الممنوعات والمحرمات والمقدسات والمدنسات... وهو بنيان نسجته الأوهام فصارت حجارته أكبر من حجارة أعمدة بعلبك، ونمت داخل الأبنية المعرفية والوجدانية نباتات متسلقة خفية تعيد للعتيق صنميته وتطوي ما كاد يحدثه التمرد الذي يبدؤه النص ظاهراً تارة ومستوراً مرات. تتراقص الأخيلة تحيي الذكريات الهاربة إلى مغاور وكهوف النفس التي تجنح نحو ضفاف الأمان...‏

يختلط الوعي باللا وعي يتصارعان.. يتعاونان ثم يتنافسان... ويحسم الحراس على بوابة الإبداع المعركة قبل أن تصل إلى نهاياتها... ينتاب المتلقي قلق إذ يشعر أن البنيان الذي شارك في صنعه قد أصابه صدع ما أو أنه قد تصدع فعلاً.. فيفيق من ورطته ويتوقف (جنون الظمأ):‏

"صاحبني أرق التساؤل وحملت الوجه وظمئي، واستندت إلى همي الوحيد وواصلت البحث ترحالاً فوق هودج المنام".‏

وجاءت كلمة (أخيراً) تطلق رصاصة الرحمة على النص الحلم، لكنها لم تغلق النص لولا أنها قد أعادت المتلقي إلى فاتحة النص، وبدقة أكثر الكلمة الخامسة من أوله هل أرادت أن تفضح النص أم أنها اغتالته حين كتبت (ختمت):‏

"ظمأ، ظمأ، رحت أصرخ في المنام".‏

هل المرأة دوماً هي الخاسرة في لعبة الأنثى والذكر؟ أم أنه هروب أو دفاع عن النفس في مجتمع الذكور وقوانينه وأعرافه؟‏

-هامش: يُبقي النص نون الأفعال الخمسة، في بعض المواضع، وقد كان الفعل منصوباً.‏

يبتعد القص في (طائر القوطرس) عن الافتعال والتصنع... ولا تتكئ الحكاية أو تنجر إلى القفلة الأخيرة جراً... ثمة حكايات بدأت ولم تنته، وثمة حكايات تتعانق مع حكايات أخر، تختلط بها، تتحد معها، فلا يحدث أي خلل في الصورة، وأي تشويه في المتعة.. يحتاج النص إلى إعادة نظر –لا فيما تلقاه القارئ، أو صاغته الكتابة- لكنه النص الذي صارت ملكيته، ملكية واحدة ولو تعدد المالكون.. لكن حشرية التلقي جعلت القراءة بجمع الصور في لوحة واحدة، وهو ما يسوّغ إعادة كتابة النص (نص على النص).‏

اللوحة الخلفية أو الأرضية هي المغارة السرية، المنفى اللذيذ ومكان اللجوء المؤرق. على هذه الخلفية حيكت خيوط القصة.. وظلت اللوحة عصية على إطار يحدها، أو يفصلها عما حولها أو يقطعها عن موضوعات أخرى تتداخل معها... افترش الحلم المغارة جدرانها أولاً... تداخل مع أحلام شتى... أحلام قديمة سكنت المغارة... ليس دخول المغارة بكراً... وقد شهدت النقوش المرسومة على سطوح صخورها حضور الآخرين (السابقين) وإحرازهم قصب السبق.. وجاء الحديث عن ذلك تقريراً إلى حد مكشوف حين تدخلت القاصة في تقريب الصورة للهرب من الحلم الثاني الذي قد يكون حقيقة. أضافت: "راحا يفكان خطوطها المتآكلة..." إلى أي عهد تنتمي؟ فقد النص في هذا الموضوع بعضاً من بريقه... لقد حاصره قلم القاصة وحشره في سكة ضيقة منتهية... وضعت حداً للصور البهية... إحضار الجن داخل الصورة، وهم الناس..، تخوف الآخرين من العبور، مجازفة القص وبطلي القصة... إنه (مكان آخر لا وجود لعزيف الجن، إنه الهواء الذي يدخل من الفتحة..) لغة تقريرية..‏

تنازع النص موقفان، أحدهما تبريري، يقصد إلى تبرئة النص من ظنون المتلقي (فيظهر رجلها عجزه، كانت تهديه رائحة جسد أنثى صغيرة بلهو وعبث، وكان يهديها إدعاء... بالرجولة فيضحكان تحت خيمة التجربة الخاوية. انظر إلى هذه الكلمات المقطوعة من سياقها:‏

(عجزه، صغيرة، ادعاء، الخاوية)... أترى كم تجنت هذه الكلمات على النص فأفقدته حريته... وتمضي (وتستمر هي بالضحك حين لا تستطيع يده أن تحتضن كتفها.‏

الموقف الثاني، موقف جريء يخلع رداء الخوف يكشف ما أراد الموقف الآخر ألا يكشفه، بل ما أراد أن ينفيه:‏

"مر بهما الوقت حتى فخرت به رجلاً عريض المنكبين، يستطيع أن يحتوي كتفها وجسدها أيضاً، فارع القوام يشق عباب البحر كإعصار، فخر بها امرأة شكلها بأصابعه وأنفاسه وتأملاته".‏

وحين يستيقظ المخفر في مخيال القاصة تنقطع اللحظة. "وها هي الرسوم حية، جاثمة فوق الجدر تنبئ عن تلك المراحل التي مرا بها". ثمة تحايل في هذا الموقف فيرى المتلقي اللوحة نفسها صورتين متمايزتين ومتناقضتين كما يجري في لوحات الإعلان الإلكترونية... مراحل مرا بها.. نقش قديم على جدار مغارة.‏

يتغلف الحلم بغشاوة لكنها تفضح الرغبات. "يدلفان إليها بفرح غامر، يبعثران الحلم، أغراهما بتكراره مرات... كان الأمر اغتياباً... اغتياباً أول.‏

-متى أفتح‏

-حين يتوقف غنائي..‏

-وقبل أن يتوقف غناؤه فتحت.‏

-اخرج جاء دوري‏

هكذا كان الاغتياب الثاني.. لعبة شد الحبل. أما الاغتياب الثالث فهو قلق الارتحال والانتظار الذي يصل حد البلوى.. بلوى المرأة السجينة تنتظر رجلها تبني آمالاً تنسجها من توق الأنثى وأحلامها... وتنتظر وحين تجيء اللحظة... لا تقبض إلا على الهواء ينزلق الحلم حين تتبدد اللحظة المراوغة. (اطفئي القلق برسم الحلم).. قمع تاريخي في مجتمع تحكمه طقوس ذكورية.. تصوغ مبرراتها بالسراب الخادع بالوعود... "كوني سيدة هذه المغارة، ثم تتكورين في بطن الجرّة".‏

وفي الاغتياب الرابع ثمة مراوغة على النص لكنها تئد الخيال وينحشر المعنى في زاوية مغلقة.. تخلع عن المقطع جمالياته... "كانت تحلم باصطدام الصدر والوجه بعربي قادم من هناك...". وتمعن في قسر النص وتقويله ما لا يكون هنا موضعه أو أوانه يتكثف الزمن وتضيق الرقعة... تنتقل من عالم الأحلام المزدهي بالألوان المحمل بالمعاني إلى بقعة اقتطعت من جغرافية المكان.. بقعة مفبركة، "شهقت وقد تعصفر الوجه، بلاد الطليان".‏

ويأتي اغتياب أخير يضع حداً، أو يكون نتيجة، لبلوى الانتظار... ألم تشتهي العودة إلى اللعبة القديمة... لعبة الدخول والولادة؛ ينغلق النص وتنحشر الحكاية في طريق العودة إلى قول العرافة: "احكمي القبض.." هيهات أن يخرج اللهب من تحت الرماد.. خبا وتبدد... لم يبق سوى جرة فارغة... فلتسجنه داخلها. يتبدد الحلم يتكسر...‏

من سد المغارة، كان ظل رجل.. سد عليها الضوء وقوافل الرذاذ المالح.. لم تتمكن القاصة، على الرغم من قدرتها على التخيل والتذكر وبناء عالم الحكاية، من الانفلات من حالة الأنثى التابعة حتى في لحظات الرغبة النافرة... وحين تتمرد على تبعيتها تلك تفقد رجلها لأنه تضعه داخل الجرّة بعد مراوغة ظاهرة... يتكور داخلها.. وتحكم القبض فيضيع الرجل وتخسر الأنثى حلمها...‏

لكن ما تقدم لم يكن نقداً بقدر ما كان كتابة نص على نص يحاول أن يرى ما وراء النص... وكان النصان محفزين إلى ذلك بجدارة تنم عن اقتدار كاتبتهما وبراعتها فتحت الحكاية في كل منهما على فضاءات مبشرة بوعود غنية بالأحلام والصور.. ولا يضيرها أن تطفئ وهج بعض لحظات القص أحياناً... لكن رغبتها في أن تدفع عن نفسها شبهة المرأة المتمردة المتطلعة إلى فضاءات أرحب... أعادها إلى حكاية (القط والفأرة)، مع كائن آخر، سر وجودهما في اتحادهما حيث التبشير بولادات أغنى من كل السجون التي صنعتها عقول أحكمت الانغلاق على ذاتها.‏

فإلى متى يلاحق الخوف أحلامنا؟ لا جواب. لأن الأجوبة –كما كتبت أحلام مستغانمي- عمياء، الأسئلة وحدها ترى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244