|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حلب في رحلة الفينيق ـــ عامر الدبك رحلة الفينيق هذا الديوان الذي جاء ترتيبه الثامن بين دواوين الشاعرة بهيجة مصري إدلبي، محاولة لتخطي الصمت إلى مسافات الذات المجهولة، حيث الكائنات الشعرية تنهض من وقتها إلى النص الشعري فينهض الشعر من عمق الذات قصيدة تتوخى العمق والفلسفة واللحظة الشعرية المتوارية في الذات. فالديوان هو بشكل من الأشكال فلسفة الكائنات الشعرية وتواصل الأصوات التي رحلت عبر المكان ولكنها بقيت عبر الزمان شاهدة على خلودها وبقائها في المسافة بين القصيدة والحلم بين الحلم والمطلق، لتجول في مسافاتها رافعة صوت القصيدة الخفي عبر رؤى تمتح من الصمت أكثر ما تمتح من الكلام. وقد قالت الشاعرة عن هذا الديوان في أحد حواراتها "هو عبارة عن قصائد موجهة إلى كل الذين غادرونا، وكان أثرهم في ذواتنا خالداً لا يموت، ليس الغرض منه الرثاء بقدر ما هو قراءة لتاريخ وأفكار أولئك الشعراء. فأنا أعلن عن أصواتهم من خلال تجاربهم الإنسانية عامة.. والإبداعية بشكل خاص، وقد حاولت في هذه المجموعة أن أكتب رحلتي التي تمتد في رحلتهم طائراً ينهض من رماده كما تنهض القصائد من رماد الإنسانية. إن كتاب رحلة الفينيق هو شكل من أشكال الحوار الذي أحاور فيه ذاتي من خلال الآخر وأحاور الآخر في ذاتي. وكأني أحمل نفسي إلى عالم يطفح بالإنسانية التي دخلت بوابات انهيارها". لذلك فديوان رحلة الفينيق هو تاريخ للشعر عبر اللازمن، وتاريخ للشعراء عبر الشعر، ولعل ما يميزه هو تجلي حالة الزمان في كون القصيدة، لينهض الشعراء مرة أخرى في زمان ومكان مطلقين، لا حدود لهما إلا حدود الحلم، ولا صورة لهما إلا ما تخفيه الذاكرة خلف جدرانها، فإذا بالمكان ينهض بدفئه وتوحده مع اللحظة الشعرية، والزمان باقترابه من النفس والذات وتوحده مع الكائن الشعري. وبعيداً عن هذا وذاك قدمت الشاعرة بهيجة في مقدمة ديوانها فصلاً خاصاً بمدينتها الأم "حلب" لتكون فاتحة النهوض للمكان عبر شاعر توحد بالزمان المطلق وهو أبو الطيب المتنبي. فحلب هي المكان الأوسع الذي تخطى زمن الفناء، فكانت القصائد الأولى في هذا الديوان مهداة إلى حلب "المدينة التي ولدت منها وفيها، أيقظتني ذات فجر فكانت، وكان الشعر نهراً من دمي، إلى حلب الشهباء منشأي ومبتدأي". تلك المدينة التي تمثل للشاعرة حنينها الأول وفطرتها الأولى، وتمثل عندها المكان في كليته الكونية، حاولت الشاعرة أن ترسم صورة لها تختصر الزمني المحدود إلى الزمني الطلق. ففي قصيدة "وعاودني الحنين" نجد هذا الفيض من الحنين، من الحب من التماهي، والتوحد بهذه المدينة الكائنة في عمق أعماق الشاعرة لحظة من فضاءات ممتدة من روحها إلى غياهب الصمت والرؤى: شهباء جئتك أحمل في دمي سببا وهل ألام إذا كان الهوى سببا أنت النشيد الذي ما خطه قلم يوما ولا في مدادات الهوى كتبا ... ... كأنما الكون نادى من بدايته كوني كما أنت في سفر الهوى حلبا وتنهض الشاعرة في رحلتها الفينيقية عبر حلب التي وقفت في وجه الفناء قصيدة خالدة، لترى بلاداً عتيقة كالماء، وقديمة كالرمل، وقادمة كالنور، فها هي حلب تقف شامخة بصمتها وصوتها بتاريخها، بحاضرها وماضيها بحجارتها التي تشم فيها رائحة الزمن العتيق بقلعتها الشامخة، لتجد نفسها تختصر كل البلاد ولكن هذا التوحد يتشكل في أيقونة من الحلم والألم: قد أنهض الآن أو قد ينهض الألم وقد ينام على أبوابه الحلم ... أنا التي كنت في بدء الزمان ضحى ولم أزل قلعة ما شابها الهرم أضم في القلب آلامي وأحرقها وأرسل الريح في أهدابها الكرم أحيك من أضلعي شمساً وأرفعها لتنمحي عن مدى أسواري الظلم أنا ابنة الشرق تسري في دمي حكم بل رحلتي كلها من بدئها حكم إنها المدينة السر، المدينة الحب، المدينة الإنسان والتاريخ المتوحد بالزمان والمكان، المدينة التي ما قدت من حجر بل من حلم من قصيدة، ولهذه الأسباب كلها تقف الشهباء لتقول عن نفسها مفلسفة حالات الحب التي تحملها في ذرات ترابها وفي مائها وسمائها وفي أشجارها وحجارتها، في كل شيء فيها، وهنا تأخذ المدينة شكلاً إنسانياً راقياً، عندما تدخل فلسفة الأنسنة لتصبح هي كائناتها وكائناتها هي، هي الرائية والعرافة والفيلسوفة والشاعرة والعاشقة والصوفية والمتوحدة بذاتها: عرفت الحب معتقدا ومن أيامنا صعدا يصب الدفء في نسجي وفي الأضلاع قد سجدا أنا سر ينازعني على وقتي إذا نهدا كأني قبل مولده وجدت وقلبي قد وجدا فصار الليل لي بصرا وصار الفجر لي رمدا أرى ما لا يرى غيري وأوغل فوق ما ابتعدا حنيني كان مبتدأي وسري بعد ما نفدا ويعود الحوار بين الشاعرة والمدينة أو بين المدينة والشاعرة فهي تارة تحاورها وتارة تتحدث تلك المدينة بنفسها عن نفسها وكأن بالشاعرة تقف أمام هذا الشموخ وهذا التاريخ لا تجد سبيلاً للبوح به جميعاً فتترك المدينة تقول ما تقول وتدخل في صوتها لتقول هي أيضاً عن تلك المدينة ما تقول إنها اللحظة التي يصبح فيها التاريخ حاملاً للحظة الشعرية والشعر بوحاً في الدفء الخالد للمكان قولي لمن هذه الأمجاد يا حلب ومن إذا صمتت في صمتها الطرب ومن إذا وقفت قال الزمان لها هذي خزائن أسراري وما تهب أيقظت في دمنا تاريخ نشأتنا أنّا ذكرت يكون الشعر والأدب أنت البداية مذ كان الزمان فتى أسرفت في الحسن أنت الفتنة العجب ضمّي أساطير أحلامي بما حملت وعلميني صلاة ما لها حجب وأرسليني إذا ما الليل أرسلني إلى كتاب الهوى إن ضلت الكتب وتختتم الشاعرة الفصل الخاص بحلب بحوارية من روائع الديوان بين القلعة والمتنبي بعنوان فرعي "المتنبي يودع الألفية الثانية في مدينة حلب" حاولت أن تلغي المسافات الزمنية وتخترق التاريخ لتقول كل شيء في زمن تراه وزمن يتوحد في ذاتها وزمن يتلامح أمام ذاكرتها. القلعة التي عبر الزمان لتتحصن بتاريخها منه تقف أمام المتنبي الذي عبر الزمان ليحدثنا عن تاريخه أيضاً، وعن رؤاه التي رآها في الزمن المتشابه والتاريخ الذي ربما يعيد نفسه في مآسيه: فأي حزن وأي حوار وأي صمت وأي حديث حزين نراه في هذا الحوار القلعة: أراك حزينا والقوافي حزينة بدونك ما كان الخلود قوافيا المتنبي: تمر رياح الوقت موتا كما هيا "كفى بك داء أن ترى الموت شافيا" فحسب الليالي أن تعاود سرها "وحسب المنايا أن يكن أمانيا" ويبدأ المتنبي بسرد أحزانه التي تسللت إليه عبر الزمن ليقرأ في هذه الأمة هذا الحاضر الذي يبلغ بروح الشاعر أوج حزنها وانكسارها فتسري الحكمة على لسانه كعادته فيقول: هو الدهر مسكون بحلم مؤجل وما من سبيل مرة قد صفا ليا توسلت بالأحلام حتى وجدتني سربا على وجه المسافة واهيا وقفت بباب الحزن أدركني الأسى وبانت لي الدنيا كما لم تبن ليا إلى أن يقول: تنبأت بالأحزان يا أم إنما وقوفك في وجه الفناء عزائيا لأجلك يا أماه لن أبرح العلا ولن تري القلب المخضل شاكيا خذيني إلى عينيك يا قلعة الهوى أرى فيك تاريخ السيوف المواضيا ولا بد من القول إن الشاعرة بهيجة مصري إدلبي في محاولتها هذه تحاول أن تدرك الحقيقة الإبداعية التي أدركها الشعراء، وأن تتداخل بين ذرات الزمن لتكتب رحلتها الفينيقية بلغة شفافة استلهمت التراث بشكل متميز لتقول ما تريد عن حاضر هذه الأمة ولترى ما ترى بين غبار المستقبل القادم. ويجب أن لا ننسى تلك الأساليب التي حاولتها الشاعرة في هذه المجموعة أساليب الحوار المسرحي والحوار الداخلي المنلوج والحوار مع الآخر في ذاتها لتستطيع أن تقدم رؤى حقيقية لديمقراطية النص وعلاقته مع المتلقي، إلى جانب اللغة التي استخدمتها بصورها بإيحائياتها بمرموزياتها بأبعادها الفلسفية والنفسية والتاريخية والإنسانية، لتقدم قصائد تبحث في المجهول عن حقيقتها وفي الزمن المنكسر عن زمنها المطلق وفي المكان الذي بدأت تتراكم عليه الغبار عن مكانها الخالد. ـ رحلة الفينيق ـ بهيجة مصري إدلبي ـ منشورات دار المعارف ـ حمص/ 2002/ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |