جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

القصة القصيرة في الجنوب الأفريقي ـــ رباب هلال

"وليم بليك"، "يوجين ،.مارايس"، "وليم بلومر"، "بيتر أبراهامز"، "دوريس ليسينج"، "آلن باتون" ،"شيلا روبرتس"، و"نادين جورديمر" الحائزة على جائزة نوبل في الآداب 1991. وأسماء وصل عددها إلى ثماني وثلاثين لأدباء وأديبات كتبوا القصة القصيرة والرواية ومختلف الأبحاث والدراسات، ضمهم كتاب يحوي قصصاً قصيرة من الجنوب الأفريقي، فيما يقارب (600) صفحة من القطع الوسط، صدر عام 1985، ترجمة عن الإنكليزية وقدم له "ستيفن جراي"، قامت بترجمته إلى العربية "سامية دياب"، صادر عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، عام 2002.‏

ويعتبر هذا الكتاب القصصي، برأي "ستيفن جراي" محاولة أولى شملت نطاقاً واسعاً للمقارنة المنظمة بين آداب الجنوب الأفريقي المتنوعة، حتى يمكن ترتيبها ضمن الخبرات العامة، دون أن يكون هناك أي انحياز أو تقسيم للأدب الأفريقي المكتوب باللغة الإنكليزية والآخر المكتوب باللغة الأفريكانية. وقد انطلق "جاري" من فرضية أن هذه الآداب أجزاء متكاملة داخل منظومة أكثر اتساعاً يمكنها أن تشمل التقاليد السائدة للأدب ذاته، كما أنه سيتضح ما في آداب شبه القارة من امتداد وتداخل في منطقة لها تلك السعة الجغرافية. كما أنه كسر نمطية ما تآلف عليه من جمع القصص، ودراستها ونقدها، إذا كان يتم اختيار بؤرة ضيقة لتسليط الضوء عليها، فعدم الشمول هذا لابد أن يفقد النقد والدراسات الكثير من الموضوعية والمصداقية. فقد كان التركيز مثلاً على "أدب الزولو" أو على الأدب الجديد باللغة الإنكليزية في أفريقيا، أو أدب متمركز على موضوع معين، مثل "أدب التمييز العنصري" أو يجري تصنيفه بطريقة مدرسية مثل "أدب الاحتجاج الأسود".‏

إذن، لقد تم إلغاء الحدود الجغرافية أولاً، فنجد قصصاً من جمهورية جنوب أفريقية، ومن ليسوتو، وبتسوانا، وسوزيلاند، وناميبيا، وزيمبابوي، ومالوي، الذي يمكن وصفها بحسب "جراي" بأنها منطقة أدبية واحدة، امتلكت خصائص مشتركة من خلال التبادل التجاري لزمن طويل، وأيضاً من خلال تطبيقاتها في النشر والتعليم، من هنا فإن تسمية هذه المنطقة بـ "الجنوب الأفريقي" يعني ذلك حقلاً أدبياً، وليس مجموعة من الدول القومية الحالية.‏

حدود أخرى لجأ إلى إزالتها "جراي" في جمعه للقصص، وهي حدود الزمن، فإن وجوب ذلك بالنسبة إليه ضروري من أجل تصحيح النظرة الخاطئة لمؤرخي الأدب الذين يعتبرون أن أوربا هي مهد الإبداع الأدبي، وأن أفريقية مراهقة وغير ناضجة في هذا المجال، مع أن الأنثربولوجيين يقولون أن أفريقية هي مهد الجنس البشري، وفي منطقة "الترنسفال" نشأت أول لغة تكلم بها الإنسان. ولبرهنة الأمرين معاً، أي إلغاء حدود الزمن وتأكيد قدم الإبداع الأفريقي فقد صدّر "جراي" القصص بحكاية "أصل الموت" ترجمها عن لغة الناما إلى الإنجليزية "و.هـ. بليك، 1827 ـ 1875"، وهذه الحكاية تعود إلى ما قبل الميلاد وظلت عبر قرون محفوظة شفاهياً إلى أن دّونت أول مرة في القرن التاسع عشر.‏

يرى "جراي" أن النقد الموجه إلى أدب الجنوب الأفريقي نقدٌ يقظٌ إلى عاملين متناقضين نجما عن الحالة الازدواجية والتي لا انفصال بين ركنيها في الجنوب الأفريقي كونه وقع تحت هيمنة جمهورية جنوب أفريقيا حيث اجتمع نقيضان: كونها أولاً العملاق الصناعي في المنطقة وثانياً المنتهك الأكبر لحقوق الإنسان، مشيراً بذلك إلى فترة الحكم العنصري، والذي حدث أن النقد بيع بيعاً لا رجعة فيه لرجال الأعمال في مجال النشر والتوزيع، أو أنه تحول إلى نقد حربي مباشر يضع النصوص في حرب مستميتة حتى التحرير، وهذا ما يسيء أحياناً إلى الأدب، ولعلّ المتعمق والباحث يجيب على أسئلة مثل:‏

لماذا يجيء عمل معين على هذا النحو، في لحظة تاريخية معينة؟ وكيف أن تتابع اللحظات يدخل في نسق أدبي يشمل الماضي والحاضر والمستقبل؟‏

آثر (جراي) أن يدرج، عبر ذاك المد الزمني الطويل، الذي بدأه من ستينيات القرن التاسع عشر إلى منتصف الثمانينات من القرن العشرين، شتى ألوان الفن القصصي، بدءاً من الحكاية الخرافية، إلى الخيالية، إلى الكلاسيكية والواقعية والكلاسيكية الجديدة، وقصة الخيال العلمي.‏

لقد لعبت القصة الخيالية القصيرة بما هي نوع أدبي دوراً أساسياً في كل فروع الأدب في الجنوب الأفريقي، وقد عملت فيما قبل عام 1800، أداة نقل للأساطير وحكايات الحيوان الخرافية إلى قلب أدب السود المكتوب بلغاته الأصلية، في القرن التاسع عشر، وعلى مستوى الأدب الكولونيالي الموجود في الفترة نفسها. كانت أداة نقل للحكايات الخرافية والفولكلور المكتوب باللغات الأوروبية، ثم تمّ استيعاب هذه الأنواع الشفاهية في شكل القصة القصيرة المكتوبة في القرن العشرين. لذا، فإن الأدب الجنوب أفريقي لا يفصل بين مصطلحات "الأسطورة" و"حكايات الحيوان الخرافية" والحكايات الخرافية، والفولكلور، والحكاية الشعبية والقصة القصيرة، ذلك لأن أمر الفولكلور هنا لا يتعلق بآداب منفصلة متناثرة ومختلفة، وإنما يتعلق بوحدة أدبية متكاملة وفعالة، وكما ذكرت آنفاً حول وحدة الأدب دون تقسيمه جغرافياً، بحسب نظرة القوميين، التي وإن صحّت إثنوجغرافياً، لشتى أنواع القصة القصيرة، وأن هناك أدب "الفيندا" وأدب "زيرونجا" وأدب "سوتو الشمالية" و"سوتو الجنوبية" وأدب "الشوفا" والأدب الأفريكاني والإنجليزي والاثنان في سلة واحدة، فإن ذاك التصنيف لإضفاء تمييز وسمو الأعمال المكتوبة باللغات الأوروبية الأصل، بينما يؤكد "جراي" على التداخل بين هذه الآداب رافضاً تأكيد التراتب الهرمي. من هنا فإنه يرى أن الجنوب الأفريقي قدّم مستوىً راقياً من الكتّاب متعددي الثقافة، وأن هذا الأدب ذاته قد تحدى عمليات الفصل وإقامة الحدود، وأن الممارسة الأدبية خضعت لكل آداب التكيف جراء تمازجها واندماجها اللذين أثمرا معان جديدة وذلك نتيجة لاستجابته للتطورات والتحولات لا نتيجة للامتصاص والسيطرة.‏

إن أهم ما يميز هذا الأدب أنه، حتى اليوم، تروى عديد من القصص ولا تكتب، وما دوّن منها قام به الأدباء المتعلمون، وهي تحمل سمات قصص مرحلة ما قبل الأدب المكتوب، دون الإقرار بأن كل الكتاب المتعلمين هم من "البيض" غالباً، وأن الشخصيات والرواة غالباً من "السّود" في الأدب السابق على الكتابة. لنجد أن الكاتب لعب دوماً دوراً حيوياً بالغ الأهمية في عملية تحويل الخبرة الشفاهية إلى خبرة كتابية. نجد ذلك في عديد من قصص هذه المجموعة المختارة، حيث تميز الكاتب بوصفه ناسخاً ومسجلاً للكلمة المنطوقة.‏

تعتبر مسألة الترجمة إحدى السمات المميزة لأدب الجنوب الأفريقي، لأن الكاتب سيخسر كثيراً إن لم يكن قادراً على الانتقال من لغة إلى أخرى بشكل تلقائي وسريع، في بلاد تتزاحم فيها اللغات كتزاحم الناس في الأسواق. ففي انتقال القصة وترجمتها من لغة إلى أخرى دبيب حياة جديدة، فعنصر الترجمة الفعالة هذا لا يتم فقط من لغة أقل انتشاراً إلى لغة أكثر انتشاراً، وإنما العكس صحيح أيضاً. وإن ظهور هذه المجموعة من القصص مكتوبة بالإنجليزية ومترجمة إليها لا يعني أبداً أن هذا أدب إنجليزي. صحيح أن اللغة الإنجليزية أدت دورها بوصفها لغة أولى أو ثانية لغالبية كتاب المنطقة، إلاّ أن ذلك لم يثبت أن هذه اللغة هي الوسيط الوحيد الذي يقع عليه الاختيار، لأن القراء المقصودين لم يكونوا يتكلمون الإنجليزية. وإن ثبت جدوى هذه اللغة فيما يخص مجال الأعمال، فإنّ ذلك مشكوك به في مجال الأدب. وذلك لأن اللغة الإنجليزية مستوردة حديثاً، ولم يتسنَّ لها بعد التأثير في الخبرة العميقة للناس، هذا بالإضافة إلى أنها لغة عالمية عامة جداً بحيث لا تستطيع الإمساك بدقائق الأقوال والمشاعر، وإن كانت لها قوتها وفعاليتها وفائدتها فإن ذلك يكمن في الوصول إلى خارج حدود الإقليم، إلى العواصم الكبرى حيث قراء الإنجليزية. ولدينا العديد من الأمثلة عمن كتبوا روايات كولونيالية، من أمثال الكاتبة "أوليف سراينر" التي قدمت بالإنجليزية أول رواية كولونيالية ذات أهمية منذ أكثر من قرن، وهناك أيضاً "وليم بلومر" و"دوريس لسينج" و"آلن باتون" و"إيزاكيا مفالليل" و"نادين جورديمر" و"بيسي هيد" و"إلزا جوبيرت"، وغيرهم.. وسنجد لهؤلاء قصصاً ضمن هذه المجموعة.‏

ولكن يجب وضع التأكيد على أمْرِ أنّ ما هو مقبول في العواصم الكبرى مثل لندن ونيويورك، فإنه غير مقبول بالضرورة في الموطن الأصلي. وأن أمر النجاح في الخارج من خلال اللغة الإنجليزية فقط هو ليس أكثر من خدعة. والأصح أن البيئة التي نشأوا فيها والتي تستقبل إنتاجهم الأدبي هي أكثر حسماً في تأثيرها فيهم، وأن المجال الحيوي لهؤلاء الكتاب يكمنُ في شبه القارة تلك، المفعمة بالخيال، هذا الخيال الناشئ عن الوحدة والتنوع، وعن حركات التوفيق الجريئة وما ينتج عن الشيء ونقيضه من جديد، فهذا في مجمله أكثر أهمية من أية موهبة فردية أو عمل أدبي فذ ينتج عن هذا الوضع.‏

ويؤكد "جراي" أن اختيار هذه المجموعة المكتوبة باللغة الإنجليزية أو المترجمة إلى الإنجليزية، كان مجرد مصادفة، وهذا ما يؤكده المشهد الموزاييكي الشامل للمشهد الأدبي الذي يتضح للقارئ من خلال قراءة مجموعة القصص هذه.‏

وعبر قراءة قصص المجموعة سنجد أن فرضيات ورؤية "جراي" دقيقة إلى حدّ كبير. فالمجموعة تبتدئ، كما ذكرت آنفاً، بقصة "أصل الموت" التي تعود إلى ما قبل الميلاد، وتختتم بقصة "غزاة الفضاء"، لـ "بيتر فليهلم" فذاك البدء وهذا الختام يشكل خطأ كرونولوجياً تصاعدياً، ماض وحاضر ومستقبل، هكذا نشأت القصة في جنوب أفريفية وهذا ما آلت إليه. وما بين البدء والختام، ستندرج قصص الخرافة والحيوان والأسطورة، منقولة عن لغة الزاهوسا إلى الإنجليزية، وقصص أخرى عن معارك وتاريخ اقتتالات، حكايات زمن وبشر معتقدات وعادات وشعوب، مدائن وقرى، وديان وجبال، عنصرية، وظلم، محاولات انعتاق، فلسفة وتأمل، رموز وخيالات، دعوة للسلام، طموحات وسجون، عزلة وغربة واستيحاش.. لغات ولغات: الزاهوسا والأفريكانية، الناما، والزولو، وأسماء كتاب، وتنوع قصصي لافت فنياً أغلب الأحيان.‏

في الخاتمة يقدم (ستيفن جراي) بطاقة تعريف عامة ومكثفة لكل من الأدباء والأديبات، أسماءهم تواريخ ولاداتهم وتواريخ وفاة من قضى منهم نحبه، أهم أعمالهم، ملامح وسمات كتاباتهم، مؤلفاتهم، واهتماماتهم المختلفة.‏

والجدير بالملاحظة أن بين هؤلاء الأدباء من هم في الظل ولم يطلهم النقد أو الدراسة في جنوب أفريقيا، وما أراده "جراي" إظهار هؤلاء، الذي قد يكون بينهم من هو أهم بكثير ممن اعتلى منابر الحضور، ومنابر النقد أو الإعلام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244