|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
لقطات من تاريخ مجهول ـــ عبد الرحمن غنيم 1-الطبيعة الناطقة والهجرات الفلسطينية الأولى تقولُ "موري هوب "إن الحجارة والآبار والأنهار والمظاهر الطبيعية الأخرى، كانت غالباً رموزاً محددةً للسلت، حيث شكلت القوى الطبيعية التي عبدوها"(1). لكنَّ ما لم تصل إليه هي أو غيرها من الباحثين في التاريخ والميثولوجيا في أوروبا هو تطبيق أسماء هؤلاء المعبودين على جغرافيا محدَّدة، من أجل التعرف على وطن السلت الأصلي، مع أنهم يقولون إن هؤلاء جاءوا إلى أوروبا من إقليم في آسيا يُدعى قرافيس Grafis(2). للوهلة الأولى، يبدو اسم قرافيس هذا غريباً، مثلما تبدو غريبةً أسماءُ آلهة السلت التي تندرج في عدة بانثيونات إلهية، مما يدلِّل على أنهم كانوا يمثلون جماعات متعددة، وإن كانت تجمع بينها أواصر القربى، أو الإقامة في مناطق جغرافية متلاصقة، قبل أن يضطروا لسبب أو لآخر إلى الهجرة، في موجات متعددة، وليس في موجة واحدة، ولكن إذا نحنُ أخذنا بقول موري هوب عن تسميتهم للآلهة بأسماء المعالم الجغرافية، فإننا سنكتشف ببساطة متناهية أن وطن هؤلاء الأصلي كان فلسطين الطبيعية، بل وربما كلَّ بلاد الشام، وإن كان وجودهم في جنوب بلاد الشام هو الأكثر كثافة. وعلى ذلك، فإنَّ هؤلاء ربما يشكلون أول مظاهر اللجوء الفلسطيني في التاريخ. وقد نتمكن أو يتعذر علينا معرفة حقيقة الظروف التي أدت إلى هجرتهم وأزمنتها بالتحديد. لكننا نستطيع القول بكل ثقة أن فلسطين كانت وطنهم الأصلي الذي يحسُّون حتى الآن بالحنين والرغبة في التعرف إليه، رغم أنهم تحوَّلوا مع الزمن إلى أوروبيين. لقد تحققت معنا الأصول الفلسطينية لآلهة السلت وأبطالهم التاريخيين المقدَّسين عندهم بنسبة لا تقل عن 80% من الأسماء، بمجرد أن فتحنا أفق البحث ليشمل مظاهر الطبيعة، وهي نسبة عالية للغاية إذا نحن وضعنا في الاعتبار أنَّ الأسماء طرأت عليها تبدُّلات مع الزمن، بحيث اختفت بعضها بالتأكيد خلف أسماء أخرى أو تحوَّلت إلى تلال أثرية لا نعرف على وجه اليقين اسمها الأصلي. وفي حالة الأسماء المحققة، فإنَّ بعضها تكررت في مواقع متعددة، بحيث وجدنا للاسم الواحد تواجداً في أكثر من مكان. ولكن الاستنتاج الأهم هو أنَّ لغة هؤلاء السلت الأصلية التي تتضح من أسماء آلهتهم وبعض المواقع الجغرافية، هي بكل تأكيد لغة عربية قديمة، روابط الصلة بينها وبين اللغة العربية الفصحى كما تعكسها المعاجم العربية، هي أقوى بكثير من روابط الصلة مع اللغات الكنعانية والآرامية والأكادية والمصرية القديمة والبربرية، وهي جميعاً لغات نصفها بالعروبية، فلماذا يستثنى السلت من الانتساب إلى هذه العائلة، ويجري الإصرار لدى الباحثين في أوروبا على أنهم ينتسبون إلى الشعوب الناطقة باللغات الهندو-أوروبية؟ يوجد في فلسطين حتى الآن وادٍ يصبَّ في نهر الأردن قرب موقع المغطس بجوار أريحا يحمل اسم وادي الكلت (أي وادي السلت). ومع أنَّ هذا الاسم يكفي للدلالة على أن السلت كانوا هنا وأعطوا للوادي اسمهم، إلاَّ أنَّ المفاجأة الحقيقية والأكثر أهمية، هي أن نكتشف موقع Grafis. وهنا نجد في الواقع موضعين وليس موضعاً واحداً. ففي سيناء والنقب، يوجد وادٍ كبير يحمل اسم الجرافي (Grafi) ويبلغ الطول الإجمالي لهذا الوادي 147كم، والأهم أن المنطقة التي يصب فيها هذا الوادي تُسمَّى "سهل البها". وثمة إلهة سلتية يرد اسمها بثلاث صيغ متقاربة كلها من البهاء، وهي: بابه، وبانبها، ومبها (أي أم البهاء). ومع أنَّ الإنسان عاش بكثافة نسبية في تلك المنطقة خلال الألف الثالث ق. م.، واستثمر مناجم النحاس والفيروز ما بين تمناع في النقب وسيناء، وترك وراءه وحتى من أزمنة لاحقة كتابات تدلِّلُ على حياته في تلك المنطقة، إلاَّ أنَّ الأرجح أن تكون Grafis المقصودة في غير وادي الجرافي. وسيثير دهشتنا في الواقع، ويقدِّم لنا دليلاً يقينياً أن نجد هذا الموقع في وادي الكلت، مما يعني اجتماع قرينتين أساسيتين. يتشكل وادي الكلت من اجتماع واديين هما وادي السوينيت (الصوينيت) ووادي فارة. وتبدأ المجاري العليا لوادي السوينيت من السفوح الشمالية لجبل قرفيص Grafis، ويعرف بوادي شيبان الذي يتلقى مياه وادي العين القادمة من الظاهر الشرقي للبيرة ومياه وادي النطوف الواقع شرقي مطار القدس(3). ودون أن نتتبع مسار هذا الوادي وروافده، نكتفي بالقول إن من الينابيع المغذِّية له والتي تعتبر الأهم كمصدر دائم للمياه ينابيع عين القلط وفارة والفوار. وإذا كانت عين القلط تحمل بدورها اسم الكلت (السلت) وتشكل دلالة ثالثة على توطُّن التسمية، فإنَّ فارة والفوَّار يحملان في الواقع مدلولات سلتية، هي مصدر تسمية الكثير من الينابيع والعيون والأودية في فلسطين، وليس المقصود من فارة أنثى الفأر كما قد يخطر في البال، ولكن الفوران على غرار فوران قدرة (Cauldrun) الداقدا الإله الطيب، أو كيردوين الإلهة. وهو أمر يتصل بعقيدة دينية يدخل فيها قرن الخصب كرمز للإلهة. موطن السلت القديم إذن، الموطن الأصلي الذي انتقلوا منه إلى أوروبا، حتى حلُّوا في فرنسا وبريطانيا وايرلندا، بعد أن حلَّوا في حوض الدانوب وفي سويسرا، وبعد أن غزو إسبانيا وروما ودلفي في اليونان، هذا الوطن الذي ظل اسمه في ذاكرتهم، وسجَّلوه في كتبهم بصيغة Grafis هو –على الأقل- منطقة وادي الكلت ما بين رام الله-البيرة شمالاً والقدس جنوباً وصولاً إلى أريحا ونهر الأردن. هذا بالطبع، ليس كل وطن السلت القديم في فلسطين، ولكنه الجزء الذي نتحقق منه في ضوء التعرف على جبل قرفيص. وأما الأجزاء الأخرى، وعلى كامل خريطة فلسطين تقريباً، فإنه سيكون بوسعنا تحديدها ببساطة من خلال متابعة أسماء الآلهة وعلاقتها بالجغرافيا البشرية والطبيعية. إن اسم جبل قرفيص كما هو واضح، هو اسم عربي يدلُّ على "القرفصة"، وهي وضعية الجلوس، ولكن أيضاً الوضعية التي كان يدفن فيها الأموات ضمن آنية فخارية. وبالتالي، فهو اسم له صلته بعقيدة القوم الدينية، وهي عقيدة تتحدَّر من حضارة العصر الحجري الحديث بدءاً بالحضارة النطوفية في بلاد الشام، ممَّا يرجِّح أن هؤلاء السلت كانوا سكان البلاد الأصليين، ولكن يجب هنا أن ننتبه أنَّ جانباً من السلت في أوروبا كانوا يحرقون جثث موتاهم، وهي ظاهرة شائعة عند الهندو-أوروبيين، مما يرجِّح حدوث تواصل حضاري وراء هذه الظاهرة، وإن كنا لا نستطيع أن نحدِّد مكان وزمان هذا التواصل. (1)موري هوب، السحر السلتي العملي، ص89. (2)نفس المصدر، ص 11. (3)الموسوعة الفلسطينية، مجلد 3، ص 587. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |